تشهد العلاقات عبر الأطلسي توترًا غير مسبوق، إذ أعلنت وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" أن الولايات المتحدة ستسحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا ، خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، وهو ما يمثل قرابة 15 في المائة من القوات الأمريكية المتمركزة في الدولة الأوروبية، وسط خلاف حاد مع المستشار الألماني فريدريش ميرز بشأن الحرب في إيران، والتي أدت إلى اضطراب في الشرق الأوسط وأزمة عالمية في أسعار النفط.
وصرح المتحدث باسم البنتاجون، شون بارنيل، في بيان له، أن "القرار جاء عقب مراجعة شاملة لوضع القوات التابعة للوزارة في أوروبا، ومراعاةً لمتطلبات العمليات والظروف الميدانية". وجاء هذا التصعيد بعد أن هدد الرئيس الامريكي دونالد ترامب بسحب بعض القوات الأمريكية من ألمانيا إثر تصريحات المستشار فريدريش ميرز، واتهامه المسؤولين الأمريكيين بالدخول في حرب دون استراتيجية واضحة، قائلًا أن "الأمر برمته غير مدروس، على أقل تقدير".
ورغم مساعي ميرز المستمرة، منذ توليه منصبه، لاستمالة ترامب وكسب وده، بما في ذلك السماح لأمريكا باستخدام القواعد العسكرية في بلاده لشن هجمات، وإرسال كاسحات ألغام لتسيير دوريات في مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب رسميًا، إلا أن الحرب قد ألحقت ضررًا بالغًا بالاقتصاد الألماني جراء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، كما كبدت المستشار الألماني خسارة سياسية، إذ تراجع حزبه، الحزب الديمقراطي المسيحي المنتمي ليمين الوسط، عن صدارة استطلاعات الرأي الوطنية، حسب ما أفادت به صحيفة "نيويورك تايمز".

ويتمركز نحو 36,436 جنديًا أمريكيًا في ألمانيا، وفقًا لبيانات مركز بيانات القوى العاملة الدفاعية الأمريكية (DMDC) الصادرة في ديسمبر 2025، ما يجعلها ثاني أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة خارج حدودها بعد اليابان. وتستضيف ألمانيا العديد من المنشآت العسكرية الأمريكية، بما في ذلك مقري القيادتين الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، ومركزًا طبيًا في لاندشتول، وقاعدة رامشتاين الجوية، وهي أكبر قاعدة جوية أمريكية خارج الأراضي الأمريكية، فضلًا عن كونها مركزًا لوجستيًا وعملياتيًا رئيسيًا لعمليات واشنطن في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. كما تتمركز صواريخ نووية أمريكية في البلاد.
وقد أثار نبأ سحب القوات ردود فعل غاضبة من الديمقراطيين في الكونجرس، الذين يرون أن هذه الخطوة ستصب في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وستضعف مصالح الأمن القومي الأمريكي. ولا يُعد هذا التوجه جديدًا، إذ سبق للرئيس ترامب أن لوح عام 2020 بخفض القوات الأمريكية في ألمانيا خلال ولايته الأولى، في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، دون أن يُقدم على تنفيذ ذلك.
على الصعيد الأوروبي، يرى الخبراء أن التصريحات المتكررة للرئيس ترامب بشأن سحب قواته قد أضعفت التحالف عبر الأطلسي بشكل كبير، لاسيما بعد أن لمح إلى أن إدارته تدرس أيضًا تقليص الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا وإيطاليا، على خلفية الخلافات مع قادتهما بشأن الحرب على إيران، وهو ما قد يؤثر سلبًا على قدرات حلف "الناتو" الدفاعية، ويضعف الدعم العسكري والأمني لأوروبا.
من جانبها، صرحت أليسون هارت، المتحدثة الرسمية باسم حلف "الناتو"، بأن القرار يؤكد ضرورة استمرار أوروبا في زيادة استثماراتها الدفاعية وتحمل نصيب أكبر من المسؤولية، مشيرة إلى أن حلفاء الناتو أحرزوا تقدمًا منذ اتفاقهم العام الماضي على تخصيص 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع، في مواجهة التهديد المتزايد من الدب الروسي.
بدوره، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية إن الانسحاب الأمريكي المزمع من القواعد في ألمانيا يُظهر "ضرورة تعزيز الركيزة الأوروبية داخل الناتو"، مضيفًا أنه "كان من المتوقع أن تسحب الولايات المتحدة قواتها من أوروبا، بما في ذلك ألمانيا"، وهو ما يشير إلى تراجع الثقة الأوروبية في التزامات الرئيس ترامب تجاه الحلف.
وقد أعلنت ألمانيا "زيادة بثلاثة أضعاف" في ميزانيتها الدفاعية خلال السنوات المقبلة. كما تخطط الحكومة الألمانية لتوسيع كبير في الجيش الألماني (البوندسفير)، إلى جانب إعادة الهيكلة الاستراتيجية. من جانبها، تهدف فرنسا إلى تعزيز قدراتها العسكرية من خلال زيادة مخزونها من الطائرات المسيرة والصواريخ بشكل كبير بحلول عام 2030. وتشمل الخطة زيادة بنسبة 400 في المائة في عدد الطائرات المسيرة، و30 في المائة في عدد الصواريخ، واستثمارًا بقيمة 9 مليارات دولار يركز على أسلحة مثل القنابل الموجهة، وأنظمة الدفاع الجوي.
وفي خطوة قد تزيد من زعزعة الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالفعل من اضطرابات بسبب الحرب، صرح "ترامب" أنه سيرفع الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات والشاحنات القادمة من الاتحاد الأوروبي إلى 25 في المائة الأسبوع المقبل، معللًا أن الاتحاد الأوروبي "لا يلتزم باتفاقية التجارة المتفق عليها بالكامل". ومن المتوقع أن تتضرر ألمانيا بشدة جراء فرض رسوم جمركية عالية على السيارات وقطع غيارها، حيث تعتمد بشكل كبير على الصادرات.

في هذا السياق، قال الدكتور أشرف سنجر، أستاذ السياسات الدولية، إنه يمكن النظر إلى تهديد الرئيس ترامب بسحب القوات من ألمانيا وكذلك إيطاليا وإسبانيا بوصفه تهديدًا وقتيًا، نظرًا للترابط الوثيق بين الأمنين الأوروبي والأمريكي. فالولايات المتحدة وأوروبا تتولان معًا قيادة العالم، ومن دون أوروبا يصعب على الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها، ما يفسح المجال أمام التنين الصيني لقيادة العالم.
ولفت أستاذ السياسات الدولية إلى أنه في معادلة جذب الحلفاء إلى السياسة العسكرية الأمريكية، يحاول الرئيس ترامب الضغط على أوروبا، باعتبار أن سحب القوات يمثل تهديدًا للأمن الأوروبي، لاسيما أن الحرب الأوكرانية الروسية لم تنتهِ بعد، ولا يزال الدب الروسي يشكل تهديدًا. غير أن هذا الأمر ليس بتلك السهولة؛ إذ إن عقيدة المؤسسة العسكرية الأمريكية (البنتاغون) تقضي بأنه، مهما اتسعت صلاحيات الرئيس، فهناك قرارات يصعب تمريرها من قبل الكونجرس، الذي يشترك مع الرئيس في رسم السياسة العسكرية والخارجية.
وبسؤاله عما إذا كانت أوروبا سترضخ لضغوط الرئيس الأمريكي للمشاركة في الحرب على إيران، يرى " د. سنجر" أن الضغط المستمر من الرئيس ترامب قد يؤدي إلى دفع الدول الأوروبية الكبرى، مستقبلًا، للمشاركة في محاولات فتح مضيق هرمز، أو في الحصار.إذ تقوم السياسية العسكرية الامريكية الحالية تجاه إيران على الحصار، والضغط الاقتصادي حتى تستسلم طهران للمطالب الأمريكية. وبالمقارنة مع أوروبا، لم تتضرر الولايات المتحدة بشكل أساسي من أزمة الطاقة، رغم ارتفاع أسعار النفط.
وفي ختام حديثه، شدد "د. سنجر" على أن المصالح المترابطة بين أوروبا والولايات المتحدة كبيرة للغاية، لذا من الصعب على ترامب أن يسحب قواته من أوروبا، بسبب التداعيات التي لا تقتصر على القارة العجوز فحسب، بل تمتد إلى الولايات المتحدة أيضًا.