تخطو سلطنة عُمان خطوات استراتيجية متسارعة لتعزيز مكانة الاقتصاد الرقمي، مرتكزة على الذكاء الاصطناعي كعنصر جوهري، وذلك ضمن إطار "رؤية عُمان 2040". إذ تهدف هذه الجهود إلى تنويع مصادر الدخل الوطني، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وترسيخ مكانة السلطنة كمركز إقليمي للتقنيات المتقدمة.
ويمثل إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في سلطنة عمان إحدى أبرز خطوات التحول نحو إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الرقمي القائم على المعرفة والتقنيات المتقدمة، حيث أصدر السلطان هيثم بن طارق مرسومًا بإنشاء "منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة" في مسقط، مما يعكس أعلى درجات الدعم السياسي للتحول الرقمي .
ويأتي هذا المشروع ضمن مسار وطني يستهدف تنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وتمكين الشركات التقنية المحلية، وتعزيز حضور سلطنة عمان كمركز إقليمي للتقنيات المتقدمة، بما يسهم في تعزيز السيادة الرقمية ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي.
ويهدف المشروع إلى بناء منظومة ابتكار متكاملة عبر استقطاب الاستثمارات في التقنيات المتقدمة، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز نقل المعرفة، إلى جانب تمكين الكفاءات الوطنية ورفع جاهزية البنية الرقمية .
لم يكن هذا المرسوم هو الأول من نوعه في إطار الاهتمام بالاقتصاد الرقمي المؤسس على المعرفة، وإنما ثمة مبادرات وطنية ومشاريع استراتيجية طرحتها عُمان في هذا السياق، أبرزها: البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي: والذي تم إطلاقه لتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، كما تم إطلاق حوالي 32 مشروعاً، منها:"مُعين" وهو نموذج لغة عُماني خاص بالحكومة. فضلاً عن البرامج التي تم طرحها لدعم وتأهيل الكفاءات الوطنية، ومنها: البوابة الوطنية للبيانات المفتوحة، لتعزيز الشفافية والابتكار.
وأجمع خبراء على أن منطقة الذكاء الاصطناعي تمثل تحولا استراتيجيا نحو اقتصاد يعزز السيادة الرقمية، ويجذب الاستثمارات النوعية، ويدعم الشركات التقنية المحلية ونقل المعرفة. وأكدوا أن نجاح المشروع مرهون بتطوير الكفاءات الوطنية، وتحديث الأطر التشريعية، وتوفير بيئة تنظيمية مرنة ومحفزة قادرة على مواكبة المنافسة الإقليمية .
وفي هذا السياق، يمكن رصد رؤية عدد من المختصين والخبراء؛ للوقوف على الأبعاد الاقتصادية للمشروع، واستكشاف الفرص الاستثمارية التي يتيحها، وقراءة التحديات المرتبطة بالبنية التشريعية وتطوير الكفاءات الوطنية، في وقت تتجه فيه سلطنة عمان إلى ترسيخ موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي من خلال بناء منظومة متكاملة للابتكار والتقنية.
أكد رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى أحمد بن سعيد الشرقي، أن إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة يمثل تحولا استراتيجيا في هيكل الاقتصاد الوطني، موضحا أنها ستضع الأساس لبنية سيادية للاقتصاد الرقمي ترتكز على البيانات والتقنيات المتقدمة. وأشار إلى أن المشروع من شأنه أن يسهم في رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تحسين الإنتاجية من خلال الأتمتة والتحليل الذكي، وتعزيز القيمة المضافة في قطاعات حيوية مثل النقل والطاقة والمالية والصحة، الأمر الذي يدعم توجه سلطنة عمان نحو اقتصاد المعرفة، ويعزز تحقيق مستهدفات رؤية عمان 2040.
وأوضح أن المنطقة ستفتح المجال لاستقطاب استثمارات في مجالات مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، إضافة إلى دعم أنشطة البحث والتطوير، وخلق فرص غير مباشرة في مجالات الخدمات اللوجستية والتقنية والتعليم والتدريب، لتعزز قدرة سلطنة عمان على التحول إلى مركز إقليمي للتقنيات المتقدمة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي واستقرارها التنظيمي، ومهيأة لبناء شراكات دولية تعزز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي .
وفيما يتعلق بدور المنطقة في دعم الشركات التقنية المحلية بين أنها ستسهم في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للدخول في سلاسل القيمة التقنية، عبر نقل المعرفة والتكنولوجيا من خلال الشراكات مع الشركات العالمية، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، ورفع نسب التعمين النوعي في الوظائف التقنية المتقدمة، إلى جانب تحفيز إنشاء شركات ناشئة عمانية قادرة على الابتكار والمنافسة لتنتقل سلطنة عمان من مرحلة استهلاك التقنية إلى إنتاجها وتطويرها.
وأشار رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى،إلى ضرورة التعامل مع عدد من المحاور الأساسية، في مقدمتها تطوير الأطر التشريعية المرتبطة بحوكمة البيانات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية الملكية الفكرية، وأكد على إسهام المنطقة بسد فجوة المهارات من خلال مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وبناء بنية أساسية رقمية متقدمة وآمنة تشمل الاتصالات والطاقة والحوسبة السحابية، فضلًا عن مواجهة التنافس الإقليمي، وضمان وجود تنسيق مؤسسي فعّال وسرعة في اتخاذ القرار، بما يمنع تحول المشروع إلى إطار شكلي دون تحقيق أثر اقتصادي ملموس .
ونوه إلى أن نجاح المنطقة من منظور الحوكمة والتكامل المؤسسي يتطلب تبني نموذج إدارة مرن ومستقل يواكب طبيعة الاقتصاد الرقمي، مع توفير بيئة تنظيمية حاضنة للابتكار، وإشراك القطاع الخاص في التشغيل والتطوير، إلى جانب ربط المنطقة بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي عبر برامج متخصصة وأكاديميات للذكاء الاصطناعي، بما يضمن استدامة تدفق الكفاءات الوطنية المؤهلة.
وفيما يتعلق بالحوافز، شدد على أن تعزيز جاذبية المنطقة لا ينبغي أن يقتصر على الإعفاءات الضريبية بل يتعدى ذلك ليقدم حوافز تشمل دعم البحث والتطوير، وتمويل الابتكار، وتسهيل الاستثمار الأجنبي، إلى جانب تحقيق التكامل مع القطاعات الوطنية الحيوية مثل الطاقة واللوجستيات والتعدين، بما يعظم الاستفادة من التقنيات الحديثة في رفع الكفاءة والإنتاجية .
من جانبه قال الأكاديمي والباحث العُماني الدكتور معمر بن علي التوبي، إن إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة تجسّد توجهات الحكومة نحو بناء قاعدة تقنية متقدمة تقوم على الذكاء الاصطناعي والبيانات، معتبرًا الإعلان عن إنشاء هذه المنطقة يعكس الإدراك المبكر لأهمية الاستثمار في التقنيات الحديثة وما تحمله من آثار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.
وأشار إلى أن المنطقة ستسهم في خلق قيمة مضافة عالية من خلال تطوير صناعات قائمة على المعرفة والبيانات، والتي تتميز بارتفاع إنتاجيتها مقارنة بالقطاعات التقليدية، بما في ذلك بعض القطاعات التقنية التقليدية، كما ستسهم في رفع كفاءة قطاعات اقتصادية أخرى مثل اللوجستيات والطاقة والرعاية الصحية، عبر إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها، بما يؤدي إلى خفض التكاليف وتحسين جودة الخدمات .
وفيما يتعلق بالفرص الاستثمارية، أوضح الدكتور التوبي أن المنطقة ستشكل عامل جذب لرؤوس الأموال المحلية والدولية، لا سيما في مجالات تحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، و أن وجود بيئة تنظيمية مرنة وحوكمة متخصصة في هذا المجال، إلى جانب حوافز استثمارية مدروسة، سيشجع الشركات العالمية على إنشاء مراكز بحث وتطوير إقليمية في سلطنة عمان.
ودعا التوبي إلى ضرورة التعامل مع التحديات المرتبطة بهذا المشروع بواقعية، مشيرا إلى أن تأهيل الكوادر البشرية، خاصة الوطنية، يمثل أحد أبرز هذه التحديات، نظرًا للحاجة إلى مهارات متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات. وأضاف "التوبي" أن هناك تحديات أخرى تتعلق بالجوانب التنظيمية والتشريعية، لا سيما في مجالات حوكمة البيانات، والخصوصية، والأمن السيبراني، إلى جانب تحديات المنافسة الإقليمية، في ظل توجه عدد من الدول إلى إنشاء مراكز مماثلة، ما يستدعي تقديم قيمة تنافسية واضحة تعزز من موقع سلطنة عمان في هذا المجال .
من جانبه أوضح المهندس رايف بن علي الزكواني، مدرب مختص في الذكاء الاصطناعي أن إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة يمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التحول نحو الاقتصاد الرقمي، وأن أهميتها الاقتصادية تنبع من قدرتها على بناء منظومة متكاملة قائمة على الابتكار والتقنيات المتقدمة.
وأشار إلى أن هذه المنطقة ستسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، من خلال جذب الاستثمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، إلى جانب خلق فرص عمل للشباب. وأوضح أن المنطقة سيكون لها دور مباشر في تسريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة .
وأشار إلى أن المشروع سيعزز من مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي للتقنيات المتقدمة وذلك بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها الأساسية الرقمية واستقرارها الاقتصادي والسياسي، بما يمكنها من أن تكون حلقة وصل بين أسواق الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، إضافة إلى تعزيز حضورها الدولي من خلال بناء شراكات مع شركات عالمية والمشاركة في تطوير حلول تخدم مختلف القطاعات.
وأكد أن جذب الشركات العالمية يتطلب توفير عوامل تنافسية، تشمل الحوافز الاستثمارية المرنة، وتسهيل الإجراءات التنظيمية، وتوفير بنية أساسية رقمية متقدمة، إلى جانب وجود تشريعات داعمة للابتكار وبرامج لتطوير الكفاءات الوطنية، وهي عوامل تشكل أساسًا في قرارات الاستثمار لدى الشركات العالمية .