رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الخطط الخمسية العُمانية.... من إصلاح الاقتصاد إلى تسريع الاستدامة


2-3-2026 | 23:09

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

إدارة الاقتصاد عبر الخطط الخمسية هي أسلوب تخطيط مركزي أو توجيهي يهدف لتحقيق أهداف تنموية محددة (صناعية، زراعية، اجتماعية) خلال 5 سنوات، تشمل رفع مستوى المعيشة، التنويع الاقتصادي، وتحسين التشغيل. تعتمد هذه الخطط على تحويل الموارد نحو قطاعات الإنتاج لتعزيز النمو المستدام، وتقييمها يتم عبر قياس جودة الوظائف والنمو غير النفطي.

فقد شهدتْ سلطنة عُمان خلال الأعوام الخمسة الماضية تحوُّلًا لافتًا في طريقة إدارة اقتصادها، حيثُ انتقلت الخطط الخمسيَّة من كونها أداةً لتنظيم الإنفاق وتوزيع الموارد إلى إطار استراتيجي يُعِيد تشكيل هيكل الاقتصاد نفْسه، وفْقَ مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، فالفترة الممتدَّة بَيْنَ 2020 و2025 لم تكُنْ مرحلةً عاديَّة، فقَدْ تزامنت مع ضغوط عالميَّة معقَّدة وتذبذب في أسواق الطاقة.

ومع ذلك أظهرت المؤشِّرات الاقتصادية العُمانية أنَّ التخطيط المؤسَّسي المرتبط بالأهداف بعيدة المدى قادر على إنتاج نتائج ملموسة، حيثُ تضاعف رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر لِيصلَ إلى أكثر من (30) مليار ريال عُماني، وارتفعت الصادرات غير النفطيَّة من (3.4) مليار إلى أكثر من (6) مليارات ريال، كما سجَّلتِ الصناعات التحويليَّة نُموًّا متصاعدًا في قِيمتها المضافة، ما يعكس انتقالًا تدريجيًّا من اقتصاد يعتمد على المورد الخام إلى اقتصاد يبني قِيمة داخل حدوده.

وهذه الأرقام لا تقرأ بمعزل عن سياقها؛ فهي تؤكِّد أنَّ التخطيط المتكامل ـ حين يرتبط بوضوح الرؤية وتكامل السياسات الماليَّة والتشريعيَّة والرقميَّة ـ يتحول إلى أداة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي، ويضع أساسًا أكثر صلابة لاستدامة النُّمو في المدى المتوسِّط والطويل.

وإذا كانت الأرقام تعكس نتيجة وحصاد التخطيط، فإنَّ البيئة التنظيميَّة والرقميَّة تُمثِّل الأداة الَّتي صنعتْ هذا الحصاد على أرض الواقع، فقَدْ شهدتْ عُمان خلال السنوات الماضية تحديثًا تشريعيًّا واسعًا تمثَّل في إصدار (49) قرارًا ولائحة تنظيميَّة أسْهَمتْ في إعادة ضبط بيئة الأعمال وتعزيز شفافيَّتها، بالتوازي مع تنفيذ برنامج تحوُّل رقمي شامل شغل (9) منصَّات إلكترونيَّة متكاملة لخدمة المستثمرين وروَّاد الأعمال، من أبرزها منصة "عُمان للأعمال"، ومنصة "استثمر في عُمان"، ومنصة "صادرات عُمان"، ومنصة "صنع في عُمان"، ومنصة "معروف عُمان"، ومنصة "حزم"، ومنصة "مراكز سند"، ورفع نسبة نضج الخدمات عَبْرَ منصَّة «عُمان للأعمال» من (50) بالمئة في عام 2020 إلى (72) بالمئة في عام 2024.

وخلال الفترة من 2020 ـ 2025 تم إصدار أكثر من (700) ألف ترخيص تلقائي مكتمل، وتنفيذ ما يزيد على (2.8) مليون معاملة إلكترونيَّة، مع تكامل (50) خدمة رقميَّة، وتسجيل نَحْوِ (446) ألف سجل تجاري نشط، وإصدار أكثر من (103.9) ألف ترخيص صناعي مكتمل، كما تجاوز إجمالي المعاملات المنجزة (3) ملايين معاملة، وهو ما يعكس اتِّساع قاعدة النشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين في المنظومة التنظيميَّة الحديثة.

وأظهرت الخطة الوطنية للتجارة الإلكترونية (2022 ـ 2027) تقدمًا مرحليًّا، حيث بلغت نسبة الإنجاز 46 بالمائة في عام 2023 و73 بالمائة في عام 2024 و83 بالمائة في عام 2025، مع استهداف الوصول إلى 100 بالمائة بحلول عام 2027.

وانعكس هذا التحوُّل المؤسَّسي في تحسُّن ترتيب سلطنة عُمان في مؤشِّر الحُريَّة الاقتصاديَّة من المركز الـ(76) في عام 2020 إلى المركز الـ(58) في عام 2025، وتقدُّمها في مؤشِّر الابتكار العالمي من المركز الـ(84) إلى المركز الـ(96) خلال الفترة نفْسها، لِتصبحَ الرقمنة والتشريع والجودة منظومة مترابطة تخفض تكلفة الوقت، وترفع كفاءة القرار، وتُعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني في سوق عالمي سريع التغيُّر.

ولعلَّ جوهر التحوُّل الاقتصادي الَّذي تشهده عُمان يتجلَّى بوضوح في قِطاع الصناعة والتصدير، حيثُ تتقدم الصناعات التحويليَّة إلى موقع القلب في معادلة التنويع، بعد أن ظلَّت لسنوات طويلة تَدُور في فلك الأنشطة التقليديَّة، فقَدِ ارتفعت مساهمة الصناعات التحويليَّة في الناتج المحلِّي الإجمالي إلى نَحْوِ (3) مليارات و(879) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025، محقِّقةً نُموًّا بنسبة (7.2) بالمئة مقارنةً بالعام السابق، كما ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي في القِطاع الصناعي إلى نَحْوِ (3) مليارات و(490) مليون ريال، بنُموٍّ بلغ (24.6) بالمئة، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في القاعدة الإنتاجيَّة الوطنيَّة.

وأظهرت المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة من عام 2020 حتى 2024 نموًّا ملموسًا في التجارة الخارجية للأنشطة غير النفطية؛ إذ ارتفعت قيمة الصادرات غير النفطية من 3.4 مليار ريال عُماني إلى 6.2 مليار ريال عُماني، مسجلةً نسبة نمو بلغت 21.9 بالمائة، ما يعكس نجاح السياسات الحكومية الداعمة لتنويع مصادر الدخل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج العُماني، بدعم من برامج الترويج التجاري والتكامل مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وفي الوقت ذاته بلغتِ الصادرات غير النفطيَّة خلال عام 2025 نَحْوَ (6) مليارات و(885) مليون ريال عُماني، بزيادة نسبتها (10.5) بالمئة مقارنةً بعام 2024، وهو تطوُّر يُعبِّر عن قدرة المنتج العُماني على اختراق أسواق خارجيَّة جديدة، وتعزيز حضوره في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة.

ويتكامل هذا المسار مع برامج «هُوِيَّة المنتج الوطني» و»صنع في عُمان» وتوسيع منظومة المواصفات والجودة، بما يعمِّق المحتوى المحلِّي ويرفع تنافسيَّة الصناعة الوطنيَّة، ويؤسِّس لاقتصاد يصنع قِيمة مضافة داخل حدوده، ويولِّد فرص عمل مستدامة ترتبط بالمعرفة والتقنيَّة والتصدير.

وتُمثِّل الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة (2026 ـ 2030) محطَّة انتقال من تثبيت قواعد الإصلاح إلى تسريع وتيرة النُّمو النوعي، حيثُ تتَّجه الأولويَّات نَحْوَ تعميق التصنيع الذَّكي، وتوسيع توظيف التقنيَّات المتقدمة والذَّكاء الاصطناعي، وتعزيز التحوُّل الرَّقمي بوصفه عامل تمكين رئيسًا لرفع الإنتاجيَّة وتحسين كفاءة الخدمات.

تركز الجهود العُمانية على الترويج للإستثمار، على استهداف قطاعات استراتيجية تشمل الصناعة التحويلية، والطاقة المتجددة، والتقنيات المتقدمة، والاقتصاد الدائري، بالتوازي مع تفعيل منصة "استثمر في عُمان" وتعزيز حضور سلطنة عُمان في الفعاليات الاقتصادية الدولية، إذ ستشهد المرحلة القادمة تكثيف الشراكات الاستثمارية النوعية وتعظيم الاستفادة من الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة، بما يدعم تدفقات الاستثمار المستدام ويعزز نقل المعرفة والتقنيات.

كما تركِّز المرحلة المقبلة على تنويع المنتج السياحي باتِّجاه سياحة نوعيَّة مستدامة، وتطوير البنية الأساسيَّة الرقميَّة واللوجستيَّة، وتمكين الكوادر الوطنيَّة في القِطاعات الإنتاجيَّة والخدميَّة، بما يُعزِّز مساهمة القِطاع الخاص ويرسِّخ الشراكة الفاعلة بَيْنَه وبَيْنَ القِطاع العام.

ويأتي هذا التوَجُّه استكمالًا لمسار مؤسَّسي أثبتَ فاعليَّته في السنوات الماضية، حيثُ لم تَعُدِ الخطَّة إطارًا زمنيًّا للتنفيذ فحسب، وإنَّما منصَّة لتوجيه الموارد نَحْوَ قِطاعات ذات قِيمة مضافة عالية، وقادرة على توليد فرص عمل مستدامة، وتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة، بما يَضْمن استمرار الزخم وتحويل النُّمو المتحقق إلى مكاسب طويلة الأجل تُعزِّز استقرار الاقتصاد الوطني وتنافسيَّته في عالم سريع التحوُّل.

والمؤكد أن سلطنة عُمان واصلت خلال الأعوام الخمسة الماضية تنفيذ مسار إصلاحي متكامل أسهم في إحداث تحوّل ملموس في بيئة الأعمال، وتعزيز تنافسية القطاعات التجارية والصناعية والاستثمارية، وتحقيق تقدم نوعي في عدد من المؤشرات الاقتصادية الدولية، وتمضي نحو بناء اقتصاد متنوع وقادر على المنافسة يستند إلى تشريعات مرنة، ومنصات رقمية متقدمة، ومنظومة جودة متكاملة، وترويج استثماري نشط.

وفي إطار نظرية التكامل الإصلاحي والاقتصادي العُماني، يأتي الإنجاز الذي شهده قطاع الموانئ في عُمان خلال عام 2025، حيث حقق أداءً تشغيليًّا متقدمًا مدفوعًا بارتفاع حركة السفن وزيادة أحجام مناولة الحاويات والبضائع؛ ما يعكس تنامي دور القطاع كأحد الركائز الأساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الحركة التجارية.

ويأتي هذا الأداء المتقدم بالتوازي مع استمرار تنفيذ حزمة من المشروعات الاستراتيجية التي تشرف عليها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات الرامية إلى رفع كفاءة العمليات التشغيلية وتعزيز البنية الأساسية واستقطاب خطوط ملاحية وأسواق جديدة بما يعزز تنافسية الموانئ العُمانية إقليميًّا ودوليًّا، ويواكب مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في تنويع الاقتصاد وترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز لوجستي محوري في المنطقة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة