رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خطة "التحصين".. طوق نجاة الصين من "صدمة الطاقة"


6-5-2026 | 11:49

.

طباعة
تقرير : سلمى أمجد

أحدثت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران صدمة في الاقتصاد العالمي، وتسببت في واحدة من أكبر أزمات الطاقة منذ عقود. ومع ارتفاع الأسعار وتذبذب الإمدادات، بدا العديد من الاقتصادات الكبرى في حالة ارتباك. غير أنه في مقابل " ارتباك البعض"، جاءت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم،  لتظهر قدرة لافتة على امتصاص الصدمة والحد من تداعياتها، مستندةً إلى مزيج من السياسات الاستباقية والاستراتيجيات طويلة الأمد في قطاع الطاقة.

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول الممرات البحرية الحيوية، وجدت الصين نفسها أمام معادلة أمنية واقتصادية معقدة، فاعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة يجعلها عرضة لأي اضطرابات محتملة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، ما دفع قيادتها إلى إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية باتجاه تحقيق أمن طاقي أكثر صلابة واستقلالًا.

وفي إطار هذه الرؤية، توسعت الصين في مجال الطاقة المتجددة، بما يشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، وواصلت التنقيب عن النفط في حقول بحرية وبرية، وعقدت اتفاقيات مع شركاء لزيادة الإمدادات، في مسعى إلى تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتحصين الاقتصاد ضد "الصدمات الخارجية". كما عملت على تقليل الاعتماد على الطرق البحرية، إذ أنشأت على مدى العقود الماضية خطوط أنابيب مكلفة لنقل النفط والغاز برًا من آسيا الوسطى وروسيا وميانمار. وإلى جانب ذلك، نوعت مصادرها، حيث أصبحت روسيا من أبرز موردي النفط للصين في أعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

وتركز الحكومة الصينية حاليًا على ريادة تقنيات الجيل القادم مثل الاندماج النووي والهيدروجين الأخضر. وفي الوقت نفسه، تستمر رواسب الفحم الغنية الممتدة عبر المقاطعات الشمالية الصينية في تغذية محطات توليد الطاقة، إذ لم تتخل الصين - أكبر مُصدر لانبعاثات الكربون في العالم - بعد عن اعتمادها على الوقود الأحفوري.

 وتمثل أزمة النفط الأخيرة، التي تفجرت إزاء الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، اختبارًا مهمًا لجهود الصين في تعزيز أمنها الطاقي. وتشير تقارير إعلامية، من بينها ما أوردته شبكة "سي إن إن"، إلى أن بكين بدت أقل عرضة لحدة الصدمة مقارنة بعدد من الدول الآسيوية التي تواجه نقصًا في الإمدادات.

في هذا السياق، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي نادر رونج هوان إن الصين تتبنى منذ سنوات طويلة سياسة واستراتيجية وطنية لضمان أمن الطاقة، تقوم على تنويع مصادر الإمداد، بحيث لا يتجاوز المصدر الواحد 20 في المائة من إجمالي وارداتها من النفط والغاز الطبيعي، تشمل إمدادات نفطية من دول الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات والعراق وإيران، إلى جانب إمدادات الطاقة عبر خطوط أنابيب من روسيا وآسيا الوسطى. فضلًا عن إمدادات من دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل.

كما أشار "هوان" إلى جهود الصين في تدوير الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح وطاقة اللوائح الشمسية، وتوريد الكهرباء من الرياح والطاقة الكهرومائية، ما جعلها في صدارة الدول عالميًا من حيث الإنتاج والتصدير في هذا المجال، في ظل تصاعد أهمية الطاقة المتجددة باعتبارها طاقة المستقبل.

وتابع أن الصين تلجأ إلى الفحم كبديل للنفط لتعويض النقص في الإمدادت الناجم عن الحرب في إيران. ومنذ سنوات طويلة، بدأت الصين ببناء أكبر مخزون احتياطي للنفط في العالم، إلى جانب تعزيز إنتاجها المحلي. مؤكدًا أن الاحتياطات النفطية لدى الصين تكفي لتغطية الاستهلاك لمدة تصل إلى 120 يومًا دون الحاجة إلى إمدادات طاقة إضافية. لذلك كانت الصين أقل عرصة للصدمات النفطية. كما تمد الصين يدها في نفس الوقت إلى مساعدة الدول المجاورة الأكثر تضررًا من أزمة مضيق هرمز.

وختم "هوان" حديثه مؤكدًا قدرة الصين على الصمود أمام تداعيات الحرب على المدى القصير، لكنه حذر من أنه على المدى الطويل، وفي حال استمرار الحرب لأكثر من 4 أشهر، قد تواجه الصين ضغوطًا كبيرة في إمدادات الطاقة.

من جانبه، قال الدكتور أحمد عبده طرابيك، الباحث في الشئون الآسيوية، إن الصين تعد من أكبر المستوردين للنفط عبر مضيق هرمز، لكنها في الوقت ذاته من أكثر الدول التي عملت مبكرًا على تقليل اعتمادها عليه. فلم تكتف بكين بدور المستهلك، بل تبنت على مدى سنوات استراتيجية شاملة لتعزيز أمنها من الطاقة، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة في أوقات الأزمات. إذ عملت على تطوير نموذجًا قائمًا على ثلاثة محاور رئيسية، من خلال التنويع في مصادر الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية، والتوسع في البدائل التقنية. حيث تعد تلك المحاور استراتيجية بعيدة المدى لمحاولة فك الارتباط التقليدي بين النمو الاقتصادي والاعتماد على واردات النفط، خاصة في ظل اضطرابات متكررة في أسواق الطاقة العالمية.

حول التحولات الصينية لامتصاص صدمات الطاقة، أوضح "د.طرابيك" ، أن الصين اتبعت استراتيجيىة مزدوجة تقوم على تنويع مصادر الطاقة من جهة، وتقليل استخدامات الطاقة التقليدية من خلال الاعتماد على مصادر الطاقة الجديد من جهة أخرى، وقد تمثل ذلك في عدد من التوجهات، منها زيادة استخدام السيارات الكهربائية. حيث رفعت بكين نسبة التحول إلى استخدام السيارات الكهربائية إلى نحو نصف السوق في وقت مبكر. وهذا التحول لم يغير فقط سلوك المستهلك، بل أسهم فعليًا في خفض استهلاك الوقود، وكبح نمو الطلب على النفط، ما قلص الحاجة إلى الواردات مقارنة بالتوقعات السابقة. كما عملت على تطوير شبكة كهرباء واسعة تعتمد على مزيج من الفحم والطاقة المتجددة، مع توسع ملحوظ في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. هذا التوسع مكنها من تلبية الجزء الأكبر من نمو الطلب على الكهرباء محليًا، ما ساهم في تقليل الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي، وكذلك الحد من الحاجة إلى الفحم المستورد.

وأضاف أن الصين تبنت سياسة تنويع واسعة، مستوردةً من دول متعددة تشمل روسيا وإيران وفنزويلا، إلى جانب موردين آخرين. وهذا النهج قلل بشكل كبير من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، إذ لا تتجاوز حصة أي دولة نسبة محدودة من إجمالي الواردات، ما يمنح بكين مرونة أكبر في حال تعطل الإمدادات. فضلًا عن تعزيز مخزوناتها من النفط ضمن احتياطيات استراتيجية وتجارية، وهذه الاحتياطيات قادرة على تغطية الإمدادات لفترة تصل إلى عدة أشهر في حال حدوث انقطاع مفاجئ من أي مصدر.وتمثل هذه الاحتياطيات عنصرًا حاسمًا في امتصاص الصدمات قصيرة المدى، خاصة  في سيناريوهات مثل إغلاق مضيق هرمز.

وتابع: أن الصين رفعت إنتاجها المحلي إلى مستويات قياسية، رغم الاستمرار في الاستيراد، وهذا ما يوفر جزءًا من احتياجاتها. كما عملت بكين على التوسّع في شبكات الأنابيب البرية التي تربطها بمصادر الطاقة في روسيا وآسيا الوسطى، في محاولة لتقليل الاعتماد على الشحن البحري المعرض للمخاطر الجيوسياسية.

وفي ختام حديثه، أكد "د. طرابيك" أن الصين نجحت بشكل كبير من خلال رؤيتها الاستراتيجية في التخفيف من صدمات الحرب الاقتصادية ضدها، فالاقتصاد الصيني لم يعد مرتبطًا بالدرجة نفسها بواردات النفط كما في السابق. كما أن الطلب على النفط في الصين قد يقترب من ذروته خلال السنوات المقبلة، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجيًا، ما يعني أن أي صدمة مستقبلية، حتى لو كانت بحجم إغلاق مضيق هرمز، قد تكون أقل تأثيرًا مقارنة بالماضي. وتعكس تجربة الصين تحولًا تدريجيًا في إدارة أمن الطاقة، القائم على تقليل المخاطر بدلًا من تجنبها بالكامل.

 

 

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة