تسعة وأربعون عاما مرت سريعا وكأنه لا يزال بيننا أو رحل بالأمس، إنه عبدالحليم حافظ الفنان العصى على الفناء، واليتيم الذى أصبح الوطن أسرته، كان صوت ثورة يوليو 1952 ثم صارت أغانيه أيقونة كل الثورات، فقد شكل مع صلاح جاهين وكمال الطويل ثلاثيا للأغنية الوطنية مثل (صورة صورة)، فضلا عن عشرات الأغانى التى أرّخت للثورة فنيا مثل (حكاية شعب) لدرجة أن عبدالناصر قال له مرة إن أغانيه تصل للناس أسرع من خطبه.
وهو صوت الحب الذى غنى للعشاق، وانكوى قلبه وذاق لوعة الحب، من (صافينى مرة) مع الموجى نهاية بـ«قارئة الفنجان» مرورا بـ«رسالة من تحت الماء، وجبار، ويامالكا قلبي، وتخونوه، وموعود و..».
وهو نجم الأفلام الغنائية الناجحة، ونجم الابتهالات الدينية التعبيرية.
ولد هذا الفتى اليتيم الأبوين، النحيل الجسم، الذى ملأ الحزن عينيه ذلة وانكسارا، بقرية (الحلوات) بالشرقية فى 21يونيه 1929م، ورحل بالغرفة رقم 419 بالطابق الرابع بمستشفى لندنية فى 30مارس سنة 1977، وبين التاريخين عاش 47 عاما و9 أشهر و9 أيام، وفى 27 سنة هى عمره الفنى قدم 120 أغنية عاطفية، و56 أغنية وطنية، و16 فيلما، ومسلسلا إذاعيا واحدا هو (أرجوك لا تفهمنى بسرعة) من تأليف صديقه الكاتب الراحل محمود عوض الذى وضع عنه كتاب (عبد الحليم الذى لا يعرفه أحد).
طبيا تعرض حليم لـ22 نزيفا دمويا، وأجرى عملية جراحية بعد أن طالت البلهارسيا كبده!.
عاش هذا اليتيم فى ملجأ الزقازيق حيث تولاه خاله (متولى عماشة) بعد رحيل أبويه (أمه زينب عماشه التى رحلت بعد ولادته بأيام أربعه) و(والده على إسماعيل شبانه الذى رحل بعد أربعة أشهر من ولادته)، وتولى خاله أيضا رعاية إخوته الثلاثة الأكبر منه (إسماعيل ومحمد وعلية)، ثم رحل إلى القاهرة ليلحق بأخيه (إسماعيل) ويعيش مع شقيقة بغرفة فى بيت قديم فى (بركة الفيل) بحى السيدة زينب، ومنها لبيت متواضع بمنطقة (منيل الروضة) ثم انتقل لشقتين بمنطقة العجوزة بالجيزة، وأخيرا استقر به المقام بشقتين، واحدة لسكنه والأخرى لأهله، بالدور السابع بعمارة تطل على حديقة الأسماك بمنطقة الزمالك الراقية إلى جوار صديق عمره كمال الطويل.
كثيرة هى الكتب والصفحات التى كتبت عن هذا اليتيم الخالد، ورغم ذلك يظل هناك ما لم يكتب بعد، إن سره فى صدق إحساسه، وهذا ما جعل الكاتب كامل الشناوى يؤمن بموهبته ويقدمه للأخوين (مصطفى وعلى أمين)، فقد كتب يقول: (إن أغنية على قد الشوق كانت الطبق الطائر الذى حلق بصوت وشهرة عبدالحليم فى الآفاق)، وقال آخرون: (إن حليم جبرتى الثورة بأغانيه الوطنية)، أما جليل البندارى الصحفى الذى وضع عنه كتابا فهو أول من أطلق عليه (العندليب الأسمر)، ووصفه المحامى مجدى العمروسى رفيق دربه (بالصديق الوفى) ووصفه آخر (بالموعود بالعذاب).
كثيرون كتبوا عن حليم مثل (محمد قابيل ومجدى نجيب والأبنودى والموجى والطويل وعبدالوهاب ومصطفى أمين وأحمد بهاءالدين وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وصلاح جاهين وهيكل ووجدى الحكيم وغيرهم)، وآخرون استغلوا معرفتهم به وأشاعوا عنه قصصا أشبه بالأساطير خصوصا عن علاقته بالمرأة، وتكونت طائفة من (المنتفعين بالنجم)!
إن أهم (سر علنى) فى حياة حليم أنه كان يعشق فنه لدرجة الفناء فيه ومن أجله نسى حياته الشخصية وقهر مرضه وتحمل آلامه، كانت حياته فنه وكان مجددا فيه وعينه دائما على تقديم كل جيد وجديد، وإذا حسبنا ما عاشه على الأرض من 48 سنة إلا أشهرا وما قدمه من أغان سنجد أن هذا الفنان العجيب كان يحترق وهو يسعى نحو القمة وكان يعرف أن عمره قصير وأن عليه أن يترك أكبر كم جيد من الأغاني، خصوصا أنه ليس بوسوسة عبدالوهاب، فكان (على الله وماشى بالبركة)، حرم نفسه من الطعام الشهى ومن الحياة الهادئة فى سبيل فنه، كان مشدودا كوتر، عارى الأعصاب، يفرح بسهولة ويغضب بسرعة، ينافس نفسه، متوقد الذهن فى اختيار كتّاب أغانيه وملحنيه.
وليس عجيبا أنى سمعت من المطرب الشعبى الراحل شفيق جلال، وكنت أزوره كثيرا، أنه قال: (عبدالحليم حين ظهر مسحنا كلنا)، وكان شفيق يردد على مسامعى دائما قوله: (يا ويل من كان قوته من صوته)!
حليم كان لا يملك غير صوته، ولكن أى صوت، إنه صاحب أقوى إحساس حين يغني، ومن هنا عاش وسوف يعيش، فمن أراد أغنية خفيفة سوف يسمع (الهوى هوايا)، ومن أراد قصيدة طويلة سوف يسمع (لا تكذبى وقارئة الفنجان ورسالة من تحت الماء ويا مالكا قلبى)، ومن يهوى فيلما غنائيا بسيطا وجميلا سوف يرى أحد أفلامه، فلا عضلات ولا عنف ولا مخدرات، بل قصة بسيطة لشاب يكافح ويحب فتاة ويسعى للفوز بها،
إنه مطرب الأسرة يدخل بيتك فلا تخجل منه، بل حتما سوف تحترمه، وتحبه، وهذا الحب سر من أسرار خالقه فيه.
قالت لى أخته الكبيرة علية شبانه، وكانت بمثابة أمه: (إن عبدالحليم يمشى على الأرض تخضر، والتراب فى يده يصبح ذهبا)، وهو نفس ما أكده لى ابن خالته (شكرى) فى قريته (الحلوات) حيث قال لى: (كنا زمان نذهب لصيد السمك فى الترعة فلا نصطاد سمكة وهو يصطاد السمك باستمرار لأنه مرزق)، وحكى شقيقه الأكبر إسماعيل أنه لما ماتت أمه بعد أسبوع من ولادته، وأرادت بعض النسوة أن يرضعنه منها ليموت، فحمله وذهب به لأبيه وأنقذه، وكان يكبره بعشر سنوات، ثم ظل يطوف به على بيوت القرية أربعة أشهر ليرضع من النساء فرضع من مائتى سيدة، حتى تولت أمره إحدى القريبات حتى فطم، وكانت القريبة تعمل فى مهنة العجوة بتجفيف البلح فوق السطوح، وكانت الدبابير تتجمع عليه، وكان عبدالحليم يجمعها بيده دون أن تؤذيه، ولما سافر مع شقيقه إسماعيل لأول مرة للإسكندرية دخلا الملاهى فربح حليم الجنيهات والهدايا ولم يربح أحد غيره، كان (مرزق) فى الفن وفى أصدقائه وفى معجباته وفى خلوده، كما كان (مرزق) فى مرضه وألمه ووحدته رغم أنه محاط بالناس كل وقت!