ومنذ اللحظة الأولى، عزيزى القارئ، كان واضحًا أن هذا الصوت لا يُشبه غيره. لم تكن رخامة عادية ولا طبقةً عريضةً فحسب، بل بنية نفسية كاملة تتحرك داخل المقام كما يتحرك فارسٌ يعرف أرض المعركة شبرًا شبرًا. حين كان ينتقل من مقام إلى آخر، لم يكن يستعرض قدرته، بل كان يطوّع النغمة لتخدم المعنى. إذا جاءت آية وعيد شعرت بالرهبة تسرى فى العظام، وإذا مرت آية رحمة أحسست بالسكينة تنساب فى صدرك دون استئذان. يا صديقي، السر لم يكن فى الجمال وحده، بل فى الصدق. كان يعيش الآية قبل أن يقرأها، وكأن الكلمات تمر أولًا على قلبه ثم تخرج إلينا مشتعلة.
تأثر فى بداياته بمدرسة رفيق دربه محمد صديق المنشاوي، ذلك المعلم الذى صار مدرسة قائمة بذاتها فى فن التلاوة. لكن الفارق بينهما، يا عزيزي، لم يكن فارق درجة، بل فارق مزاج روحي. المنشاوى كان بناءً موسيقيًا متماسكًا، عقلًا يدير النغمة بدقة مذهلة، أما البهتيمى فكان قلبًا يخاطر. كان يتوقف لحظة صمت محسوبة، يترك الفراغ يتكلم، ثم يعود بانفجار رخيم يشبه موجة عالية تضرب شاطئ الروح. لم يكن يقلد أستاذه، بل جاوره، ثم انطلق فى طريقه الخاص. وهنا بدأت أسطورته تتشكل.
ولعلّك تتساءل، لماذا لُقب بفارس دولة التلاوة؟ لم يكن لقبًا صحفيًا عابرًا؛ كان صوته المفضل فى مجالس النخبة السياسية والثقافية فى مصر الستينيات. فى زمنٍ ثقيلٍ بالتحولات والهزائم والأسئلة الكبرى، كان الناس يبحثون عن ملاذ روحي، وحين يرتفع صوته فى مجلسٍ يضم كبار القوم، يسود صمت مختلف. لم يكن بكاء بعضهم ضعفًا، بل تطهرًا كان يمنحهم لحظة صدق عارية أمام أنفسهم، صوته لم يكن حزينًا بشكلٍ مسرحي، بل حزنًا نبيلًا، حزنًا يليق بكتابٍ سماوي، قوة لا تخدش الوقار ولا تستعرض نفسها.
شخصيته أيضًا كانت امتدادًا لصوته. وقور، معتدّ بنفسه كحاملٍ لكتاب الله، لا يسمح أن يُختزل فى مجرد أداء جميل. يُروى أنه فى أحد التسجيلات، طُلب منه إعادة مقطعٍ بعينه، فأعاد صياغة الآية كلها بإحساس مختلف، كأنما يعلن أن القرآن ليس مقطعًا محفوظًا، بل روحًا متجددة. هنا تفهم، عزيزي، لماذا لم يكن يتكرر. لأن من يعيش المعنى لا يستطيع أن يقدمه بالروح نفسها مرتين.
ثم جاءت اللحظة التى لم يكن أحد مستعدًا لها. رحل عام 1969 وهو فى قمة عطائه. تخيّل يا صديقى فارسًا يترجل فجأة وهو فى أوج اندفاعه لم يره الناس شيخًا يضعف صوته، ولم يشهدوا انطفاءه التدريجي. بقى فى الذاكرة شابًا مشتعلاً، حنجرة فولاذية تحمل حزنًا وقوة فى آن واحد. مأساة رحيله المبكر لم تُنهِ حضوره، بل جمّدته فى أجمل صورة ممكنة. أصبح معيارًا مثاليًا، وظل غيابه حاضرًا فى كل مقارنة، فى كل محاولة تقليد، فى كل صوتٍ حاول أن يبلغ تلك المنطقة الخطرة بين الرهبة والحنين.
والمؤلم يا عزيزى أن أجيالًا كاملة اليوم لا تعرف اسمه كما ينبغي، فى شوارع القاهرة التى كان صوته يملأ فضاءها، يمرّ الأطفال الآن على ضجيجٍ لا يحمل تلك الطمأنينة. أخاف، نعم أخاف، أن يكبروا دون أن يعرفوا كيف كان القرآن يُتلى بحزنٍ مهذب وقوةٍ لا تستعرض نفسها. أخاف أن نفقد الذائقة التى كانت ترى فى التلاوة فنًا ورسالة ووقارًا ولهذا أكتب لك، لا لأستعرض سيرة منسية، بل لأوقظ فيك وفى نفسى إحساس المسؤولية تجاه هذا التراث.
الآن، بعدما اقتربنا من هذا الفارس الذى رحل فى ذروة النار، أسألك بصدق يا صديقي: كم صوتًا عظيمًا مرّ بنا ولم نتوقف عنده؟ كم كنزًا تركناه تحت غبار السرعة؟ كامل يوسف البهتيمى لم يكن مجرد قارئٍ رحل، بل كان امتحانًا لذاكرتنا. إما أن نستعيده، أو نقبل أن تتساقط الأسماء واحدًا تلو الآخر.
وأنا لا أريدك قارئًا عابرًا، أريدك رفيق رحلة. فى الأسبوع القادم سنقترب من سلطانٍ آخر، سرّه مختلف، وجرحه أعمق، وحكايته أشد دهشة. قد تظن أنك تعرفه، ثم تكتشف أنك لم تسمعه حقًا من قبل. أعدك أن القادم لن يكون تكرارًا، بل تصعيدًا، وأن كل حلقة ستكشف طبقة جديدة من عبقرية الصوت القرآنى التى صنعت وجدان هذا البلد.
عد إلى الأسبوع المقبل، يا عزيزي، لأن سلاطين التلاوة المنسيين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد. ما كشفناه اليوم ليس سوى باب فتحناه على ممر طويل مليء بالأسرار، وأصوات إذا اقتربت منها قليلًا أدركت أن تاريخنا لم يكن عاديًا أبدًا، وأن خلف كل نغمة حكاية، وخلف كل دمعة سرًا لم يُروَ كما ينبغي. القادم ليس مجرد اسم جديد نضيفه إلى القائمة، بل مواجهة جديدة مع عبقرية مختلفة، وصوت سيهزّ إحساسك كما هزّك هذا الفارس، ستكتشف أن وراء كل مقام قصة إنسانية نابضة، وأن التلاوة لم تكن يومًا أداءً فنيًا فقط، بل دراما كاملة من الشغف والوجع والكبرياء الروحي. لا تدع هذه الحكاية تمر مرور العابرين. ابحث، أنصت، عد إلى التسجيلات، واستعد لما هو أعمق. لأن الرحلة لم تبلغ ذروتها بعد، وما اشتعل اليوم فى قلبك ليس إلا الشرارة الأولى.