ليس كل خصام يهدد وجود الإسلام، ولا كل اختلاف يمس حقيقته. فقد عاش الدين عبر تاريخه الطويل في قلب جدالات فكرية عميقة، من مدارس الكلام الى الفلسفات الوافدة، ومن تحولات السياسة إلى تبدلات الاجتماع، ومع ذلك لم يضعف حضوره ولم تنكسر روحه. والسبب أن الخصم الخارجي، مهما اشتد اعتراضه، يبقى خارج المجال الديني، يناقش الفكرة ولا ينتحل صفتها، فيظل النقاش معه نقاشا معرفيا واضح الحدود، تتقابل فيه الحجج دون ان يلتبس المقدس بالبشري.
من يعلن علمانيته أو لادينيته لا يزعم انه ناطق باسم الوحي ولا يطالب الناس بالتسليم له بوصفه وإرثا للحقيقة. هو يقدم رأيا بشريا قابلا للنقد والأخذ والرد. لذلك يبقى الدين في مأمن من التشويه، لأن الناس تدرك أنها أمام اختلاف فكري لا أمام تمثيل ديني بديل. الخلاف هنا يحفز التفكير ولا يبدد الثقة، بل قد يقوي حضور الدين حين يعرض نفسه اختيارا حرا لا وصاية مفروضة.
لكن الصورة تنقلب تماما عندما يتحول الدين من رسالة هداية إلى مشروع سيطرة رمزية، ترفعه جماعة بعينها وتمنح نفسها حق التفسير النهائي له. هنا لا يعود الامر تدينا بل احتكارا للمعنى. يصبح الاسلام بطاقة تعريف تنظيمية، ويغدو الوحي سندا لشرعية بشرية محددة، ويتحول الاختلاف الاجتهادي الى خروج عن المنهج.
عند هذه اللحظة يبدأ الخطر الحقيقي، لا لأن النوايا بالضرورة فاسدة، بل لان الحدود تختلط: المثال الالهي يذوب في التجربة الانسانية. حين يقال للناس أن هذا الفهم وحده هو الاسلام، وان هذه الجماعة امتداد للسنة، وأن مخالفتها انحراف، يتحول الاجتهاد الى طاعة، والنقاش الى تمرد، والمراجعة الى خيانة. وبذلك يفقد الدين طبيعته المفتوحة ويتحول الى هوية مغلقة.
الإسلام لم يأت ليصنع قالبا اجتماعيا جامدا بل ليقيم ميزانا. القالب يفرض شكلا واحدا، أما الميزان فيزن أشكالا متعددة بمعيار العدل. لهذا عاش المسلمون قرونا باجتهادات متباينة دون شعور بان الدين مهدد، لأنهم ادركوا أن الفهم البشري نسبي والحقيقة الالهية اوسع من اي قراءة.
لكن عندما يدعي فهم ما التطابق الكامل مع الإسلام يحدث الانزلاق الخطير. يتحول الخطأ البشري إلى خطأ مقدس، وتصبح السياسة عقيدة، ويصبح التنظيم مرجعية إيمانية. هنا لا يرى الناس الدين في صفائه بل في صورته الحزبية، فيربطون بين السلوك البشري المحدود وبين القيم المطلقة.
ولذلك لم يكن التحذير النبوي موجها الى الخصوم بقدر ما كان موجها الى الداخل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" رواه الترمذي (2229) وقال حسن صحيح، ورواه مسلم (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه.
هذا التحذير يكشف طبيعة الخطر: ليس من يعارض الفكرة بل من يتكلم باسمها وهو يخلط بين ذاته ورسالتها. فالعدو الخارجي يواجه الدين، اما الادعاء الداخلي فيعيد تعريفه. الأول يرفضه، اما الثاني يستبدله دون ان يشعر الناس.
وحين يرفع شعار اسلمة كل شيء تبدأ المفارقة. الدين الذي جاء ليحرر الضمير يتحول إلى رقابة على التفاصيل، والدين الذي اقام المقاصد يصبح مجموعة مظاهر، والدين الذي وسع الاختلاف يصبح اداة توحيد قسري. ينتقل مركز الثقل من الاخلاق الى الانتماء، ومن العدل الى الهوية.
والناس تدرك التناقض بالفطرة. عندما ترى خطابا اخلاقيا وممارسة اقصائية، او دعوة للرحمة مصحوبة بالقسوة، او حديثا عن الشريعة مقرونا بالظلم، فان الضرر لا يلحق بالجماعة وحدها بل بثقة الناس في الخطاب الديني كله. هنا لا يكون النقد موجها للافراد بل للدين نفسه لانهم قدموه ممثلين له.
الأزمة اذا ليست في حضور الدين في الحياة العامة بل في احتكاره. المجتمع يحتاج الدين كمرجعية اخلاقية لكنه ينفر من الوصاية. الفرق بين الهداية والسيطرة ان الاولى تعرض المعنى والثانية تفرضه. والاسلام بطبيعته دعوة لا ادارة، اقناع لا الزام، تذكير لا احتكار.
من هنا نفهم لماذا لا يخاف على الإسلام من النقد الخارجي بقدر ما يخاف عليه من التماهي الداخلي بين النص والتفسير. النص مقدس لأنه وحي، اما الفهم فبشري مهما سما. وعندما يسقط هذا التمييز يصبح كل اعتراض على الفهم اعتراضا على الدين، وكل اختلاف فتنة.
الإسلام أقوى من أن تهزه فكرة مخالفة، لكنه يتضرر حين يقدم في صورة ضيقة. ليس لان حقيقته تضيق بل لان تمثيله يضيق. وعندما تضيق الصورة يبتعد الناس عن المعنى لا كرها فيه بل نفورا من احتكاره.
الإصلاح الحقيقي لا يكون في الدفاع الخطابي بل في اعادة التمييز: بين الوحي والتاريخ، بين الشريعة والتجربة، بين المقاصد والاجراءات، بين القداسة والفهم. عندها يعود الدين ميزانا لا شعارا، ويستعيد قدرته على الجمع بدل الفرز.
الخطر على الإسلام ليس من خصم واضح بل من صديق يختصره في نفسه. ليس من منكر له بل من محتكر له. فالإنكار يدفع إلى البيان أما الاحتكار فيغلق باب الفهم. وحين يتحرر الدين من التمثيل الضيق يعود مرجعية أخلاقية جامعة، يعيش في ضمير الإنسان لا في بطاقة انتماء، ويقاس بالعدل لا بالولاء، ويجمع المختلفين بدل أن يصنفهم.