يعكس التشكيل الجديد رغبة الحكومة فى الاستفادة من خبرات دولية ومحلية متخصصة، إذ تم اختيار الدكتور أحمد رستم وزيرًا للتخطيط، الذى يحمل خبرة واسعة كخبير أول بالبنك الدولي، والدكتور خالد هاشم وزيرًا للصناعة، صاحب الخبرة العملية الطويلة فى القطاع الصناعي، كما تم تعيين الدكتور حسين عيسي، أستاذ الاقتصاد ورئيس جامعة عين شمس سابقا ورئيس لجنة الخطة والموازنة السابقة فى مجلس النواب، نائبًا لرئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، ليقود الملف الاقتصادى والمالي. ولديه من الخبرات المتراكمة ما يؤهله من عمل تنسيق بين وزارات المجموعة الاقتصادية ووضع خطة مستقبلية ورؤية للاقتصاد المصرى خاصة فى ظل أن عام 2026 هو نهاية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، كما أن إخضاع شركات قطاع الأعمال تحت إشرافه أعتقد خطوة جيدة، وباختيار الدكتور محمد فريد وزيرًا للاستثمار، والذى كان يرأس الهيئة العامة للرقابة المالية، تكتمل منظومة إدارة الاقتصاد المصرى فى الحكومة الجديدة، وأن هناك اتجاها لتنفيذ خطة الأطروحات للشركات المملوكة للدولة فى البورصة.
ومن الواضح أن مجلس الوزراء الجديد أمامه مسئولية كبيرة فى مواجهة أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والأهم من ذلك صياغة رؤية استراتيجية واضحة تحدد مسار الإصلاح والنمو خلال السنوات المقبلة.
ملف الدين العام الداخلى والخارجي
يمثل الدين العام أحد أبرز التحديات التى تواجه الحكومة الجديدة. فالدين الداخلى تجاوز 12.5 تريليون جنيه، فى حين وصل الدين الخارجى إلى 161.2 مليار دولار، وتسعى الحكومة إلى خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى مستويات أقل من 80 فى المائة خلال السنوات المقبلة، بعد أن انخفضت النسبة من نحو 96 فى المائة قبل عامين إلى نحو 84 فى المائة حاليًا.
ويشكل عبء خدمة الدين (الأقساط والفوائد) ضغطًا هائلًا على الموازنة العامة، حيث تشير البيانات إلى أن فوائد الدين وحدها تتجاوز تريليونى جنيه سنويًا، أى ما يعادل نحو نصف المصروفات العامة وأكثر من 70 فى المائة من الإيرادات الحكومية. أما أقساط سداد أصل الدين، سواء المحلى أو الخارجي، فتتراوح بين 1.3 و1.6 تريليون جنيه سنويًا. هذا الوضع يعكس أن الدولة تنفق أكثر على خدمة الدين مقارنة بالاستثمارات فى التعليم والصحة والبنية التحتية.
ولذلك، يتعين على الحكومة الجديدة تبنى سياسات مالية واقتصادية مبتكرة، تشمل: خفض تكلفة الاقتراض، إطالة آجال الدين، تقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل، وتشجيع الاستثمار فى القطاعات المنتجة للنمو الحقيقي، لضمان ألا تتحول الموازنة العامة إلى أداة لسداد الديون فقط، بل إلى أداة لتحسين مستوى معيشة المواطنين.
التضخم وضبط الأسعار
تعد السيطرة على التضخم وضبط أسعار السلع الأساسية واحدة من أهم الملفات الحيوية أمام الحكومة. فارتفاع الأسعار يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، ويزيد من حدة التفاوت الاجتماعي.
لذلك، يجب أن تتبنى الحكومة آليات عملية للحد من التضخم، تشمل: وضع حدود قصوى لهوامش الربح، مكافحة الاحتكار، فرض قواعد حماية المستهلك، ودعم السلع الأساسية بأسعار مدروسة. كما ينبغى تطوير برامج تحفيزية للمنتجات المحلية لتقليل الاعتماد على الواردات، وبالتالى السيطرة على أسعار السوق بشكل مستدام.
تحديث استراتيجية تطوير الصناعة المحلية
الصناعة ركيزة أساسية لتحقيق نمو اقتصادى مستدام. وتحتاج الحكومة الجديدة إلى وضع استراتيجية شاملة لتطوير الصناعة، تشمل تقديم حوافز ضريبية واستثمارية للصناعات ذات القيمة المضافة، وربط البحث العلمى بالقطاع الصناعى لتعزيز التكنولوجيا والتصنيع الذكي، وتشجيع التكامل بين الصناعة والزراعة ضمن سلاسل الإنتاج، وتعزيز الشراكات الدولية ونقل التقنيات الحديثة، والتركيز على توطين التكنولوجيا الصناعية لتقليل الاعتماد على الخارج، وتبنى هذه الاستراتيجية سيخلق فرص عمل جديدة، ويعزز التنافسية العالمية للمنتجات المصرية.
تحفيز النمو الاقتصادى
سجل الاقتصاد المصرى نموًا تجاوز 5.4 فى المائة فى بداية العام المالى الحالي، مدفوعًا بأداء قوى فى الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات. ومع ذلك، تحتاج الحكومة الجديدة إلى وضع خطة واضحة لتعزيز محركات النمو، تشمل تنمية الصناعة المحلية من خلال زيادة القيمة المضافة للسلع المصرية، ودعم الصناعات التحويلية، وزيادة الصادرات لتأمين العملة الصعبة وتحسين ميزان المدفوعات، إضافة لتفعيل دور القطاع الخاص ليصبح المحرك الأساسى للنمو، بدلًا من الاعتماد على القطاع العام فقط، وترشيد فاتورة الاستيراد واستبدال المنتجات المستوردة بمنتجات محلية الصنع.
كما يجب زيادة مخصصات التعليم والصحة بنحو 56 فى المائة فى خطة العام المالى الجديد، مع استثمارات كبيرة فى التدريب المهنى وبناء القدرات البشرية.
السياسات الاجتماعية والشمول المالى
لن يكتمل الإصلاح الاقتصادى دون تبنى سياسات اجتماعية متوازنة، تشمل تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، مثل برامج الدعم ونظام تكافل وكرامة، وتطوير منظومة التأمين الصحى والتوسع فى تغطية المواطنين، وخفض معدلات الفقر والبطالة من خلال خلق فرص عمل حقيقية فى القطاع الخاص، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتشجيع تشغيل الشباب.. لأن دمج السياسات الاقتصادية مع برامج اجتماعية فعالة يضمن تحقيق التنمية المستدامة مع العدالة الاجتماعية.
ومع التعديل الوزارى الأخير، تبرز ضرورة التركيز على ملفات جديدة لم تُدرس بشكل موسع سابقًا، وهى التحول الرقمى والإدارة الذكية، عبر تطوير الحكومة الإلكترونية، استخدام البيانات الضخمة، وتبنى أنظمة ذكاء اصطناعى لتحسين كفاءة الخدمات العامة، وكذلك «الطاقة والمناخ»، بالتركيز على زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، خفض استهلاك الوقود الأحفوري، وتعزيز الأمن الطاقى، بالتوازى مع الالتزام باتفاقيات المناخ الدولية، و«البنية التحتية والنقل»، بتحديث شبكات الطرق والموانئ والمطارات، وتطوير النقل العام، وربط المدن الصناعية بالموانئ لتسهيل حركة التجارة.
رؤية اقتصادية واضحة
الحكومة الجديدة بحاجة إلى خطة استراتيجية متكاملة تحدد الأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. هذه الرؤية يجب أن ترتكز على عدة محاور أساسية على رأسها تحقيق استقرار مالى عبر خفض الدين العام والعجز، وتعزيز النمو الحقيقى من خلال الاستثمار فى الصناعة والخدمات والسياحة، وضمان العدالة الاجتماعية عبر دعم الفئات الضعيفة وخلق فرص عمل مستدامة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام على الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى فى الأسواق العالمية.
إن غياب خطة واضحة قد يؤدى إلى استمرار المشكلات البنيوية، بينما وجود رؤية استراتيجية واضحة يمنح الحكومة القدرة على اتخاذ قرارات فعّالة ومدروسة.