«تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.. وتخفيف الضغوط المعيشية»، محوران ارتكزت عليهما حزمة الدعم الاجتماعى العاجلة التى أعلن الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، تفاصيلها منتصف الأسبوع، وهذه الحزمة التى تم إعدادها خارج نطاق الموازنة العامة المعتادة فتحت باب التساؤلات حول مصادر تمويلها وانعكاساتها المحتملة على معيشة المواطنين خلال الفترة المقبلة. «د. مدبولى»، فى إطار شرحه «تفاصيل الحزمة»، كشف أن هذا المبلغ، البالغ قيمته 40 مليار جنيه، هو مخصص إضافى نجحت الدولة والحكومة فى توفيره؛ وهو ما يمثل ردًا قاطعًا على ما يُثار بشأن مدى ارتباط تحسن المؤشرات المالية والاقتصادية بالمواطن، مؤكدًا أن ثمار الإصلاح الاقتصادى يتم توجيهها مباشرة لدعم وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين.
رئيس مجلس الوزراء أكد أيضا أن قدرات الدولة ومواردها خلال الفترة الماضية قد أتاحت إيجاد هذه المساحة المالية، وذلك نتيجة للتحسن الملحوظ فى مختلف المؤشرات الاقتصادية؛ وفى مقدمتها تراجع معدلات التضخم، وانخفاض أسعار الفائدة، ونمو الإيرادات الضريبية، وهو ما انعكس بدوره على زيادة موارد الدولة. وأضاف قائلًا: «لقد تم توجيه هذه الفوائض المالية التى بلغت نحو 40 مليار جنيه لضخها بصورة مباشرة لصالح المواطن المصرى».
وأوضح الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع والخبير الاقتصادى، أن «حزمة الدعم الاجتماعى الأخيرة تعكس قدرة الدولة على تعبئة موارد مالية كبيرة دون اللجوء إلى فرض ضرائب جديدة أو إجراء تعديلات هيكلية واسعة على بنود الموازنة، فالحكومة هنا استطاعت توفير حيز مالى يتجاوز 40 مليار جنيه، ما أتاح إطلاق برنامج دعم استثنائى يستهدف أكثر من محور اجتماعى واقتصادى فى توقيت واحد، وهذه المخصصات منفصلة عن الزيادات المقررة للأجور والمعاشات مع انطلاق العام المالى الجديد فى يوليو المقبل، والحزمة جاءت بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسى، وتم تدبير تمويلها عبر أدوات وموارد غير تقليدية، فى دلالة على مرونة الإدارة المالية وقدرتها على التحرك خارج الأطر المعتادة».
«جاب الله»، أوضح أن من أهم ملامح الحزمة اتساع نطاق المستفيدين منها؛ إذ تستهدف قرابة 15 مليون أسرة، بما يعادل نحو نصف الأسر فى مصر، سواء من خلال دعم مباشر أو إجراءات ذات أثر غير مباشر، وهنا التدخلات تتنوع بين زيادة المخصصات النقدية عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة»، ورفع قيمة معاشات الرائدات الريفيات ومعاش الطفل، إلى جانب تعزيز دعم السلع التموينية، وتمتد الحزمة إلى قطاعات أخرى؛ إذ تشمل تحسين أوضاع المزارعين عبر رفع أسعار توريد القمح، وتيسير العلاج على نفقة الدولة، وتسريع وتيرة إنهاء قوائم انتظار العمليات الجراحية، إضافة لإدراج محافظة المنيا ضمن منظومة التأمين الصحى الشامل، فهذا التنوع فى محاور التدخل يمنح الحزمة طابعًا شاملاً رغم طبيعتها الاستثنائية، وقد ساعدت قاعدة البيانات الحكومية المتقدمة فى إعدادها بسرعة وكفاءة مع ضمان مستويات عالية من الشفافية والحوكمة.
وفى قراءته لمدى ارتباط الحزمة بالمبادرات القائمة، أشار «جاب الله» إلى أنها تتكامل بصورة مباشرة مع مبادرة «حياة كريمة»، فقد تم توجيه نحو 15 مليار جنيه لاستكمال أكثر من ألف مشروع ضمنها، والعائد المتوقع لا يقتصر على تحسين البنية الأساسية والخدمات بل يمتد إلى خلق فرص عمل جديدة للشباب، بما يعزز مستويات الدخل ويدعم الاستقرار المعيشى للأسر، فمنظومة الحماية الاجتماعية باتت أكثر شمولاً وتكاملاً، بحيث تغطى مختلف الفئات دون تمييز فى انعكاس لتطور أدوات الاستهداف والدعم.
أما فيما يخص مقارنة الحزمة الجديدة بالسابقة، فأكد «جاب الله» أن التعامل معها يجب أن يكون فى إطارها الزمنى والاقتصادى، فكل حزمة تمثل حلقة ضمن مسار متدرج يتفاعل مع المتغيرات الوطنية، وتدبير 40 مليار جنيه دون فرض أعباء إضافية يعكس تحسنًا فى القدرة المالية كما يتيح أى تحسن اقتصادى لاحق مساحة أكبر لتوسيع نطاق الدعم، أما بشأن ضمان وصول المخصصات إلى مستحقيها فالحكومة تعتمد على قاعدة بيانات محدثة وآليات ربط إلكترونى بين جهات الصرف ما يعزز كفاءة التنفيذ ويحدّ من احتمالات الهدر، والحزمة الاقتصادية الجديدة إضافة غير مدرجة مسبقا جرى إعدادها خلال 48 ساعة استجابة لتوجيهات رئاسية، وهو ما يجعلها خطوة إيجابية فى سياق التحديات الحالية.
وقال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادى: إن «الخطوة تحمل دلالات إيجابية واضحة وعامل التوقيت يمنحها أهمية كبيرة، خاصة أن القيادة السياسية سبق وأن أعلنت قبيل شهر رمضان الماضى حزمة دعم نقدى مفاجئة خففت من الأعباء على المواطنين، وتبدو الحزمة الحالية أكثر اتساعا من حيث المحاور والأدوات؛ إذ تتضمن دعما نقديا مباشرا يصل إلى الأسر المستحقة عبر بطاقات التموين وبعض برامج الحماية الاجتماعية القائمة، إلى جانب دعم عينى يعزز مخصصات السلع الأساسية، كما تشمل تخصيص نحو 6 مليارات جنيه للعلاج على نفقة الدولة، مع التركيز على تقليص قوائم انتظار العمليات الجراحية، بما يسهم فى تحسين جودة الخدمات الصحية».
وأضاف «بدرة»: من بين الإجراءات اللافتة أيضا، رفع سعر توريد القمح بما يتراوح بين 150 و250 جنيها للإردب، فى خطوة تستهدف دعم المزارع المصرى وتحفيز الإنتاج الزراعى، فضلًا عن إدراج محافظة المنيا ضمن منظومة التأمين الصحى الشامل، وهو ما يتوقع أن يوفر مظلة علاجية أوسع لملايين المواطنين فى واحدة من أكبر المحافظات من حيث عدد السكان، وكذلك تخصيص جزء مهم من الاعتمادات لاستكمال المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة، فكل ذلك يعزز تطوير الخدمات العامة فى القرى والنجوع، وفى الوقت نفسه يخلق فرص عمل جديدة بما يدعم النشاط الاقتصادى المحلى ويحسن مستوى المعيشة.
ورفض الخبير الاقتصادى، توصيف الحزمة بأنها «مغايرة تماما لما سبقها»، فتوقيتها يمنحها بعدا مميزا، فكل عام تقريبا نشهد حزم دعم إضافية سواء من زيادات فى المعاشات والأجور أو دعم نقدى مباشر أو توسع فى برامج مثل حياة كريمة، وهذه الحزمة تكمل الصورة وتأتى فى إطار الوعد الحكومى بمراجعة شاملة للأجور ضمن الموازنة العامة الجديدة، وآليات الصرف معروفة ومجربة، مشيرا إلى أن الدعم النقدى الإضافى مثل الـ400 جنيه الذى أُعلن سابقا يضاف مباشرة إلى بطاقات التموين للأسر المستحقة، فى حين أن المستفيدين من برنامج «تكافل وكرامة» محددون لدى الجهات المعنية ويتلقون المبالغ فى حساباتهم أو عبر البريد المصرى دون تعقيدات كبيرة.
ولفت «بدرة» إلى أن التحدى الأساسى هنا يكمن فى التنفيذ السريع والدقيق، فوزارة المالية عليها تخصيص المبالغ ضمن الموازنة وإضافتها إلى البنود المخصصة للصرف الفعلى وهو ما يتطلب تنسيقا دقيقا بين مختلف الجهات المعنية، وطالما ظلت معدلات التضخم مرتفعة فإن الدولة مجبرة على الاستمرار فى تحسين الدخل الحقيقى للمواطنين، سواء عبر زيادات دورية فى الأجور والمعاشات أو من خلال توسيع مظلة الدعم الصحى والعلاجى، والأرقام المخصصة اليوم ليست صغيرة على الإطلاق، وهى تعكس محاولة جادة لتخفيف العبء عن كاهل الأسر فى فترة استهلاكية مرتفعة، مثل شهر رمضان.
فى سياق متصل، أكد الدكتور محمد البهواشى، الخبير الاقتصادى، أن الحزمة تمثل أولوية وطنية حقيقية، والرئيس يولى اهتمامًا خاصًا بمحدودى ومتوسطى الدخل باعتبارهم الفئة الأوسع نطاقا ضمن برامج الحماية الاجتماعية، وهنا الحزمة تتضمن عدة محاور تستدعى دعما اجتماعيا مكثفا أبرزها قضية الحد الأدنى للأجور، حيث لا يزال عدد كبير من العاملين يتقاضى أقل من الحد الذى حدده الرئيس والبالغ سبعة آلاف جنيه، وهذه الشريحة تشمل فئات واسعة.
وشدد «البهواشى» على أن الحزمة تلعب دورا محوريا فى تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين خاصة مع دخول شهر رمضان، وارتفاع الأسعار السريع يتكرر مع دخول الشهر الكريم رغم استقرار سعر الصرف وتوافر السلع الأساسية، والاقتصاد شهد تحسنا ملموسا وهنا يجب تصحيح التقلبات السعرية من خلال رقابة فعالة وحماية المستهلك، لأن هناك تسعيرًا عشوائيًا يطال بعض السلع الاستراتيجية.
وأكد «البهواشى» أن تثبيت الأسعار مع ثبات الدخل كان سيعد الخيار الأمثل، لكن الزيادة التى توفرها الحزمة لها أثر إيجابى لكن بشرط أن تأتى مرفقة برقابة صارمة لضمان وصولها فعليا إلى المستحقين دون تآكل قوتها الشرائية، كما أرى أن تبكير صرف رواتب فبراير ومارس خطوة إيجابية تمكن الأسر من تلبية احتياجاتها قبل رمضان والعيد، وقد ينفد المبلغ سريعًا لكن الفكرة هنا إدخال البهجة وتوفير السلع بيسر أكبر مما ينشط السوق الداخلى، وبالنسبة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فلا بد من تحديد المستحقين بدقة مثل محدودى الدخل وأصحاب المعاشات دون خمسة آلاف جنيه دون مجاملات.
وأشار إلى وجود بعض المشكلات السابقة فى برنامج «تكافل وكرامة»، حيث إن غير المستحقين استفادوا منها نتيجة معايير غير دقيقة مثل ربط الاستحقاق بمستوى استهلاك الكهرباء، وبخصوص الإصلاحات الضريبية، فإنها بحاجة إلى حوافز تشجيعية مثل إعفاءات تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات فى قطاعات محددة لتعزيز الاستثمار، لافتا إلى أن تمويل الحزم الاجتماعية أمر ممكن، لكن التحدى يكمن فى التنسيق بين الجهات الحكومية، وأقترح هنا توسيع قواعد البيانات لضمان توزيع عادل وفعال للدعم، ودمج الحزمة الحالية مع مبادرات مثل «حياة كريمة» يجب أن يركز على تعزيز الدعم المالى المباشر للأسر المستحقة.
واستعرض «البهواشى» أبرز الحزم الاجتماعية فى عهد الرئيس السيسى، مثل مبادرة القضاء على فيروس «سى»، وبرنامج «تكافل وكرامة»، ودعم العمالة غير المنتظمة، إضافة إلى مبادرة حياة كريمة التى غطت معظم المحافظات والمناطق الريفية المهمشة فى صعيد مصر، مؤكدا أن هذه المشروعات أسهمت فى خفض معدل الفقر إلى أقل من 29 فى المائة، ووفرت فرص عمل جديدة، وحسنت مستوى المعيشة، والحزم الاجتماعية تعزز الصلة بين المواطن والقيادة السياسية من خلال الدعم الملموس سواء بزيادة الدخل أو تحسين جودة الخدمات، مما يعزز الثقة العامة ويخفف من تأثير أى حملات سلبية.
فيما أكد الخبير الاقتصادى، الدكتور سيد خضر، أن الهدف الرئيسى من الحزمة هو دعم الفئات التى تعانى أكثر من الضغوط الاقتصادية، وبالتحديد محدودو ومتوسطو الدخل.
وشدد «خضر» على أن توقيت تنفيذ الحزمة وإقرارها يتزامن مع حلول شهر رمضان المبارك الأمر الذى ينذر بإمكانية حدوث حالة من الغلاء السريع، حيث يلاحظ دائما أن الأسعار ترتفع قبل الشهر الكريم رغم توفر السلع الاستراتيجية واستقرار سعر الصرف نسبيا، وغالبًا ما يكون السبب فى ذلك هو جشع بعض التجار وغياب رقابة فعالة من حماية المستهلك والجهات المعنية، وبخصوص صرف الرواتب، فإن تقديم الرواتب مبكرا لشهرى فبراير ومارس قبل العيد تعد خطوة إيجابية جدًا، لأنها تساعد الأسر على تدبير احتياجاتها قبل رمضان والعيد براحة أكبر، وفيما يتعلق بضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فيجب الاعتماد على قواعد بيانات دقيقة ورقابة صارمة على الدخول مع الابتعاد عن أى مجاملات مع الاعتماد على السجلات الرسمية لضمان الإنصاف.
وأشار «خضر» إلى أن الإصلاحات الضريبية يجب أن تتكامل مع الحزمة، مقترحًا تقديم حوافز على شكل إعفاءات ضريبية لمدة 3 إلى 5 سنوات فى صناعات محددة بهدف تشجيع الاستثمار ومنع عزوف المستثمرين عن ضخّ أموالهم فى مصر، ويجب النظر فى الحزمة الاجتماعية الجديدة إلى التحديات الرئيسة فى التنفيذ والتى تكمن فى التنسيق بين الوزارات المختلفة مثل التضامن والتنمية المحلية والعمل، إضافة إلى ضرورة توفير التمويل بسرعة، مشددًا على أن الأساس يكمن فى تحديد المستحقين بدقة عالية لضمان عدالة التوزيع.
وأوضح أن سرعة تنفيذ الحزمة وبشكل عادل سوف تسهم فى زيادة الاستهلاك وتنشيط الأسواق خلال الموسم الرمضانى، مع تخفيف الأعباء عن المواطنين، فالسنوات الماضية شهدت مبادرات مهمة مثل «حياة كريمة»، و«تكافل وكرامة»، ومبادرة القضاء على فيروس سى، والتى أسهمت فى خفض نسبة الفقر إلى أقل من 29 فى المائة وتوفير فرص عمل جديدة، ما أسهم فى بناء جسر من الثقة بين الحكومة والمواطنين.