قرار «ستارمر» بـ«تأميم بريتيش ستيل» يأتى فى توقيت سياسى حساس، إذ يسعى «ستارمر» إلى استعادة زخمه السياسى بعد الضربة القاسية التى تلقاها حزب العمال فى الانتخابات المحلية، ما يضفى على القرار أبعادًا سياسية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية.

وفى إطار مساعيها لتعزيز سيطرة الدولة على الصناعات الاستراتيجية، تعتزم الحكومة البريطانية تقديم مشروع قانون يمنحها الحق فى وضع شركة «بريتيش ستيل» تحت ملكية الدولة، شريطة استيفاء معايير المصلحة العامة، وترى الحكومة أن هذه الخطوة ستوفر الاستقرار لموظفى الشركة ومورديها وعملائها، فضلًا عن الحفاظ على قدرة البلاد فى صناعة الصلب. وسيأخذ اختبار «المصلحة العامة» فى الحسبان مجموعة من العوامل، من بينها الأمن القومي، والحفاظ على البنية التحتية الحيوية، ودعم الاقتصاد الوطني.
ويُعد هذا الإجراء أحدث تدخل للحفاظ على استمرارية عمليات مجمع صناعة الصلب فى سكونثورب بمنطقة إيست ميدلاندز فى إنجلترا، وكانت الحكومة قد لجأت العام الماضى إلى إجراءات طارئة للسيطرة على إدارة المصنع اليومية بعد أن بدا أن مالكه الصيني، شركة جينج يي، على وشك إغلاق أفران الصهر، وكان من شأن هذه الخطوة أن تُنهى فعليًا عمليات المصنع، مع جعل إعادة تشغيله أمرًا بالغ الصعوبة، إضافة إلى تعريض آلاف الوظائف للخطر.
وتُعد أفران الصهر التابعة لـ«بريتيش ستيل» آخر منشأة فى البلاد قادرة على إنتاج الصلب الخام، فى وقت تشهد فيه صناعة الصلب البريطانية تراجعًا مستمرًا منذ عقود، إذ عانت بريطانيا من ارتفاع تكلفة الطاقة اللازمة لتشغيل مصانعها، وكافحت لمجاراة تدفق الصلب الصينى الأرخص سعرًا، ومؤخرًا، تأثرت أيضًا بالتعريفات الأمريكية المفروضة على الصلب.
وأوضح ستارمر أن الحكومة أجرت مفاوضات مع المالك الحالي للشركة بشأن بيعها تجاريًا، غير أن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق، كما خلصت الحكومة إلى أن استمرار المفاوضات لن يحقق قيمة مُرضية للممولين. وكانت شركة "جينج يي" قد أفادت أنها تتكبد خسائر يومية قدرها 700 ألف جنيه إسترليني (حوالي 952 ألف دولار أمريكي) بسبب تشغيل المصنع.
ورغم هذه التحديات، تؤكد الحكومة البريطانية رغبتها فى إحياء صناعة الصلب المحلية، مع هدف يتمثل فى تلبية ما يصل إلى نصف احتياجات البلاد من الصلب عبر الإنتاج المحلي، ويُعد هذا جزءًا من اهتمام أوسع بالسيادة الوطنية فى ظل تصاعد التوترات الدولية، وإذا تكللت جهود التأميم بالنجاح، فستكون هذه المرة الأولى التى تخضع فيها شركة «بريتيش ستيل» لسيطرة الحكومة منذ عام 1988، وقد لاقى هذا الإعلان ترحيبًا من النقابات والهيئات التجارية على حد سواء.
ومن جانبه، صرح مسئول رفيع المستوى فى صناعة الصلب لصحيفة «بوليتيكو» بأن خطوة التأميم الكامل ستكون «مكلفة للغاية» بالنسبة للحكومة، مشيرًا إلى أن تحويل الموقع إلى فرن القوس الكهربائى الأكثر ملاءمة للبيئة سيكلف مليار جنيه إسترلينى على الأقل، ووفقًا لمكتب التدقيق الوطنى (NAO)، تبلغ تكلفة العمليات الحالية للشركة على وزارة الأعمال والتجارة حوالى 1.3 مليون جنيه إسترلينى يوميًا.
فى المقابل، أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الصين ستتخذ إجراءات فعالة لحماية الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية، وتُعد المملكة المتحدة ثالث أكبر شريك تجارى للصين، بينما تُعد الصين أكبر شريك تجارى للمملكة المتحدة فى آسيا.
وفى سياق متصل، يأمل «ستارمر» أن يؤدى تأميم الشركة إلى كسب دعم الجناح الاشتراكى داخل حزب العمال، فى حين قد يسهم الحفاظ على الوظائف فى استعادة تأييد الناخبين من الطبقة العاملة، وذلك بعد أن مُنى حزب العمال، الذى يتزعمه، بهزيمة ساحقة فى الانتخابات المحلية التى أُجريت الأسبوع الماضي، حيث أظهرت النتائج تقدمًا كاسحًا لحزب الإصلاح اليمينى الشعبوي، الذى حصد أكثر من 1400 مقعد، فى المقابل حصل حزب العمال على 1063 مقعداً، ما أثار موجة انتقادات داخلية دفعت نحو 90 نائبًا من الحزب إلى المطالبة علنًا باستقالة «ستارمر». كما شهدت الحكومة أيضًا سلسلة استقالات لعدد من الوزراء، من بينهم استقالة وزير الصحة البريطاني، ويس ستريتينج، فى تحدٍّ رسمى لقيادته.

وتعليقًا على ما سبق، قال الدكتور عادل درويش، الصحفى والمراسل المعتمد فى مجلس العموم البريطانى: إن قصة «بريتيش ستيل» توضح التحول فى التوجه الصناعى والتجاري، من الصناعات القائمة فى بريطانيا إلى الاعتماد على استيراد المنتجات الأرخص من الصين، إلا أن التطورات فى الأعوام الأخيرة أظهرت أهمية الأمن القومي، إلى جانب الطاقة الخضراء التى يدعمها اليسار الاشتراكى وحزب الخضر، ما دفع إلى التوجه نحو التأميم.
وتابع أن «الصلب من الدرجة الأولى ناتج عن خلط الفحم مع خام الحديد، ويُستخدم فى الصناعات الثقيلة مثل الدبابات والكبارى والسفن، وحاليًا، لم يتبقَّ من الأفران سوى اثنين، وإذا أُغلقت هذه الأفران فلن تعود للعمل مجددًا، لأنها يجب أن تعمل بشكل مستمر على مدار 24 ساعة، أما الاعتماد على صناعات الصلب الأخرى المصنوعة من الخردة، فيقتصر على المنتجات الرخيصة، ما يؤكد أن المسألة تتعلق بالأمن القومى وإعادة تشكيل الصناعات الثقيلة، بجانب إنقاذ الوظائف، فالمنطقة الصناعية مثل سكونثورب هى منطقة نشأت منذ الثورة الصناعية على صناعة الصلب والصناعات المرتبطة بها، وعند إقامة هذه المناطق تتوفر وسائل النقل والخدمات والشركات الإضافية وغيرها، لذا فإن إغلاق هذه الصناعة يعنى انهيار مجتمع بأكمله».
«د. عادل»، أوضح أن «العلاقات البريطانية _ الصينية لن تتأثر بقرار التأميم، لأنها لا تعتمد على مشروع واحد، بل تمتد إلى ملفات ومشروعات أخرى، كما أن ميزان المدفوعات بين البلدين يميل بشكل كبير لصالح الصين»، لافتًا إلى أن «الخلافات السياسية هى العامل الأكثر تأثيرًا فى طبيعة العلاقات، فضلًا عن أن الفجوة فى العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة بشأن الحرب فى إيران تُعد عاملًا مطمئنًا للصين».
وفيما يتعلق بأزمة" ستارمر" السياسية، أوضح "د. عادل" أن الأمر يعود إلى تراجع شعبيته بين البريطانيين، مشيرًا إلى أن النتائج المحلية الأخيرة في إمارة ويلز، التي نشأت فيها الحركة العمالية، وخسارة حزب العمال فيها لأول مرة لصالح الحزب القومي الويلزي، تُعد أمرًا خطيرًا، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق باستقالة وزير الصحة، التي أدت إلى استقالات أخرى.