جملة أراها عبقرية، ولم أدرك حكمتها إلا مع الزمن: "شجاعة الجهل". فالجهلاء يملكون شجاعة نادرة، لا تتوافر بالقدر ذاته لدى العارفين؛ شجاعة تجعلهم على يقين راسخ أن ما يدركونه بأذهانهم المحدودة هو الحقيقة المطلقة، ثم يحاكمون العالم كله انطلاقًا من هذا اليقين الزائف. وما جرى في الجدل الأخير حول اتهام وزيرة الثقافة الجديدة بالسرقة العلمية ليس مجرد خلاف عابر حول كتاب، بل مثال كاشف على هذه الشجاعة المضللة، التي تحوّل الانطباع إلى حكم، وتستبدل القراءة بالهتاف، وتستدعي "أبجديات البحث العلمي" لا بوصفها أدوات منهج، بل كسلاح للتشهير والاغتيال المعنوي.
حين تُفرغ المفاهيم من سياقها لا خلاف، من حيث المبدأ، على أن للاقتباس قواعد واضحة في البحث الأكاديمي المحكَّم: النقل الحرفي يجب أن يُعزَى بدقة، والأفكار المستفادة يجب الإشارة إلى مصادرها، وأي إخلال بذلك في الرسائل الجامعية أو أبحاث الترقية يُعد خرقًا جسيمًا للأمانة العلمية. هذه قواعد مستقرة، لا جدال حولها.
لكن الإشكال يبدأ لحظة نقل هذا النظام الصارم من سياقه الطبيعي وفرضه قسرًا على كل أنماط الكتابة، وكأن المعرفة لا تُنتج إلا داخل الجامعة، ولا تُمنح شرعية إلا إذا جاءت في صورة بحث محكَّم، وكأن الكتاب الثقافي العام لا وجود له ولا وظيفة له في تاريخ الثقافة العربية.
الكتب الثقافية والفكرية العامة ليست رسائل دكتوراه، ولا أبحاث ترقية، ولا دراسات محكَّمة.
هي نصوص موجَّهة إلى جمهور أوسع، تعتمد السرد والتحليل والتأمل، وتعيد تركيب أو تجميع مواد تاريخية ومعرفية معروفة، وتتحرك بين التوثيق والقراءة والتأويل. وغالبًا ما تعتمد في الإحالة على قائمة المصادر والمراجع في نهاية الكتاب أو الفصل، لا على تفكيك هوامشي تفصيلي داخل المتن.
هذا النمط ليس استثناءً ولا "تحايُلًا"، بل تقليد راسخ في الثقافة العربية، مارسه كبار الكتّاب والمثقفين، ولم يكن يومًا موضع اتهام أخلاقي، إلا حين قرر البعض – بدافع الجهل أو الهوى – أن يُخضع كل كتابة لمعيار واحد، ويحوّل كل كتاب إلى ملف اتهام.
ماذا فعل كتاب الوزيرة فعليًا؟
بعيدًا عن الضجيج، وبالعودة إلى النص نفسه، يتضح أن كتاب جيهان زكي لم يطمس مصدرًا ولم يُخفِه، خلافًا لما رُوِّج. فقد أحال الكتاب صراحةً إلى أعمال متعددة، من بينها عمل الكاتبة سهير عبد الحميد، أربع مرات داخل المتن، ثم جاءت إحالة خامسة واضحة في قائمة المصادر والمراجع، إلى جانب مراجع عربية وأجنبية أخرى. قد يختلف باحث مع هذا النمط من الإحالة إذا قيس بمعيار أكاديمي جامعي صارم، لكن الاختلاف المنهجي شيء، وادعاء "السرقة الكاملة" شيء آخر تمامًا. فوجود إحالات معلنة، محددة عددًا وموضعًا، يُسقط تلقائيًا سردية "الإخفاء المتعمد" و"النسخ بلا عزو". ويكشف أن جوهر الخلاف لا يتعلق بغياب الإشارة إلى المصدر، بل باختلاف طبيعة الاشتغال نفسه: إذ انطلقت جيهان زكي من مقاربة ثقافية مقارنة بين نموذجين، بينما اشتغلت سهير عبد الحميد ضمن مسار توثيقي أرشيفي وتحقيق صحفي. وهما مساران متمايزان في المنهج والوظيفة والغاية، لا يُقاس أحدهما بالآخر، ولا يجوز اختزال هذا التمايز في تهمة أخلاقية جاهزة. وهو ما يجعل تهمة «السرقة» هنا توصيفًا دعائيًا لا سند له، قائمًا على خلط متعمد بين اختلاف المناهج وادعاء الانتهاك الأخلاقي، لا على قراءة منضبطة للنص أو فحص جاد لأدواته.
أزمة قراءة قبل أن تكون أزمة أمانة
الأخطر في هذا الجدل أن عددًا كبيرًا ممن تصدّروا الهجوم لم يقرأوا الكتاب أصلًا. ويتضح ذلك من طبيعة الخطاب نفسه: عبارات مكررة، أحكام قطعية، إحالات إلى "مطابقات" لم يرها أصحابها، أو إلى قضايا لم يصدر فيها حكم بات. نحن أمام نقاش يدور في فراغ معرفي، حيث يُدان كتاب لم يُقرأ، ويُدان مؤلف لم تُفحص أدواته. هذا النمط من "النقد بالنيابة" يكشف أزمة أعمق في المجال الثقافي: أزمة قراءة. فحين تُستبدل العودة إلى النصوص بمنشورات فيسبوك، ويحل الاصطفاف محل الفحص، تتحول "الأمانة العلمية" إلى شعار أخلاقي يُستخدم انتقائيًا، لا معيارًا معرفيًا منضبطًا.
وفي هذا السياق، تحوّل الدفاع عن الوزيرة إلى ساحة لإسقاط النيات واصطياد الظنون. فجرى الترويج لادعاء غامض عن "كاتب ظل" بلا اسم، وبلا وثيقة، وبلا قرينة مادية واحدة، اعتمادًا على منطق بدائي يقوم على "قالوا وقالوا"، وكأن الإشاعة صارت دليلًا، والهمس صار حُكمًا. هذا النمط من الاتهام لا ينتمي إلى البحث العلمي ولا إلى النقد الثقافي، بل إلى ثقافة الوشاية الرمزية، حيث يُستبدل الدليل بالتلميح، والمنهج بالغمز، والتحقيق بالتحريض. فالادعاء الذي لا يملك مستندًا، ولا نصًا، ولا شاهدًا، لا يُناقَش علميًا، لأنه ببساطة غير موجود معرفيًا.
والدفاع هنا لا ينصرف إلى أشخاص، بل إلى مبدأ أساسي: أن الاتهام عبء إثبات، لا مادة للتداول؛ وأن النقد لا يقوم على النوايا ولا على الإشاعات، بل على قراءة النصوص ومقارنتها وتحليلها بأدوات واضحة. أما تحويل "كاتب ظل متخيَّل" إلى شماعة أخلاقية لتصفية الحسابات، فليس سوى عرض آخر من أعراض شجاعة الجهل حين تتسلّح بالمنبر وتتوهم امتلاك الحقيقة.
والمفارقة أن كثيرين ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على "المنهج" مارسوا ما أنكروه على غيرهم؛ تحدثوا من موقع اليقين المطلق، وحاكموا الآخرين بمعايير لم يلتزموا هم بها، وكأن رؤيتهم الخاصة هي الحقيقة النهائية التي لا تقبل النقاش. وحين طُرحت تساؤلات مقابلة حول مدى التزام الطرف الآخر بالأمانة ذاتها، ساد الصمت، وكأن المبدأ يُستدعى حين يخدم موقفًا بعينه، ويُغفل حين يربك السردية السائدة.
هنا تحديدًا تتجلى شجاعة الجهل في أوضح صورها: شجاعة لا تقوم على المعرفة، بل على الثقة المفرطة في حكم لم يُختبر بالقراءة ولا بالفحص.
حين تنهار سردية الأسبقية
مع تطوّر النقاش، طُرحت مسألة "الأسبقية" في سياق ندوة كان مقررًا عقدها بمعرض الكتاب يوم 25 يناير 2024، وذلك على خلفية إعلان اعتذار عن حضور الندوة نُشر عبر حساب شخصي على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تضمّن هذا الإعلان توصيفًا لكتابٍ بعينه بوصفه المرجع الوحيد للحديث عن قوت القلوب الدمرداشية، واعتباره أول سيرة ذاتية عنها، وذلك في سياق شخصي مرتبط بالاعتذار.
وتبرز أهمية هذه الواقعة في ضرورة التمييز بين التصريحات الذاتية والحقائق البحثية؛ فمثل هذا القول لا يرقى، من حيث طبيعته وسياقه، إلى خلاصة علمية مُحقَّقة أو إلى معيار منهجي ملزم. ومن ثمّ، فإن تعميمه أو تحويله إلى سردية أسبقية عامة يتجاهل المسار البحثي الطويل والمتعدد الذي تشكّل حول أعمال قوت القلوب منذ النصف الأول من القرن العشرين داخل الفضاءين الفرنكفوني والعربي، حيث تراكبت الدراسات والترجمات والقراءات النقدية دون أن تنحصر في اسم واحد أو كتاب واحد.
فمنذ أواخر الثلاثينيات، كانت القاهرة نفسها ساحة مبكرة لهذا الاشتغال، حين نشر جورج قطاوي مقالته الشهيرة "الفرنسية، لغة إنسانية" في مجلة (La Revue du Caire)، العدد 12، أكتوبر–نوفمبر 1939، واضعًا الكتابة بالفرنسية في مصر ضمن أفق ثقافي إنساني كوني لا ينفصل عن السياق العربي. وفي هذا المناخ تحديدًا، برزت قوت القلوب بوصفها جزءًا من هذا المشهد، لا كحالة معزولة أو صوت طارئ، وهو ما تؤكده لاحقًا قراءة غابرييل بونور لروايتها "رمزة ..ابنة الحريم" في مجلة القاهرة سنة 1959، وهي قراءة نقدية مباشرة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن "السبق" أو "الأولية".
وبالتوازي مع هذا المسار النقدي المبكر، توقفت أسماء مركزية في الفكر العربي الحديث عند تجربة الكتابة الفرنكفونية، وفي القلب منها تجربة قوت القلوب. فقد أشار طه حسين في مقال منشور سنة 1947 بمجلة (Les Cahiers du Sud) إلى موقع هذه الكتابة داخل التحول الأدبي العربي، بينما وضعها لاحقًا مفكرون مثل أنور عبد الملك في كتابه مصر الحديثة )1969م)، وجاك بيرك في دراساته السوسيولوجية والنقدية خلال ستينيات القرن العشرين، ضمن نقاش أوسع حول الحداثة واللغة وعلاقة المركز بالهامش، وهو نقاش لم تكن قوت القلوب خارجه، بل في صلبه.
ومع اتساع حقل الدراسات الفرنكفونية منذ السبعينيات، انتقلت قوت القلوب من حيّز الإشارة العابرة إلى حيّز الإدماج المنهجي. فقد أدرجها جان-جاك لوتي سنة 1974 في كتابه المرجعي مدخل إلى الأدب المكتوب باللغة الفرنسية في مصر، ضمن تاريخ طويل للكتابة المصرية بالفرنسية، ثم عاد جان-لوي جوبرت ليؤطر هذه التجربة داخل نقاش "الكتابات العربية باللغة الفرنسية" في دفاتر الشرق(1986م)، ثم في كتابه الجامع الآداب الفرنكفونية في العالم العربي ( 1994) وفي السياق نفسه، أسهمت أعمال أوغست فيات (1981)، وكزافييه دونيو (1983، 1995، 1999)، وميشيل تيتو (1997)، ودومينيك كومب (1995) في تثبيت الإطار النظري الذي تُقرأ داخله أعمال قوت القلوب بوصفها جزءًا من تاريخ أدبي فرنكفوني، لا مادة خامًا قابلة للاحتكار أو المصادرة.
ولا يمكن فصل قراءة قوت القلوب عن السياق الاجتماعي والفكري الذي اشتغلت عليه، خاصة ما يتصل بالمرأة والعبودية والآخرية. فقد وفّرت الدراسات التاريخية والفكرية حول العبودية في العالم الإسلامي والمتوسطي — من غاستون مارتان (1996)، وكريستيان دولاكامبان (2002)، وبرنار لويس (2005)، وجاك هيرس (2003)، ومالك شبل (2007)، " محمد الناجي"، الذات والمملوك: العبودية والسلطة والدين في العالم العربي، باريس،(2007) أدوات تفسيرية أساسية لفهم التوترات التي تنعكس في نصوص قوت القلوب، لا بوصفها وثائق تاريخية، بل تخييلاً أدبيًا مشتبكًا مع أسئلة السلطة والجسد والحرية. ويُضاف إلى ذلك الاشتغال المقارن على وضع المرأة في المجتمعات العربية، وتضع الكتابة النسوية ضمن سياق اجتماعي وتاريخي أوسع، لا ضمن سردية فردية مغلقة.
أما على مستوى التحليل السردي والكتابة الذاتية، فقد أُدرجت أعمال قوت القلوب ضمن نقاشات نظرية أوسع حول الوصف والسيرة وبناء الذات، كما يتضح من اعتماد أدوات تحليلية صاغها فيليب هامون (1981)، وفيليب لوجون (1996)، وجان-فيليب ميريو (1996)، وهي أدوات استُخدمت لاحقًا في قراءة نصوصها بوصفها كتابة مركبة، تتداخل فيها السيرة بالتخييل، والذات بالتمثيل الثقافي، والهوية بالاختلاف.
ويبلغ هذا المسار ذروته في الدراسات المخصصة مباشرة لقوت القلوب، وعلى رأسها دراسة جوليا مادوف سنة 1997 بعنوان "النسوية والاستشراق في المرآة الفرنكفونية لأعمال قوت القلوب (1892–1968)" المنشورة في مصر/العالم العربي، ثم ملف مجلة LHT سنة 2010 الذي تناول قوت القلوب بوصفها روائية مصرية مسلمة تكتب بالفرنسية، وطرح مسألة الآخرية الثقافية داخل تاريخ الكتابة النسوية الفرنكفونية طرحًا مؤسسًا. وهذه الدراسات، بتواريخها الواضحة والمتدرجة، تنسف عمليًا أي ادعاء بأن الاشتغال على قوت القلوب بدأ متأخرًا، أو اقتصر على اسم واحد، أو قام على مبادرة وحيدة.
وفي السياق المصري، أعاد محمود قاسم طرح هذا المسار الفرنكفوني النقدي حين نشر كتابه الأدب العربي المكتوب بالفرنسية بالعربية عن هيئة الكتاب سنة 1996، مستفيدًا من أطروحات جان-جاك لوتي وغيرها، وهو الكتاب الذي أُعيد نشره لاحقًا عن مؤسسة هنداوي سنة 2024، بما يؤكد استمرار التداول المعرفي لا انقطاعه.
وعلى المستوى الأكاديمي الحديث، تواصل هذا التراكم بوضوح منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث بدأت أعمال قوت القلوب الدمرداشية تستعيد موقعها داخل البحث الجامعي المنهجي، عربيًا وفرنكفونيًا وعابرًا للفضاءات الجغرافية. فقد قدّم عثمان نبيل (Oussama Nabil) سنة 2001 دراسة محكّمة في مجلة كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر حول "إشكالية النوع الأدبي في Trois Contes de l’Amour et de la Mort"، عالج فيها تداخل القصة والنوفيلا والرواية، وأدرج نصوص قوت القلوب ضمن مفهوم الأدب الفرنكوفوني بوصفه كتابةً بالفرنسية من خارج المركز الفرنسي، مرتبطة بالسياق الثقافي المحلي لا باللغة وحدها. ثم تبلور الاشتغال الأكاديمي على الإنتاج الأدبي لقوت القلوب في رسائل جامعية متخصصة، من بينها رسالة الماجستير التي أنجزها وائل فتحي الإمام سنة 2005 بعنوان La technique descriptive dans "Harem" d’Out-El-Kouloub (جامعة المنوفية، كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية)، والتي جعلت رواية "حريم " موضوعًا لتحليل تقني-أسلوبي يختبر آليات الوصف وبناء العالم الروائي وتمثيل وضع المرأة.
وتتوالى بعد ذلك الدراسات العربية التي تُقارب نصوصها من زوايا سردية واجتماعية، مثل دراسة أحمد معوض عبد الهادي فايد (2012) حول "القضية الروائية في رواية رامزة"، ثم رسالة الباحثة الإندونيسية فاطمة نعمة الله (2013) المعنونة "الرواية رامزة ابنة الحريم لقوت القلوب الدمرداشية: دراسة تحليلية اجتماعية أدبية"، المقدمة إلى كلية الآداب والعلوم الثقافية بجامعة سونان كاليجاكا الإسلامية في يوجياكرتا؛ وهي رسالة لافتة لأنها تُظهر انتقال الاهتمام بأعمال قوت القلوب إلى فضاء أكاديمي غير عربي وغير أوروبي، ولأنها اشتبكت مع تلقي النص بالعربية عبر اعتمادها على ترجمة دسوقي سعيد لرواية رامزة، بما في ذلك طبعاتها المتداولة عربيًا (ومنها طبعة مكتبة الأسرة 2004)، وهو ما يكشف عن تفاعل حقيقي بين الجهد الترجمـي العربي ومسارات البحث المقارن في سياقات بعيدة.
ولا يقتصر هذا التراكم على الدراسات الأدبية الصرفة، بل يمتد إلى الاشتغال الوثائقي-الثقافي الذي يربط تجربة قوت القلوب بمسارات المكان والتاريخ. ففي سنة 2014 صدر كتاب أحمد إبراهيم عبد الرحمن الهلالي "مصر وجنوب أفريقيا: علاقات مكانية أبعد مدى من الرحلة: قراءة في رحلة السيدة قوت القلوب الدمرداشية (15 فبراير–15 أبريل 1947)" عن دار الكتب والوثائق القومية (مركز تاريخ مصر المعاصر)، وهو عمل يوسّع الدائرة من النص إلى السياق، ويُعيد بناء تجربة الرحلة بوصفها حدثًا ثقافيًا ومكانيًا يتجاوز السرديات المحلية الضيقة.
ويُعدّ بحث "منى إدوارد سابا" الصادر سنة 2015 في "حوليات آداب عين شمس" محطةً مفصلية في هذا المسار، إذ قدّم قراءة نسوية تاريخية معمّقة لرواية رامزة ، ربطت بين البنية السردية والتحولات الاجتماعية والقانونية، وأبرزت انتقال قضية البطلة من تجربة فردية إلى قضية رأي عام داخل سياق الحريم، والاستبداد الأبوي، والتعليم، والحرية، ثم أكدت الدراسات الفرنكفونية الحديثة، وعلى رأسها دراسة رانيا محمد الحسيني سنة 2022، أن أعمال قوت القلوب ليست نصوصًا منسية يُعاد "اكتشافها"، بل متنًا حيًا ظل حاضرًا في التحليل الأكاديمي دون انقطاع.
ويتعزز هذا المسار بظهور أعمال أكاديمية جمعت بين الترجمة والدراسة النقدية، من بينها رسالة الماجستير التي أنجزها صالح الضوي علي سنة 2021 بعنوان قوت القلوب: ثلاث حكايات عن الحب والموت: ترجمة إلى اللغة العربية متبوعة بدراسة أدبية (جامعة الفيوم، كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية)، تحت إشراف عثمان نبيل وشيرين حسن أحمد، وهي دراسة تعكس انتقال الاشتغال من مستوى القراءة إلى إنتاج أدوات للتلقي عبر نقل النصوص الفرنكفونية إلى العربية وتحليلها. ويتأكد هذا الامتداد في رسالة الماجستير التي أنجزتها هالة عادل محمود عزب سنة 2023 بجامعة بنها (كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية) بعنوان دور المرأة بين الإقصاء والالتزام عند قوت القلوب ومارياما با، وهي دراسة مقارنة تُدرج قوت القلوب ضمن حوار أفرو-فرنكفوني واسع حول قضايا المرأة، وتُخرجها من أي تصنيف محلي ضيق، مؤكدة رسوخها داخل شبكات البحث الفرنكفوني المعاصر.
وعلى مستوى التداول الثقافي المعاصر، يندرج مقال عمرو علي بركات بمجلة عالم الكتاب ( 2023)، ضمن هذا السياق التراكمي، إذ يعيد إدماج قوت القلوب في النقاش العام بوصفها اسمًا يتجدد حوله الاهتمام، لا بوصفها "اكتشافًا" طارئًا. وفي الإطار نفسه، يبرز دور دسوقي سعيد باعتباره المرجع الأبرز عربيًا في ترجمة أعمال قوت القلوب وجمع نصوصها وإتاحتها للتلقي، وهو جهد أساسي شكّل قاعدة لا غنى عنها لأي اشتغال لاحق على هذا المتن. وقد أُثير في النقاش العام أن بعض الكتابات الأرشيفية الحديثة تحرّكت داخل المادة النصية التي أتاحها هذا الجهد الترجمـي، دون توضيح منهجي كافٍ لمسارات هذا الاعتماد أو حدوده.
ومن ثم، فإن الكتابات التي تلت هذا الجهد، بما فيها كتابات هالة البدري وغيرها، تُفهم بوصفها امتدادًا لمسار ممهَّد سلفًا، لا نقطة بدء ولا مصدرًا وحيدًا. فالكتابة عن قوت القلوب الدمرداشية ليست كشفًا ولا سبقًا ولا "إحياءً" متأخرًا، بل اشتغال داخل حقل بحثي راسخ تشكّل عبر عقود، موثَّق بدراسات محكّمة منذ 2001، ورسائل جامعية متخصصة في 2005 و2013 و2021 و2023، وبحث نسوي مرجعي سنة 2015، ودراسات فرنكفونية متواصلة حتى 2022، فضلًا عن حضور نقدي وصحافي وترجمات مبكرة منذ الأربعينيات. هذا التراكم ينفي من الأساس أي حديث عن فراغ معرفي أو احتكار موضوع.
وعليه، فإن الزعم باحتكار كتاب واحد لهذا الحقل لا يُعد خطأً عابرًا، بل خللًا منهجيًا صريحًا؛ فالأسبقية في البحث لا تُعلَن بالخطاب ولا تُنتزع بالضجيج، بل تُثبت بالأرشيف والتوثيق والعمل داخل تقاليد التخصص. وتحويل هذا النقاش من مساءلة معرفية إلى استعراض صوتي يكشف آفة آخذة في الاتساع داخل بعض مساحات الدراسات التاريخية والثقافية، حيث يُستبدل المنهج بالانطباع، والحجة بالصوت العالي، ويُقصى الأكاديمي لصالح الحكواتي.
ما جرى، في جوهره، ليس دفاعًا عن الأمانة العلمية، بل إساءة إليها؛ فحين تُستخدم تهمة "السرقة العلمية" كسلاح أخلاقي عام بلا تمييز بين البحث المحكَّم والكتاب الثقافي والمقال الصحافي والنص السردي، نكون أمام تسطيح متعمّد للمعرفة. والطريق الوحيد الآمن يظل هو العقل البارد: قراءة النصوص لا النوايا، واحترام اختلاف أنماط الكتابة، والاحتكام إلى الأرشيف لا إلى الضجيج. وما عدا ذلك ليس دفاعًا عن العلم، بل أحد أخطر أشكال الجهل: الجهل المتزيّن بلغة المبادئ والمتسلّح بالصوت العالي..... وللحديث بقية ..