انتكاسة تواجه مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، القائم برعاية باكستانية، وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة، لا سيما أنه يُمثل الطريق الوحيد لإنهاء حرب الأربعين يومًا، التي لا يزال استئنافها مطروحًا في ظل عدم التوصل إلى اتفاق بين البلدين.
وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، حيث كان من المقرر عقد لقاء مع الإيرانيين.
وبرر ترامب قراره بالموقف الإيراني، إذ ترفض طهران في الوقت الحالي عقد محادثات مع الجانب الأمريكي.
فعلى الرغم من وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد، فإنه اكتفى بعقد لقاء مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، دون لقاء مع الأمريكيين.
وجاء ذلك رغم إعلان مسبق من البيت الأبيض أن المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيغادران إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مباشرة مع الجانب الإيراني بوساطة باكستان.
ويأتي هذا الموقف الإيراني نتيجة استمرار الحصار البحري الأمريكي على البلاد، بالإضافة إلى تصاعد سقف المطالب الأمريكية في العملية التفاوضية.
ومع ذلك، فإن وزير الخارجية الإيراني سيعاود زيارة العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد انتهاء زيارته إلى العاصمة العُمانية مسقط، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية.
وذكرت الوكالة أن جزءًا من الوفد الإيراني المرافق لعراقجي عاد من إسلام آباد إلى طهران للتشاور، على أن يلتحق أعضاء الوفد الذين عادوا إلى طهران بعراقجي مساء الأحد في إسلام آباد.
وبين طهران التي ترفض تقديم تنازلات، وواشنطن صاحبة الشروط الثقيلة، قد تبقى في الأصل نتائج العملية التفاوضية لا تختلف عن تلك التي سبقت الحرب الراهنة أو حرب يونيو 2025.
مرحلة «إدارة الصراع»
وفيما يخص تعثّر المفاوضات، تعتقد الدكتورة دينا محسن، خبيرة الشؤون الإقليمية والدولية، أنه كان أمرًا متوقعًا ولم يكن مفاجئًا لكثير من المراقبين والمحللين، وذلك نتيجة التعنت الأمريكي، وكذلك إصرار الجانب الإيراني على موقفه، خاصة فيما يتعلق برفض التنازل عن ملف تخصيب اليورانيوم.
وبالنسبة للطرف الأمريكي، تقول محسن في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إن ترامب يسعى إلى تحقيق أي نصر يمكن أن يقدمه للرأي العام العالمي، لأنه حتى الآن لم يحقق إنجازًا استراتيجيًا واضحًا، مشيرة إلى أنه يمكن ملاحظة ذلك في خطاباته، حيث يحاول دائمًا إبراز صورة القوة الأمريكية، رغم أن الواقع لا يعكس تحقيق أهدافه بالكامل، مما يدفعه إلى زيادة الضغط على إيران.
وبشأن الداخل الإيراني، تضيف محسن أن القرار تحكمه بدرجة كبيرة مؤسسات مثل الحرس الثوري، وشخصيات مثل أحمد وحيدي، الذي يُنظر إليه باعتباره من التيار المتشدد، شديد التمسك بالعقيدة الثورية، مما يفسر وجود بعض الانقسامات داخل النظام الإيراني بين تيارات أكثر تشددًا وأخرى تميل إلى الاعتدال.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود انقسامات داخل الإدارة الأمريكية أيضًا، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، وهو ما يجعل المشهد متشابهًا إلى حد ما بين الطرفين، مع اختلافات في الشكل، بحسب قولها.
الإشكالية الأساسية، برأي الدكتورة دينا، أننا لسنا في مرحلة سلام، ولا في حالة حرب شاملة، بل نحن في مرحلة «إدارة الصراع»، موضحة أن التوازن الحالي يعود إلى عوامل عدة، من أبرزها الدعم الصيني والروسي لإيران، خاصة الدعم الصيني في الفترة الأخيرة، والذي يسهم في الحفاظ على توازن القوى.
غير أنها تلفت إلى أن ما يثير القلق هو احتمال الانتقال إلى مرحلة تصعيد أعلى، بعد أن مررنا بالفعل بمراحل سابقة من التصعيد، وهي قد تشمل استخدام القوة العسكرية المفرطة، أو الانتقال إلى عمليات برية أو إنزال جوي، أو حتى طرح سيناريوهات أكثر خطورة مثل استخدام الأسلحة النووية التكتيكية.
وأشارت إلى أن هناك احتمالًا لتحول جغرافيا الصراع، بحيث لا يظل محصورًا في إيران، بل يمتد إلى مناطق أخرى مثل لبنان أو سوريا أو العراق.
وفيما يتعلق باحتمالية استئناف الحرب، ترى الخبيرة السياسية أن ذلك قد يكون بمثابة انتحار استراتيجي للولايات المتحدة، لأن الحرب كشفت بالفعل بعض القدرات العسكرية الأمريكية، وربما أظهرت أيضًا نقاط ضعف استفادت منها أطراف أخرى، مثل الصين.
كذلك، توضح أن هناك مخاوف لدى بعض القيادات العسكرية الأمريكية من وجود قدرات عسكرية إيرانية غير معلنة لم تظهر بعد، وهو ما قد يؤدي إلى مفاجآت في حال التصعيد، ويزيد من احتمالات الاستنزاف.
بداية الحرب كانت مفاجئة لإيران، كما تضيف، لكن قدرة طهران على الحفاظ على توازنها الاستراتيجي كانت مفاجأة للطرف المقابل أيضًا. وهذا يطرح تساؤلات حول مدى استمرار هذا التوازن، ودور الدعم الروسي والصيني في الحفاظ عليه.
في النهاية، تشير إلى أن هناك إدراكًا بأن الحسم العسكري الكامل غير مرجح، وأن أي «نصر حاسم» للولايات المتحدة لن يكون مقبولًا من الصين، التي لن تسمح باختلال ميزان القوى بشكل كامل لصالح واشنطن.
سياسة «حافة الهاوية»
ومن جانبه، يشير الدكتور حسام فاروق، الكاتب والأكاديمي المتخصص في الاتصال السياسي، إلى أن الطرفين، الأمريكي والإيراني، يرغبان في إنهاء هذه الحرب، ويريدان الوصول إلى نتيجة إيجابية، ولكن هذا النوع من المفاوضات معقد للغاية، ويُعرف في تقنيات التفاوض بأسلوب «حافة الهاوية» أو «الوصول إلى نعم».
وقال فاروق، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إن كلا الطرفين يعتقد أن الوصول إلى «نعم» يمر عبر المزيد من قول «لا»، فالولايات المتحدة تريد وثيقة استسلام من إيران، بينما إيران لا تنوي الاستجابة لأي مطالب أمريكية.
وأوضح أن ما يعزز هذا التعقيد أيضًا هو التناقض بين التصريحات العلنية والمسار الفعلي للمفاوضات، فالرئيس الأمريكي يصرح بأن هناك تقدمًا وتفاؤلًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق، بينما في المقابل تؤكد إيران أنها لا تخطط لعقد أي لقاء مباشر مع الولايات المتحدة في باكستان.
ولفت إلى أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الذي رافق الوزير ضمن الوفد الرسمي في باكستان، صرّح بعدم وجود أي تخطيط لعقد لقاء مباشر مع الجانب الأمريكي، حيث أوضح أن الهدف من الزيارة هو التشاور مع المسؤولين الباكستانيين بشأن جهود الوساطة وسبل إنهاء الحرب.
وأشار إلى أن كل طرف يتمسك بشروطه في إطار العملية التفاوضية، قائلًا إن الشروط الإيرانية العشرة غير قابلة للتنازل، في حين تتمسك الولايات المتحدة بخمسة عشر بندًا دون تقديم تنازلات.
بذلك، يمكن القول إن مستقبل المفاوضات أصبح شديد التعقيد، ووصل إلى حافة الهاوية من الطرفين، في ظل أوضاع عالمية متأثرة بإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار السلع والطاقة عالميًا، وحتى داخل الولايات المتحدة، كما يضيف.
وتساءل: هل يمكن لباكستان أن تُحدث اختراقًا في هذا الجمود؟ مجيبًا: في فترات سابقة، كان هناك أمل في ذلك، خاصة مع انخراط قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، لكن في اللحظة الراهنة يبدو أن التعنت هو السمة الغالبة.
أما عن رهانات الطرفين، يقول الخبير السياسي إن الولايات المتحدة تراهن على الحصار البحري المفروض على إيران، والذي يكلّفها يوميًا نحو نصف مليار دولار، إلى جانب الحشد العسكري في المنطقة الذي يقترب من 65 ألف جندي، فضلًا عما هو متواجد من قطع بحرية، ووصول حاملة الطائرات الثالثة «جورج دبليو بوش»، ليصبح هناك ثلاث حاملات طائرات في المنطقة.
وعن السيناريوهات المتوقعة، يرى أنه من المحتمل أن يلجأ الرئيس الأمريكي إلى توجيه ضربة عسكرية محدودة لزيادة الضغط، بالتوازي مع الحصار الاقتصادي، على أمل دفع إيران إلى الرضوخ.
في المقابل، تراهن إيران على عامل الوقت، وعلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما يسببه من أزمة طاقة عالمية، وكذلك على الضغوط الداخلية داخل الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، واحتمال استغلال الحزب الديمقراطي للوضع، حسب قوله.
بالتالي، فإن إطالة أمد الأزمة قد تزيد الضغط الداخلي على الإدارة الأمريكية، وتدفعها نحو إنهاء الصراع، كما يقول فاروق.
وأوضح أنه رغم أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة، فإن إيران تواجه موقفًا صعبًا، خصوصًا في ظل الكلفة الاقتصادية الكبيرة للحصار، والأضرار التي لحقت بقوتها العسكرية والبحرية.
وفي تقديره أنه مع تصاعد التعقيدات، قد نشهد «صدمة سياسية»، حيث قد يخرج الرئيس الأمريكي فجأة معلنًا انتهاء الحرب، بدعوى تحقيق الأهداف، وعدم وجود أهداف إضافية تستدعي الاستمرار، وبالطبع سيُقدَّم هذا القرار باعتباره انتصارًا أمريكيًا، بينما ستعتبره إيران أيضًا انتصارًا لها وانسحابًا أمريكيًا، موضحًا أن هذه هي طبيعة سياسات حافة الهاوية، إذ غالبًا ما تنتهي بقرارات مفاجئة.
وبحسب فاروق، فقد يلجأ الرئيس الأمريكي، قبل ذلك، إلى تنفيذ ضربة عسكرية محدودة كآخر ورقة ضغط، في إطار إدارة الأزمة، وليس التوجه إلى حرب شاملة.