لعل السؤال الأبرز فى كل أرجاء العالم ينتظر دوماً الوعد الأمريكى الذى لا يأتى أبدأ!!
والذى وعد بالأمن والسلام والاستقرار ثم هبطت الرسوم العقابية الأمريكية بفعل فاعل لتحول الصراع من مجرد الصراع حول الرسوم الجمركية ومحاولة تقليلها إلى مواجهة شاملة تمس المصالح الاقتصادية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادى فى مشهد يعكس التحول الدراماتيكى فى مشهد العولمة التى ضربت فى مقتل ومعه تم تسييس ملف التجارة العالمية، بل تم ربطها بملفات أخرى مثل سلاسل الإمداد الأمنية والتحالفات الجيوسياسية،
مما جعل القرارات الاقتصادية أقل خضوعا لمنطق السوق العالمية واحتياجات العالم وإنما أكثر ارتباطاً بالحسابات الاستراتيجية فى تحول جوهرى يعبر عن الانقسام وتقليص العولمة وبناء تكتلات تجارية مغلقة، وهنا نقول هل كان عام 2025 نهاية العولمة فعلاً!!!
لقد انتقل العالم إلى مرحلة جديدة تمثل نموذجًا أكثر انتقائية وتحكما مما يعنى تراجع نسبة التجارة العالمية إلى الناتج العالمى مقارنة بعام 2008، وفى مقابل ذلك زيادة حجم التجارة العالمية داخل التكتلات الإقليمية بوتيرة أسرع من التجارة العابرة للتكتلات.
تحولت العولمة إلى الأقلمة حيث لا يوجد صداقة بين الدول وإنما هناك مصالح مشتركة مؤقتة كى تنقذ نفسها من نتائج الحروب التجارية، وأيضاً من ارتفاع قيمة الديون السيادية، مما جعل منظمة التجارة العالمية تصرح فى أكتوبر 2025 بأن نمو التجارة العالمية فى السلع يتباطأ بشكل حاد فى العام القادم ليصبح بنسبة نصف ما يتداول الآن وهو 2.4 فى المائة من الناتج العالمى، لا شك أن العوامل الدافعة أو المعاكسة التى تواجه الاقتصاد العالمى تزداد تعقيداً لتتراجع أحجام الصداقة العالمية.
صراع اقتصادى طويل الأمد أم إعادة توازن يعيد تعريف قواعد التجارة العالمية، فالتاريخ الاقتصادى يقول إن إعادة التوازن يحتاج من 10 / 15 سنة وها هى الصين تتقدم وأمريكا تتراجع مع استمرار حرب المعادن وانتهاء حروب الوكالة للدول الكبرى، فالأساطيل تتحرك هنا وهناك والنظام العالمى الجديد الكل خاسر فيه بلا اشتباك ولاعبون يفضلون حرق الخريطة العالمية عن بعد.
لقد أثبتت رسوم ترامب أنها غير مجدية، ففى الوقت الذى جمعت فيه أمريكا إيرادات تجاوزت 287 مليار دولار فى 2025 إلا أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع إلى أكثر من ٣فى المائة فى 6 أشهر وارتفاع أسعار المنتجات الأمريكية التى تعتمد على استيراد المواد الأولية، مما أدى إلى تضرر المصدرين أمام المنتجات العالمية المنافسة.
لذلك جاء قرار الكونجرس صامدا لترامب بالنسبة لرسوم كندا وهى مسألة رمزية على كل الرسوم الجمركية، لقد أدرك الديمقراطيون ومعهم عدد من الجمهوريين فى الكونجرس أن استخدام المادة 2011 فى قانون التجارة الأمريكية فى حالة الطوارئ ليس حقًا أصيلاً للرئيس وأن رسوم ترامب العقابية تسبب التضخم وفى نفس الوقت ينتظر الجميع قرار المحكمة العليا المتعلق بقانونية الرسوم الأخيرة التى أصدرها الرئيس الترامبى خصوصاً ما فرضه على الشريك التجارى الأول كندا الذى يمثل حجم التجارة بينهما 90 مليار دولار وأمريكا كانت تعتمد عليه بنسبة 75 فى المائة فجعلها ترامب تذهب إلى الصين بمنتهى الأريحية.
الأسواق لا تنتظر أحدا والعالم يتحول من العولمة إلى الأقلمة وأصبح تنويع الاقتصاد أمرًأ حتميًا خصوصاً للدول الناشئة، فالعالم لا يدار بالقوة فقط وإنما بالحسابات الاستراتيجية.
العالم يدار بالأرقام التى لا يقرأها أحد ومن يملك شجاعة القرار والنظر إلى الأرقام بعين الاعتبار.
وهنا ومع حديثنا عن الدول الناشئة نقول مع تغيير وجه الاقتصاد فى مصر بحكومة أعيد تشكيلها ليكون الاقتصاد هو عنوانها الأول والأخير فى معترك كبير وحالة استنفار أو مهمة عاجلة لإنقاذ أهم الملفات العالقة،
أمام الحكومة فرصة تاريخية للبناء على ما تقدم بخطة عمل واضحة المعالم ووضع السقوف الزمنية المحددة للتنفيذ، خصوصاً فى ظل حالة الأقلمة الحديثة، مما يجعل هناك رؤية لحامل ملف العقل الجماعى للمجموعة الاقتصادية فى ملفات التحفيز الاقتصادى الصناعة والتجارة والاستثمار حكاية كل العصور.
لم يعد هناك رفاهية للوقت الذى لا يسعف أحدا وإنما على الدولة أن تلحق سريعا بقطار التنمية العالمية وأن نكون جاهزين لكل الاحتمالات.
علينا مع حجم الحراك الاقتصادى العالمى أن نقوم بتسعير الحالة المصرية طبقا للقواعد الكلية والمعطيات وتحديد دور الدولة فى النشاط الاقتصادى بدون وضع حلول محاسبية ولكن من خلال الإنتاج والاستثمار والتصنيع، أى إدارة الدين العام بعيداً عن المقايضات بحلول مستقبلية من أجل المستقبل، مع إدارة فنية للإيرادات، أى زيادة الضرائب من خلال الاستثمار وتحصيل الضريبة من المتهربين والدفع بالاقتصاد غير الرسمى إلى جنبات الاقتصاد الوطنى.
لا بد من فك الاشتباك الحادث بين عجز الموازنة واستعدال بوصلة الميزان التجارى، نجاح الحكومة مرهون بكفاءة التنفيذ والاستدامة والمتابعة والمساءلة وتقديم البراهين على الصوابية فى التحركات المالية والنقدية والطاقوية والعدالة الاجتماعية والأمن بكل أشكاله، واستخدام القدرات التمكينية فى تحقيق الأهداف، والانخراط سريعا مع الحالة العالمية الجديدة مع تغيير رادار الأداء فى كافة الملفات الاقتصادية فالعالم يتحرك بسرعة كبيرة إلى الأقلمة، وعلينا استيعاب الدرس سريعاً فالعالم لا ينتظر أحدا.