تخطى الفنان الكبير عادل إمام قبل أيام عامه السادس والثمانين من عمره المديد، وبدأ عاما جديدا أتمناه له مليئا بموفور الصحة والسعادة؛ جزاء ما أمتعنا طوال مشواره الفنى بالبهجة والسرور، ولئن كان عادل إمام قد أصاب من النجاح السينمائى ما جعله الأنجح والأغلى والأعلى من حيث القيمة التسويقية، فإنه ظل يردد دائما بأنه ابن خشبة المسرح، وصنيعة كواليسه وتصفيق جمهوره، وأن متعته وهو يلتقى يوميا بمشاهدى أعماله المسرحية لا توازيها أى متعة أخرى.
وعلى مدى مشواره المسرحى والممتد لما يقرب من خمسة وستين عاما قدم عادل إمام سبع عشرة مسرحية حتى الآن، بدأها بمسرحية «ثورة قرية» للمخرج حسين كمال سنة 1962 وصولاً إلى بودى جارد التى توقف عرضها عام 2010، ورغم عزلته الاختيارية قبل سنوات فإن جمهوره العريض لا يزال على أمل فى أن يمن الله على فناننا الكبير بالصحة والقدرة حتى يفاجئنا فى القريب بأعمال مسرحية جديدة تضاف إلى رصيده المهم، اللافت أنه بين «ثورة قرية» و«بودى جارد» هناك أعمال مسرحية لم يسمع بها أحد ربما لعدم تصويرها تليفزيونيا مثل: النصابين، سرى جدا، وحصة قبل النوم، أما بقية العروض وبخاصة تلك التى قام فيها بالبطولة المطلقة فقد حظيت بنجاح لم يتحقق لأى مسرحى مصرى آخر .
ويمكن القول بأن هذا الإرث المتراكم من النجاح المسرحى الذى حققه عادل إمام كان بفضل النقلة الفنية والنوعية التى أحدثتها له مسرحية «مدرسة المشاغبين» غير أن هذه النقلة النوعية فى مسيرة عادل إمام كان من الممكن أن يضيع أثرها أو على الأقل يتباطأ لولا لم يكن صاحبها متمتعا بهذا القدر من الوعى وحسن تقدير الموقف والقدرة على اتخاذ القرار فى الوقت المناسب، يقول المنتج سمير خفاجى صاحب الفنانين المتحدين فى مذكراته إنه قرر فى أعقاب النجاح الساحق الذى حققته مسرحية «مدرسة المشاغبين» استغلال هذا النجاح بالجمع بين عناصر هذا النجاح فى عمل آخر، وإنه بدأ بالفعل فى التجهيز لإنتاج مسرحية «العيال كبرت» وكان مخططا أن يكون لعادل فيها دور بجانب بقية المشاغبين سعيد صالح ويونس شلبى وأحمد زكى فى وجود «رمضان السكرى» أو حسن مصطفى ناظر المشاغبين سابقا، لكن عادل إمام جاءه معتذرا عن عدم قبول الدور، مؤكدا أنه آن أوان تحمله مسئولية عمل مسرحى بمفرده، فوافق المنتج الذكى، وكان ميلاد مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» عام 1976، ومعها ميلاد نجم مسرحى كبير وبطل أول تتجمع حوله كل شخصيات الرواية، ومثلما كانت للمشاغبين عوامل نجاحها واستمرارها كان أيضا لهذا العمل المسرحى الأسباب التى حققت له النجاح اللافت، وأعانت عادل إمام على تجاوز مفترق طرق كان من الممكن أن يتسبب فى إرباك حساباته:
أولاً: كان عادل إمام من الذكاء بأنه لم يستثمر نجاح شخصية «بهجت الأباصيرى» فى مسرحية «مدرسة المشاغبين» بقدر استثماره لنجاحه هو شخصيا، بمعنى أنه لم يستنسخ نجاح زعيم الطلبة المشاغبين، هذا الشاب المتمرد، الطائش، الفهلوى، شديد الإحساس بذاته وبزعامته، وإنما راح إلى النقيض تماما، فسرحان عبدالبصير بطل «شاهد ما شافش حاجة» ليس هذا كله، إنه شاب بسيط، ساذج، لا يملك إلا براءته وقدرته على الاندهاش، يستمتع بأن يكون أرنبا، ولا يحب أن يصبح أسدا، غير معنى بأن يحدد ما هو أبيض وما هو أسود «أنا إنسان بسيط جدا يا أخوانا» على حد قوله فى نص المسرحية، وهكذا نجا عادل بسرعة من فخ الوقوع فى النمطية، هذا الفخ الذى وقع فيه معظم ممثلى الكوميديا من أيام «عثمان عبدالباسط بربرى مصر الوحيد» و»كشكش بيه عمدة كفر البلاص» و»المعلم بحبح» فوزى الجزيرلى، وحتى «اللمبى» فى الجيل الحالى .
ثانيا: ربما هذه النجاة من فخ النمطية هى التى قادت المسرحية إلى ذلك الإقبال الجماهيرى الممتد لسنوات لا سيما وهو يقدم من خلالها شخصية شاب هو فى النهاية ضحية واقع شديد القسوة يعيشه المواطن العادى الذى تعاطف بالتأكيد مع شخصية سرحان عبدالبصير بطل المسرحية.
ثالثا: من هذا المنطلق ارتفعت «شاهد ما شافش حاجة» بمستوى النقد السياسى والاجتماعى، وعلت نبرته ربما لدرجة عرضت صناع المسرحية وعلى رأسهم عادل إمام لكثير من المتاعب الرقابية والأمنية فى ذلك الوقت .
رابعا: جرأة المنتج سمير خفاجى وعادل إمام بالطبع فى الاعتماد على أسماء جديدة فى هذا العمل، فالتأليف أو الإعداد المسرحى كان لاسمين مغمورين فى الكتابة المسرحية فى ذلك الوقت هما إبراهيم الدسوقى والمخرج الإذاعى مصطفى أبوحطب، والإخراج لهانى مطاوع الذى كان عائدا لتوه من الدراسة بالخارج، فأعطت هذه التركيبة روحا جديدة وفكرة غير مستهلكة للعمل المسرحى ساعدت على رؤية الجمهور لشىء مختلف على خشبة المسرح.
خامسا: رغم أن نجاح المسرحية منسوب بأكمله إلى عادل إمام المتواجد على خشبة المسرح من المشهد الأول إلى المشهد الأخير، إلا أنه لا ينبغى إغفال توفيق صناع العمل فى اختيار العناصر الرئيسية المساعدة، وعلى رأس هؤلاء الفنان عمرالحريرى الذى كان يحقق فى منتصف السبعينيات وما بعدها حضورا متميزا فى شخصية محقق الشرطة سواء على شاشة السينما أو على شاشة التليفزيون، وحتى حينما تقرر استبدال هالة فاخر بطلة العرض بالممثلة ناهد جبر كان ذلك اختيارا موفقا إلى حد كبير .
سادسا: تزامن عرض المسرحية عام 1976 مع زيادة مطردة فى رواج السياحة العربية فى مصر، ومن ثم اتسع جمهور عادل إمام فى كافة أرجاء الوطن العربى بالتزامن أيضا مع زيادة جماهيريته السينمائية فى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، الأمر الذى كان يعنى إقبالا جماهيرا دائما على مشاهدة المسرحية، ومن ثم امتداد عرضها لسنوات عديدة.
سابعا: مع «شاهد ما شافش حاجة» استمرت ظاهرة المسرحيات المسموعة على أشرطة الكاسيت الممتدة من أيام المشاغبين، فقد تعرف جيلنا على المسرحية أولا من خلال شريط الكاسيت الذى كان يتم تداوله على نطاق واسع، فزاد ذلك من الدعاية المجانية الخاصة بالمسرحية .
ثامنا: جاء العرض التليفزيونى الذى قام بنقله المخرج محمد فاضل ليزيد من جماهيرية المسرحية ومعها جماهيرية عادل إمام نفسه الذى تخلص بعد «شاهد ما شافش حاجة» من أسر البطل المسرحى صاحب العرض الواحد الذى كان يتمثل فى مسرحية «مدرسة المشاغبين».
وعلى ذلك كله انتقل عادل إمام بعد «شاهد ما شافش حاجة» إلى مرحلة البطولات الأولى التى ظل مستمسكا بها حتى اليوم .