تتجهّز مصر كل عام لاستقبال شهر رمضان، وتبتهج الأسر المصرية على اختلاف طبقاتها الاجتماعية فور سماعها للأغنية الأيقونية للشهر «رمضان جانا»، التى غنّاها الراحل محمد عبد المطلب.
لا يحتاج المصريون إلى بيانات أو شعارات لتأكيد ارتباطهم الدينى والاجتماعى بالشهر الكريم؛ يكفى أنهم، منذ منتصف شهر شعبان، تبدأ بيوتهم فى الاستعداد لاستقبال الضيف الكريم. فالمساجد تُفتح، وتُنظَّف، وتُجدَّد استعدادًا لاستقبال ضيوف الرحمن، ويشرع الوعّاظ فى استعادة حفظهم للقرآن الكريم استعدادًا لصلاة التراويح.
يترقّب المصريون استطلاع هلال الشهر كما يترقّب الوالد لحظة ميلاد ابنه، وعندما يُعلِن مفتى الديار المصرية أن اليوم هو المتمّم لشهر شعبان، وأن غدًا أول أيام رمضان، تبدأ الفرحة؛ تقرؤها فى وجوههم، فقد استجاب الله لدعائهم: اللهم بلّغنا رمضان، عندها تُفتح أبواب المساجد، ويُرفَع أذان العشاء، وتمتلئ الصفوف بالمصلّين من كل الأعمار: شبابًا، وشيوخًا، وأسرًا كاملة؛ وجوه بسيطة جاءت تعبّدًا خالصًا، لا بحثًا عن مكسب، ولا انتظارًا لتوجيه.
مشهدٌ يتكرّر كل عام، و«براند حصرى للمصريين» على تديّنهم الحقيقى الفريد؛ مشاهد تكرّرت منذ عشرات السنين، وستظلّ تتكرر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ففعلاً رمضان فى مصر «حاجة تانية» ليس ادعاءً ولا شوفونية، بل هى شهادة شهد بها المسلمون الذين حضروا الشهر فى مصر؛ فرمضان شهر القرآن يعيش وينمو ويترعرع فى مصر، فهنا لا يُستقبل رمضان فحسب، بل يُحتوى، ويُعاش، ويُورث كحكاية حب ممتدة جيلاً بعد جيل.
وحدهم جماعة الإخوان الإرهابية كانوا يسعون إلى سرقة الفرحة من المصريين، ويضعون أنفسهم حائلًا بين الشهر الكريم وعباد الله، أخذوا يروّجون لأكاذيب مفادها أنهم وحدهم روّاد رمضان، وأنهم عمّار المساجد، وأنهم وحدهم يعرفون الدين، وكأن المسلمين من دونهم لم يكونوا يعرفون دينهم، فقبل عقود حاولت الجماعة الإرهابية سرقة رمضان من المصريين، وسرقة البهجة بحلول الشهر الكريم، وزعمت أنها هى من تحيى رمضان، وأنهم هم فقط رواد المساجد، وهم الراعى الرسمى والوحيد للعبادة، وظلت تُصدّر نفسها بوصفها «راعية المساجد» و«حامية الدين»، وأن تدين المصريين خارج عباءتها، باعتبارهم أقل التزامًا من عناصرها وأتباعها ومؤيديها ومنْ يدور فى فلكها، لكن رمضان فضح هذا الزيف ببساطة شديدة، فالمساجد لم تكن يومًا لهم، والدين لم يكن حكرًا عليهم، والناس لم تنتظرهم كى تعرف ربهم.
تجلّت تلك الحقيقة فى كل رمضان طوال ثلاثة عشر عامًا منذ ثورة 30 يونيو 2013، فقد تبيّن للجميع أن المصريين يمارسون صيامهم وعباداتهم فى الشهر الكريم على نحوٍ أفضل مما كانوا عليه إبان سيطرة جماعة الإخوان الإرهابية على المساجد، فما عادت الخُطَب المنبرية تحرض ضد الدولة وضد الحكومة، بل عادت خطبة وعظية ترشد المسلم إلى أن ينتفع بدنياه وأن يعمل لآخرته، ولا عادت الخواطر الرمضانية مُسيَّسة لصالح الجماعة بل رجعت إلى أصلها مجرد خاطرة ترقق القلوب وتحبب الناس فى العبادة وفى دين الله، ولا عادت «شنطة رمضان» لرشوةً انتخابية ووسيلة لشراء الولاء لا أكثر، أو لتلميع شخصيات إخوانية على وجه الخصوص فى الأحياء الشعبية بل رجعت كأحد أشكال التكافل فى رمضان، كما اختفت ظاهرة إفطارات رمضان كمظاهراتٍ سياسية متخفّية، ومؤدلجة تمجّد الإخوان، وانتهى عصر استغلال حلقات القرآن الكريم إلى وسيلة للتجنيد للجماعة.
أخيرا تحرر رمضان من أسر جماعة الإخوان واستغلالهم له، فكل الدروس الدينية، وحلقات تحفيظ القرآن، والمحاضرات الرمضانية، وأعمال الخير كلها تُقام بدافع الإيمان وحده، لا ينغصها مزاحمة الجماعة وعناصرها لرواد المساجد لترديد شعارات الإخوان أو تقديم رموزهم؛ ليتحدثوا إلى الناس مستغلين الشهر الكريم وسماحة المصريين.
رمضان فى مصر روح جماعية، حالة وجدانية، تفاعل صادق يخلق سكينة لا تعرف الاستقطاب، هنا يُصلّى الناس لأنهم مؤمنون، لا لأن تنظيمًا يراقبهم، ولا لأن جماعة تمنّ عليهم بالتدين، وها هو رمضان يكشف أكبر أكاذيب جماعة الإخوان المسلمين: أن التدين فى مصر كان مرهونًا بوجودهم.
رمضان شهر لهوية إيمانية لا موسمًا عابرًا
رمضان ليس طقسًا عابرًا فى مصر، بل إعادة تأكيد سنوية على منظومة قيم راسخة: الرحمة، الصدق، التكافل، والمحبة. هو شهر تتعانق فيه العائلات على موائد الإفطار، وتنتعش فيه الأسواق الشعبية، وتضحك فيه وجوه الأطفال وهم يربطون بين الفانوس والفرح، وبين المسحراتى والأمان.
المصريون يُطعمون من دون كاميرات، ويتبرعون بلا شروط، ويقفون إلى جوار المحتاج بدافع إنسانى متجذر فى الثقافة الشعبية. إفطار الصائمين فى الشوارع، المساعدات الفردية بين الجيران، المبادرات المحلية الصغيرة، كلها تؤكد أن الخير فى مصر سابق على الإخوان، وأبقى منهم.
رمضان يكذّب الإخوان
رمضان فى مصر شهادة حية على سقوط وهم «التدين الإخواني» فذاكرة المصريين لن تنسى أن قيادة الجماعة أفتت بعدم توزيع شنطة رمضان أو إخراج صدقة الفطر على المصريين، كعقاب لأنهم خرجوا على الجماعة وتظاهروا ضد مرسى ورفعوا لافتات يسقط حكم المرشد، ظنوا أنهم بصدقاتهم ملكوا رقاب المصريين وتوهموا أنهم إن منعوا ما كانوا يقدمونه سيخضع المصريون وخصوصا الفقراء منهم، ثم جاء رمضان ولم يشعر البسطاء ولا المساكين ولا المحتاجون أن ثمة تغييرا، فالخيرون من غير الإخوان كُثر وأن فكرة أن الإخوان هى التى تنفق على الفقراء فكرة مكذوبة من الأساس وأحد أوهام الجماعة وعناصرها.
كشف رمضان الجماعة وفضح كذبهم، وبرهن على أنها لم يكونوا يومًا رمزًا للخير ولا حراسا للدين، بل جماعة تستغل الدين لأغراض غير مشروعة، فى غياب الإخوان الكذَبة أثبت المصريون أن التزامهم الدينى نابع من وجدانهم، وأن كرمهم الاجتماعى جزء من هويتهم، وأن المساجد بيوت الله لا مقرًّا لتنظيم.