رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«المصوّر» تنفرد بحوار مع «دسوقي سعيد»: أنا أول مَن قدم «قوت القلوب الدمرداشية» قبل 30 عاما


17-2-2026 | 21:42

.

طباعة
حوار: أشرف التعلبى

بعد سنوات طويلة من الصمت والابتعاد عن الأضواء، يعود إلينا المترجم الكبير "دسوقي سعيد"؛ الرجل الذي أهدى الأدب العربي واحدة من أهم ترجمات روايات "قوت القلوب الدمرداشية"، ليكشف كواليس رحلته مع هذه الأعمال الأدبية النادرة.

«دسوقى»، الذى اختار الاعتزال عن العمل العام والشهرة منذ سنوات، يقضى حياته الآن ملتزمًا بقضايا إنسانية وخيرية فى الجيزة بعيدًا عن الأضواء.. واليوم وافق على هذا الحوار ليشاركنا حكاية اكتشافه لـ«قوت القلوب»، والسيرة الذاتية التى لم يعرفها أحد قبل أن يصل إليها، وكتابتها للقراء العرب لأول مرة.

الحوار يكشف تفاصيل رحلته مع الروايات، بدءًا من اقتنائها فى ألمانيا، مرورًا بمكاتباته مع دار النشر فى باريس، وصولا إلى ترجمتها ونشرها فى مصر مع الحفاظ على حقوقها الأدبية، قبل أن يكتشف لاحقًا محاولات سرقتها وإخفاء اسمه عن الطبعات اللاحقة.

هذه القصة ليست مجرد رحلة ترجمة، بل هى شهادة على صموده فى مواجهة محاولات تقويض حقه فى أن يكون المترجم والموثق الأول لروايات قوت القلوب الدمرداشية.

بحثنا فى أرشيف دار الهلال، ووجدنا أن روايات مثل «رمزة ابنة الحريم» و«زنوبة» نُشرت بشكل مسلسل فى مجلة «المصوّر» عام 1999، وهى المجلة الوحيدة التى فتحت الباب أمام المترجم الكبير دسوقى سعيد لنشر رواياته عن قوت القلوب فى وقت لم يكن يعرفها أحد.. وبعد متابعة مستمرة طوال الفترة الماضية، تمكنا أخيرًا من التواصل مع المترجم والكاتب الكبير لمعرفة كواليس الحكاية، وما يقوله عن كل ما يُثار الآن حول قضية «قوت القلوب الدمرداشية».

بداية ما قصتك مع قوت القلوب الدمرداشية؟

القصة مدهشة جدًا؛ لأنها تعود إلى عام 1995، وكنت وقتها في ألمانيا أُصور فيلمًا تسجيليًا عن السيدة جيهان السادات للتلفزيون النمساوي، والمدهش في الموضوع كله هو «القدرية»، وكان الفيلم بعنوان «سيدة من مصر»، وأجريت لقاءً معها حول كتابها الذي يحمل الاسم نفسه، كان البرنامج عبارة عن «ريبورتاج» عن الكتاب، فزرناها في بيتها لإعداد فيلم بديع عن جيهان السادات وكنت المشرف على الإنتاج، ولم تكن هذه المرة الأولى التي أعد فيها فيلمًا، فهذا كان عملي الأساسي، ومن خلاله أزور كل مهرجانات السينما في العالم.

وقد عملت في الإنتاج السينمائي للأفلام الأجنبية، وكنت أحضر المهرجانات حتى أصبحت لي علاقة بكل مهرجانات السينما التي تُقام في مصر، وكنت أقدم لها الأفلام الأجنبية للمشاركة بها، كما أسست مهرجانات سينمائية مثل "مهرجان سينما الشباب الدولي" بالفيوم و"مهرجان الأصالة" في العريش. وكنت أشارك في إعداد "مهرجان دمشق" وحلقة الوصل بين المهرجان وفنانين من أوروبا الغربية، فكنت معروفًا على مستوى المهرجانات الدولية وتصلني دعوات للحضور.

 وكان الهدف الأساسي من ذلك هو التعرف على شركات الإنتاج والنجوم ودعوتهم للتصوير في مصر، حيث أشرفت على كثير من الإنتاج الأجنبي في مصر من ألمانيا والنمسا وإيطاليا وغيرها، وكنت أكتب دائمًا وأدعو للتصوير في مصر، وأنا أول من فكر في ذلك.

وبعد سنوات طويلة من العمل والمشاركة في المهرجانات، كان لا بد من إنشاء مؤسسة ثقافية، فأسست "مؤسسة سفراء الأصالة لتنمية الثقافة والفنون"، وليس مهرجان السينما فقط. ولكنني كنت أحضر دائمًا معارض الكتاب حول العالم، وحضرت معرض كتاب فرانكفورت لمدة 20 إلى 22 سنة متواصلة وهو أكبر معرض كتاب في العالم، وكنت أراسل مجلة «المصور» و«روزاليوسف» وأنشر معهما تقريرًا عن كل معرض أزوره.

 وأثناء زيارتي المعتادة لمدينة ميونخ وفي أحد الشوارع المشهورة، مررت بمكتبة بوسط المدينة، ولاحظت كتابًا باللغة الألمانية وتوقفت عيناي عند الرواية؛ لم أنتبه لـ«قوت القلوب» أو اسم الرواية، ولكني انتبهت لاسم جيهان السادات مكتوبًا فوق الغلاف!

دخلت المكتبة واشتريت الكتاب فورًا، وأول شيء فعلته بعد شرائه هو الاتصال بجيهان السادات، وسألتها: «هل تعرفين قوت القلوب الدمرداشية؟».. فقالت: «لا، لا أعرف عنها شيئًا، أعرف فقط أنها سيدة خيرة».. فأخبرتها أن دار النشر كتبت أنها تعرفها، لكنها أكدت أنها لا تعرفها ولا تعرف شيئًا عن الرواية.

 وعلمت حينها أن دار النشر لجأت لهذه الحيلة لجذب الانتباه وبيع الرواية.. وبعد ذلك بدأت رحلة البحث، وكانت هذه البداية الحقيقية لاكتشافي لقوت القلوب الدمرداشية.

* عن أي رواية تتحدث؟ هل رواية "رمزة ابنة الحريم" أم رواية "زنوبة"؟

رواية «رمزة ابنة الحريم»... هذه أول رواية اشتريتها، وكنت في ذلك الوقت سعيدًا جدًا بشرائها، وقرأتها باللغة الألمانية، وتخيل أنني لم أتركها إلا بعد أن أنهيت قراءتها بالكامل! هي رواية مدهشة، فقد شدتني بشدة بفضل إبداعها وحبكتها الدرامية ولغتها الرشيقة الإبداعية وكلماتها التي كان لا بد أن تقرأ بالعربية: من وصف الحريم، والبيوت، والشوارع، والمشربيات، والجواري.. هذا العالم الذي كنا نجهله ولا نعرفه إلا عن طريق كتابات المستشرقين، فإذا بها تكشف عن هذا العالم.

قلت حينها: هذا الكتاب يجب أن يُترجم، وأنا لا أستطيع الترجمة إلا إذا كانت لدي حقوقها، فتوجهت إلى دار النشر التي اشتريت منها الرواية، لكنها أحالتني إلى دار نشر أخرى، ولدي جميع مراسلتي بهذا الشأن باللغة الألمانية... وأخبرتني دار النشر أن صاحب حقوق النشر هو شخص يُدعى الدكتور محسن الدمرداش، وأرسلت لي بيانات التواصل معه في مقره أقامته بفرنسا، ثم اكتشفت أنه ابن المؤلفة قوت القلوب، فتواصلت معه مباشرة.

هاجر الدكتور محسن الدمرداش من مصر إلى فرنسا عام 1954م، ولم يعد إلى مصر إلا عام 1993م؛ حين وصله خطاب وصورة لزملائه في كلية الطب بجامعة القاهرة، والبالغ عددهم مائة طبيب، وكانوا قد أطلقوا على أنفسهم اسم "دفعة التحدي"، وكان من بين هؤلاء الزملاء: الدكتور علي عبدالفتاح وزير الصحة الأسبق، والدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء الأسبق، والدكتور وائل منصور فهمي — ابن منصور باشا فهمي المتزوج من إنصاف هانم سري، مديرة مدرسة المعلمات.

هل كان اللقاء فى مصر أم فى الخارج؟

اتصلت به في باريس، واتفقنا عندما يعود إلى مصر أن نلتقي، وبالفعل التقينا في فندق "كوزموبوليتان" بوسط البلد بالقاهرة.. كان دائمًا يقيم في هذا الفندق.
التقينا عدة مرات، واتفقنا أن أترجم الرواية، فذهبنا إلى محاميه وكان مكتبه في شارع 26 يوليو، وكتب لنا العقود والنسبة التي سيحصلون عليها وبعض التفاصيل الأخرى. حينها قال لي: "أنا لا أريد أي شيء منك، هذه العقود فقط لتوثيق حقوقك أنت، ولن نأخذ منك شيئًا".
وبناءً على ذلك وقّعنا العقد، ثم ذهبت بالرواية إلى «روزاليوسف» لطباعتها حيث كنت أعمل مع إبراهيم عيسى وعبد الله كمال وعادل حمودة، لكنهم لم يبدوا أي اهتمام بمسألة النشر في المؤسسة، فذهبت إلى مؤسسة «دار الهلال» وقابلت الأستاذ حلمي النمنم والأستاذ يوسف القعيد، وكان الكاتب الصحفي الراحل مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال في ذلك الوقت، ورحبوا جدًا بنشرها.

وقد أشرف الأستاذ مكرم محمد أحمد على التعاقد وقال لي: «سأعطيك أعلى نسبة من توزيع الكتاب، وسأعطيك أعلى أجر»، وكانت بالفعل أعلى نسبة آنذاك مقارنة بأجور كبار الكتاب مثل الأستاذ بهاء طاهر، بل حتى أكثر من الأستاذ نجيب محفوظ! فأعلى أجر في ذلك الوقت كان للأستاذ بهاء طاهر، فتم تحديد نسبتي وأخذت جزءًا من الأجر.

وللعلم، تم نشر رواية «رمزة ابنة الحريم» في حلقات مسلسلة بمجلة «المصور» قبل طباعتها في "روايات الهلال" في شكل كتاب، ونُشرت الحلقة الأولى بتاريخ 21 مايو 1999، وهذا حدث أيضًا مع رواية «زنوبة» عندما تم نشرها في حلقات مسلسلة في مجلة «حواء»؛ ونُشرت أول حلقة بتاريخ 12 أغسطس سنة 2000، ثم صدرت في "روايات الهلال" في نوفمبر من السنة نفسها.

وطُبعت من كل رواية 6000 نسخة في دار الهلال، وهو أكبر رقم يمكن تخيله. وكنت في ذلك الوقت أتردد على جميع المهرجانات العربية، وأعرف أصدقاء هناك إعطيتهم نسخًا من الرواية وكانوا يكتبون عنها كثيرًا في مصر والخارج، وتم النشر والاحتفاء بها في كل الصحف والمجلات العربية، ولدي أرشيف كبير من الصحف والمجلات التي كتبت عن الكشف الأدبي الذي قدمته وهو ترجمة روايات قوت القلوب الدمرداشية، وأكتشفت أيضًا أن الروايات التي قمت بترجمتها موجودة في كبرى المكتبات العالمية.

هل هذا يعنى أنك أول مرة تعرف قوت القلوب كان بالصدفة؟

لا ليست صدفة.. عرفت «قوت القلوب» قَدَرًا؛ لأنه لا يوجد شيء اسمه صدفة بل «قَدر»، عن طريق الشعار المطبوع على كتاب الرواية في دار النشر الألمانية، وكانت الرواية صادرة حديثًا باللغة الألمانية، ومنذ ذلك اليوم أصبحت على علاقة بأبناء قوت القلوب الدمرداشية، وكنت أقابل الدكتور محسن ابن قوت القلوب دائمًا، وفي إحدى المرات انضمت إلينا في الحديث أخته زينب طليقة الكاتب الصحفي المرموق علي أمين، والتي أنجبت منه بنتًا.

وفي لقاء آخر أخذني معه وتوجهنا إلى عمارات في أول شارع 26 يوليو بوسط القاهرة، وصعدنا للطابق الأول فوجدت لافتة مكتوبًا عليها: "دائرة قوت القلوب الدمرداشية"، وعرفت بعد ذلك أن العمارات الثلاث العالية المتجاورة هي ملكهم.

وكنت أزور الطريقة الدمرداشية وحضرت عدة مرات "الحضرة" الخاصة بهم وكانوا يريدون منحي العهد، وهناك قابلت المهندس أحمد الابن الأكبر لقوت القلوب، وكان شيخ الطريقة آنذاك.

وبعد أن رحب بي أهديته 50 نسخة من رواية «رمزة» التي ترجمتها للعربية، ففرح جدًا بالرواية وأخذ يوزعها على النقباء والحضور، كما فرحوا جدا بنشر الروايات مسلسلة في مجلة المصور، كما شكرني الدكتور محسن والمهندس أحمد، ابنا قوت القلوب الدمرداشية، على المقدمة التوثيقية في بداية روايتي، والتي أعجبتهم وفرحوا جداً بها، وأثنوا على هذا الاهتمام بوالدتهم بعد هذه السنوات الطويلة من النسيان.

ثم فوجئت به يصطحبني إلى داخل القصر خلف مستشفى الدمرداش، والذي كانت تقيم فيه والدته قوت القلوب، وأطلعني على مكتبتهم وأعطاني أصول الروايات الخاصة بقوت القلوب كلها باللغة الفرنسية، وكل هذه الأصول موجودة عندي حتى الآن.

هل أنت أول مَن ترجم روايات قوت القلوب الدمرداشية إلى اللغة العربية؟

طبعًا... أنا أول مَن ترجم أعمال قوت القلوب في الوطن العربي، باعتبار أنني صاحب الحقوق الحصرية للترجمة والنشر والتوزيع طبقًا للعقد المبرم بيني وبين ابنها الدكتور محسن الدمرداش.

هل هذا يعنى أنك أول مَن اكتشف "قوت القلوب" بالنسبة لمصر والعالم العربي؟

نعم.. بكل تأكيد، أنا من اكتشف وقدم الترجمة العربية الكاملة لروايات قوت القلوب الدمرداشية في الوطن العربي ولم يسبقني أحد في ذلك، وأنا الوحيد الذي أملك حقوق الترجمة والنشر باللغة العربية. 
وبالمناسبة، سأخبرك بسر لتكون على علم به… في أيامنا في التسعينيات لم يكن هناك إلا أرشيف «الأهرام» لتعرف أي شيء عن قوت القلوب الدمرداشية.. فبدأت البحث في مكتبة الأهرام وعملت اشتراكًا بها من خلال مساعدة الأصدقاء لأتمكن من التردد بيسر على الأرشيف وأطلع بكل حرية، حتى قمت بتصوير كل أرشيف الأهرام المتعلق بقوت القلوب الدمرداشية: كل ما كُتب ونُشر عنها، وكل ذلك بحوزتي حتى الآن.. وبدأت التردد على مقر الطريقة الدمرداشية الخلوتية عدة مرات للتعارف، وكنت أشارك في الحضرة الخاصة بهم واندمجت معهم كثيرًا وعشت الجو الخاص بهم.
حيث إنني ولدت بالدرب الأحمر سنة 1955 وعشت بمنطقة الأزهر والحسين، وبالتالي كنت معجبًا بالطريقة التي يتبعونها، فهي "الطريقة الدمرداشية الخلوتية" ولديهم غرف خاصة تسمى "الخلوة"، كل شخص يختلي بنفسه ليقرأ القرآن والأدعية، وكان ذلك شيئًا رائعًا ومذهلاً.

 

قلت أنك أول مَن ترجم وأول مَن اكتشف قوت القلوب، فهل كتبت سيرة عنها؟

نعم.. هناك سيرة ذاتية كتبتها في مقدمة الروايات، وهي معلومات موثقة تمامًا حصلت عليها من أولادها ومما كُتب عنها سابقًا.. فمثلاً ما تحدث عنه البعض بشأن قضية حب قوت القلوب للصحفي المرموق "محمود أبو الفتح" وأنها أعطته المال لشراء «شركة الإعلانات الشرقية»، إضافة إلى القصة الخاصة بقتلها على يد ابنها... فهذه المعلومات غير صحيحة، وأبناء قوت القلوب أكدوا لي أن هذه الأمور لا أساس لها من الصحة، وهي محاولة لتشويه الحياة الشخصية لقوت القلوب على حساب اكتشافها كأديبة مصرية مرموقة يعرفها الغرب قبل العرب.

•ذكرت أنك التقيت بالدكتور محسن الدمرداش، ابن قوت القلوب، مراتٍ كثيرة ودونت حواراته معك.. فهل يمكن أن تطلعنا على بعضٍ مما قاله عن والدته قوت القلوب؟
قال لي الدكتور محسن الدمرداش عن والدته قوت القلوب: " تزوجت قوت القلوب من مصطفى محرم مختار، القاضي بالمحكمة المختلطة، وكان عمرها خمسة وعشرين عاماً، وهو ما كان يُعد حينها سناً متأخرة للزواج، وكان أبي يكبرها بعشرين سنة، وبعد أن أنجبت منه أربعة أولاد وبنتاً، اختلفا وانفصلا، ثم تزوج بفتاة أخرى عمرها 16 سنة، وأنجب منها 7 أشقاء لنا، تجمعنا بهم علاقة طيبة.

ثم حصلت أمي على حكم قضائي تمكنت بموجبه من الاحتفاظ بأولادها وتربيتهم؛ ويبدو أنها استغلت ثروتها وعلاقاتها للحصول على هذا الحكم الذي يعد غريباً في ذلك الوقت، إذ تشترط حضانة الأم انتهاءها عند سن 12 للبنت و10 للولد لتؤول بعدها إلى الأب.

اتسمت أمي قوت القلوب بالتواضع الشديد؛ فتعلمت في مدرسة البنات الدين والموسيقى واللغة الفرنسية، ووجدت شغفها في هذه اللغة، كما احترمت العلم والعلماء، وقدمت منحاً دراسية للطلبة الفقراء لاستكمال دراساتهم، فكفلت عدداً كبيراً من طلاب الطب والهندسة والحقوق، وظلت تنفق عليهم حتى أصبحوا أساتذة وأطباء عظماء.

كانت أمي تمتلك ثروةً ضخمة، وأصرت على إدارتها بنفسها رافضةً أن يتولى ذلك أي شخصٍ آخر؛ إذ امتلكت أراضي في بلدة "تصفا" قرب بنها، وفي البدرشين، ولأجل ذلك، استقدمت معلمين من الخارج لتعليمها فن الإدارة لتتمكن من الإشراف على أملاكها بذاتها.

كنت أخذ أنا وأخوتي مصروف جيب صغير جدا، بالمقارنة باصحابنا في ذلك الوقت، نظرا لما تمتلك امنا من ثروة ضخة وكان كلا منا يأخذ جنيه واحد وهذا لا يتناسب مع البطقة الاسرتقراطية والمستوي الاجتماعي الذي عاشوا في تلك الفترة.
كما كانت أمي مولعة بالسفر؛ فتتوجه كل عام إلى فرنسا أو النمسا لقضاء إجازتها هناك، وعقب اندلاع الحرب العالمية الثانية وانقطاع سبل السفر، اتجهت للتعرف على ربوع مصر، فسافرت إلى القصير والواحات: الداخلة والخارجة والفرافرة، بل وارادت شراء أرضٍ بالواحات لزراعتها.

كما زارت أمي المصانع المصرية لطموحها في تأسيس مصنع للشربات، كما أدت فريضة الحج عام 1939م قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، برفقة صديقتها حرم إسماعيل باشا صدقي (رئيس وزراء مصر الأسبق) حيث التقت بها في السويس.. وغيرها الكثير من المعلومات التي ذكرها عن والدته قوت القلوب الدمرداشية.

 

إذن أنت أول مَن كتب سيرة ذاتية عن السيدة قوت القلوب؟

نعم.. أنا أول من ترجم أعمالها، وأول من اكتشفها، وأول من قدمها وكتب سيرة ذاتية عنها، ولا يوجد ما يناقض ذلك؛ لأن الزمن هو الذي يحكم على هذا الكلام. وذكرت معلومات أكثر عن سيرتها في رواية «زنوبة» مقارنة برواية «رمزة»، حيث توسعت في تناول سيرتها بعد نشر الرواية الأولى وظهرت معلومات جديدة من خلال أبنائها.

ما حقيقة أن هيئة الكتاب أخذت روايات قوت القلوب التى ترجمتها ونشرت دون وجه حق؟

في البداية تعاقدت «مكتبة الأسرة» مع دار الهلال على نشر "رواية رمزة" وأعطوني حقوقي، وأكبر مبلغ حصلت عليه في حياتي من نشر كتاب كان من مكتبة الأسرة، فنشروا الكتاب مع مقدمة كتبها د. سمير سرحان رحمه الله، ومقدمة أخرى للسيدة سوزان مبارك.

• إذن طُبعت روايات قوت القلوب الدمرداشية مرتين؟ مرة في دار الهلال، وبعد أربع سنوات طُبعت في هيئة الكتاب؟

بالضبط.. وأخذت جزءًا من حقوقي.. وبعدها فوجئت بطباعة الروايتين" رمزة و زنوبة" في سلسلة «رائدات الرواية العربية» في عام 2015.. وتم الاعتداء على حقوقي الأدبية والمادية؛ لأنهم لم يحصلوا على موافقة مكتوبة مني على النشر، وعندما اشتكيت في دار الكتب واشتكيت أيضًا في اتحاد الكتاب وأجروا تحقيقات معي، قالوا: "أنت محق، الروايات مسروقة"، ولكنني لم أحصل على حقي حتى الآن.

 

هل تمت طباعتها دون الرجوع إليك؟

نعم.. أخذوا الرواية من الغلاف إلى الغلاف نصًا... اسمي مكتوب فقط في الداخل، حيث نقلوا كل شيء حرفيًا من الغلاف إلى الغلاف، حتى التعريف بالكاتبة نقلوه حرفيًا، وكتبوا على الغلاف: (تأليف: قوت القلوب الدمرداشية، تقديم ودراسة: محمد سيد عبد التواب)، وحتى صورتي الوحيدة لقوت القلوب الدمرداشية التي نشرناها في دار الهلال هي الصورة نفسها، والتي حصلت عليها من ابنها الدكتور محسن الدمرداش، وقال لي إنها الصورة الوحيدة التي ورثتها عن أمي؛ لأنها كانت لا تحب التصوير.

• أنت مصدر رئيسي في رواية «نساء في بيتي» وكتاب «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب»، فهل قرأت الكتابين بعد طباعتهما؟
أولاً.. يجب أن أضع النقاط على الحروف لكي يكون الكلام دقيقًا، ويمكنك أن تسأل الروائية هالة البدري شخصيًا عما سأقوله: تواصلت معي وقالت لي: "أنت المصدر الوحيد، وأريد منك أن تجلب لي كل ما عندك لأنني مهووسة بقوت القلوب الدمرداشية"، فأعطيتها كل المعلومات، وقامت بتصوير كل ما لدي من لقاءات أجريتها مع أبنائها ومكتوبة بخط يدي.

أما عن الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد مؤلفة كتاب «سيدة القصر»، فاتصلت بي وأخبرتني أنها تكتب كتابًا عن قوت القلوب الدمرداشية وحصلت على معلومات مني... ولم أقم بقراءة الكتب.

• هل سمعت عن قضية قوت القلوب المثارة الآن بشأن سرقة حقوق الملكية الفكرية، وأن وزيرة الثقافة طرف في هذه القضية؟
في الحقيقة لست متابعًا بشكل كبير ولا أعرف التفاصيل… إنني مهتم الآن بعمل الخير فقط، وعرفت بعد ذلك أن قوت القلوب هي محور الموضوع، ولكن ليس لدي تعليق لعدم قراءتي للكتب الثلاثة.

• دعني أسألك.. هل كتابة التاريخ حكر على أحد؟
سؤال رائع جدا، أشكرك عليه.. طبعًا هذا غير صحيح، الصحيح هو أن من بحث ونشر أولاً باللغة العربية يكون المصدر الرئيسي لكتابة التاريخ، وأريد أن أؤكد أنني أول مترجم لأعمال قوت القلوب باللغة العربية، وبالتالي لا أحد يستطيع أن يقول إنه صاحب سيرتها أو يملك الحق في ذلك، فلم يترجم أحد قبلي أعمال قوت القلوب، ومعي كل الوثائق عنها.

الروايات نُشرت باللغة الفرنسية، ثم تمت ترجمتها إلى الألمانية، وبعدها قمتُ أنا بترجمتها إلى العربية، ثم بدأ الناس يكتشفون قصة قوت القلوب الدمرداشية ويتحدثون عن أدبها. كل هذا خلفه قصة رهيبة جدًا تمتد لأكثر من ثلاثين سنة عشتها بكل تفاصيلها.

 

 

 

 

 

الآن وبعد 30 عاما كما تتحدث.. هل تغيرت قناعاتك أو معلومات عن قوت القلوب الدمرداشية.. ما أقصده هل اكتشفت شيئا جديدًا؟

للأسف لم يكتشفوا شيئًا جديدًا عن قوت القلوب، ولا أدّعي إذا قلت إن هناك شيئًا جديدًا مكتوبًا أضاف إلى معلوماتي عن قوت القلوب التي عرفتها منذ سنوات طويلة، وهناك رسالة ماجستير في إندونيسيا تتناول رواية «رمزة ابنة الحريم» من ناحية الأدب الاجتماعي، واعتمدت هذه الرسالة على طبعة مكتبة الأسرة عام 2004 وذكرتني بالاسم في رسالتها.

ومنذ سنوات كان الفنان نور الشريف مهتمًا بقوت القلوب الدمرداشية وقرأ الرواية وأُعجب بها جدًا، وكان يريد أن تقوم ابنته بتجسيد «رمزة» في دور سينمائي ولكن لم يحدث ذلك. كما تواصلت مع المخرجة إيناس الدغيدي عندما سمعت عن رغبتها في تحويل رواية "رمزة" لعمل فني، وقلت لها: "أنا الوحيد الذي أملك حق تحويل الرواية لسيناريو"، حيث إن حقوقي مسجلة في «الرقابة على المصنفات» وكل صفحة في الرواية مختومة، وهذا التسجيل تم للروايتين: «رمزة» و«زنوبة»، ومنذ فترة قصيرة اتصلت بي «القناة الوثائقية» لإعداد حلقة عن حياة قوت القلوب الدمرداشية باعتباري المصدر الأول عربيا، ولكني رفضت لأنني اعتزلت العمل العام كما ذكرت لك.

 

ماذا تفعل فى حياتك الآن؟

تأثرت جدًا بقوت القلوب الدمرداشية وهو ما دفعني لإنشاء "تكية" تحمل اسم "تكية آل دسوقي هاشم"؛ فقوت القلوب معروف عنها أنها سيدة البر والإحسان، وكما قادني القدر للرواية قادني القدر لإنشاء تكية خيرية تساعد المحتاجين، وأصبح كل همي الآن هذا العمل الخيري.

وعلى المستوى الشخصي أنا مترجم معتمد بسفارة النمسا، وحصلت على الجنسية النمساوية الخاصة عام 2010، وهي تُمنح للشخصيات المرموقة صاحبة التاريخ والإنجازات غير المسبوقة في مجالات الحوار بين الثقافات والذي يعتمد على الفنون كمدخل للحوار.

• بصفتك كاتباً ومترجماً، هل لك أعمال أخرى صدرت لك غير روايتي «رمزة» و«زنوبة»؟
نعم، لدي الكثير من الأعمال الأدبية والتوثيقية؛ ففي مجال الترجمة ترجمت عن الألمانية كتاب «القاهرة.. حالمة لا تنام» للكاتب هانز إبندورفر والصادر عن المجلس الأعلى للثقافة، وهو العمل الذي التقطته مجلة «المصور» ونشرته في حلقات مسلسلة أسبوعية بدءًا من شهر يونيو عام 2000.

أما على صعيد التأليف والإعداد السينمائي والثقافي، فقد قدمت كتابًا يرصد المسيرة الفنية للنجم نور الشريف، وكتابًا آخر عن الفنانة ليلى علوي، إلى جانب التوثيق للسينما العالمية عبر كتاب عن المخرج والفنان التشكيلي النمساوي بيتر باتساك، وكتاب عن الباحثة ليزيل بونجر المولودة في ألمانيا عام 1947 والمقيمة بفيينا، والتي ركزت في أعمالها الأنثروبولوجية التوثيقية على قضايا الأجانب.

كما أصدرت من خلال رئاستي لمجلس أمناء "مؤسسة سفراء الأصالة لتنمية الثقافة والفنون" ثلاثة كتب توثيقية تناولت فيها الفنان محمود ياسين بصفته فتى الشاشة الأول، والفنانة بوسي (القطة العاشقة)، والفنانة إلهام شاهين (المتمردة).

الاكثر قراءة