تولي سلطنة عُمان القطاع الصناعي أهمية محورية إيماناً منها بدوره في تعزيز حضورها الاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي، ورغبة منها في بناء قاعدة صناعية متقدمة تقنيا ترتكز على الابتكار وتعزيز القيمة المضافة، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" وأهداف الاستراتيجية الصناعية 2040.
فقد احتفلت مؤخراً سلطنة عُمان ممثلة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار بيوم الصناعة العمانية والذي يوافق التاسع من فبراير من كل عام، وذلك تحت شعار: "من عُمان إلى العالم.. صناعة تنافسية ورؤية عالمية"، لإبراز تنافسية المنتج العُماني في الأسواق العالمية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والمصنعين والمصدرين لتطوير منظومة التصدير ومعالجة التحديات، والاستفادة من توصيات يوم الصناعة 2025 في إعداد السياسات والمبادرات المقبلة.
وفي إطار جهود سلطنة عُمان المستمرة لتعزيز الاستثمار الصناعي ورفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، أعلنت "استثمر في عُمان" عن عرض مجموعة من الفرص الاستثمارية النوعية في قطاع الصناعات التحويلية على منصتها الإلكترونية، تتوزع هذه الفرص على عدد من القطاعات الصناعية ذات الأولوية، من بينها الصناعات المعدنية، ومواد البناء، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، والصناعات المرتبطة بالمنسوجات، إلى جانب الصناعات التحويلية المرتبطة بالمدخلات الصناعية والسلع الاستهلاكية، بما يعكس تنوع القاعدة الصناعية وقدرتها على استيعاب استثمارات بمستويات مختلفة.
وتأكيدا على دور الصادرات الصناعية العُمانية في تنويع الدخل، تلتزم وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بتنفيذ مستهدفات الاستراتيجية الصناعية 2040، عبر حزمة من المبادرات والسياسات لرفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، بما يتماشى مع أولويات رؤية "عُمان 2040" في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
فقد أظهرت مؤشرات أداء القطاع الصناعي العُماني بنهاية عام 2025م، استمرار نموه وتعزيز إسهامه في الاقتصاد الوطني، وبلغت مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي 3 مليارات و879 مليون ريال عُماني، مسجلة نموا بنسبة 7.2 بالمائة مقارنة بعام 2024م الذي بلغت فيه 3 مليارات و620 مليون ريال عُماني.
كما ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي في القطاع الصناعي إلى 3 مليارات و490 مليون ريال عُماني خلال عام 2025م، بنمو نسبته 24.6 بالمائة عن عام 2024م الذي سجل نحو 2 مليار و800 مليون ريال عُماني، ما يعكس تنامي جاذبية القطاع للمستثمرين.
وسجلت الصادرات غير النفطية 6 مليارات و885 مليون ريال عُماني في عام 2025م، بزيادة 10.5 بالمائة مقارنة بعام 2024م الذي بلغت فيه 6 مليارات و232 مليون ريال عُماني، في مؤشر على اتساع حضور المنتجات العُمانية في الأسواق الخارجية.
وفي جانب التشغيل، ارتفع عدد العاملين في القطاع الصناعي إلى 248 ألف عامل بنهاية 2025م، بنسبة نمو بلغت 3 بالمائة مقارنة بعام 2024م الذي بلغ فيه عدد العاملين 240 ألفا و761 عاملًا.
وبلغ عدد المنشآت الصناعية الحاصلة على هوية المنتج الوطني 166 منشأة بنهاية عام 2025م، فيما وصل عدد طلبات الإعفاء الموافق عليها إلى 439 طلبا، بما يعكس استمرار الاستفادة من الحوافز والتسهيلات الداعمة للقطاع.
ولا شك أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على حجم الصادرات إلى تعميق المعرفة الإنتاجية وتعقيد المنتجات الصناعية، معتمدة على بناء القدرات النوعية بما يتوافق مع مستهدفات وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ورؤية "عُمان 2040"، واعتبر عام 2026 محطة للتحول نحو تصنيع المنتجات الدقيقة والأدوات المتقدمة.
هذا التحول يتم من خلال ثلاث مبادرات رئيسية: أولها: إعداد "بطاقة أداء التعقيد الاقتصادي" لتحديد منتجات العبور التي يمكن للمصانع الوطنية العُمانية إنتاجها بتطوير تقني محسوب، وثانيها: مقترح تأسيس صندوق لدعم المعايير التقنية بالشراكة مع الوزارة لتمكين 30 مصنعا عمانيا من الحصول على الاعتمادات الدولية، وثالثها: سد فجوة التصنيع الدقيق عبر استقطاب شراكات نوعية لتوطين الصناعات المتخصصة.
وفي إطار السعي العُماني لتطوير قطاعها الصناعي، اتخذت عدداً من الإجراءات التي تمضي بالقطاع الصناعي للأمام ومنها: أولاً: تدشين جوائز عُمان للتميز الصناعي 2026، والتي ستكرم إنجازات في المنتج عالي التعقيد، ونقل المعرفة والتعمين النوعي والمرونة التصديرية وجائزة القيمة المحلية المضافة.
ثانياً: دشنت عُمان المرحلة الأولى من "المرصد الصناعي" بوصفه مركزا وطنيا للبيانات والمعلومات الصناعية في سلطنة عُمان، يهدف إلى تمكين صناع القرار من الوصول إلى تحليلات دقيقة ومؤشرات أداء آنية تدعم كفاءة التخطيط ورسم السياسات، بما يتوافق مع مستهدفات الاستراتيجية الصناعية 2040، ويأتي المشروع في إطار تعزيز الشفافية وتطوير البيئة الاستثمارية عبر توفير بيانات رقمية موثوقة تدعم النمو الصناعي القائم على المعرفة.
يعد المرصد الصناعي مبادرة معتمدة ضمن الاستراتيجية الصناعية 2040، ومتسقة مع رؤية "عُمان 2040"، ويستهدف دعم مؤشرات القطاع وتعزيز مكانته من خلال الاعتماد على بيانات دقيقة وموثوقة.
ويمثل المرصد منصة رقمية متكاملة لتجميع وتحليل وعرض بيانات القطاع الصناعي بصورة لحظية، بما يتيح الاستفادة منها في تطوير الأداء ورسم السياسات وتحديد الفرص الاستثمارية، وكذلك دعم التنافسية والاستدامة.
كما يسهم المشروع في تمكين متخذي القرار من بناء قراراتهم على مؤشرات واضحة وتحفيز بيئة الاستثمار الصناعي، فضلا عن إتاحة بيانات تدعم الباحثين والمهتمين داخل سلطنة عُمان وخارجها، وكذلك المنظمات الدولية في إعداد الدراسات والبحوث.
ثالثاً: إشراك منشآت القطاع الصناعي الحكومي مع منشآت القطاع الخاص الصناعي بما يمثل أولوية لتعزيز تكامل الجهود ومواءمة التوجهات مع أصحاب المصلحة، خاصة فيما يتعلق بالقدرات التشغيلية ، وتعزيز تبادل البيانات والمعلومات بين مختلف الجهات ذات العلاقة.
رابعاً: تدشين منصة "اعتمد" للتصنيف المهني بوصفها مبادرة تستهدف تنظيم المهارات والوظائف في القطاع الصناعي ضمن أطر واضحة، بما يعزز مواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات المصانع، وتهدف المنصة إلى رفع مستوى الجودة والكفاءة الإنتاجية من خلال منح شهادات تصنيف مهني معترف بها، بما يدعم احترافية القوى العاملة الوطنية ويوسع فرص تطورها الوظيفي، انسجاما مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في تنمية القدرات البشرية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
خامساً: تشكيل لجنة الخبراء في القطاع الصناعي العُماني، لتتولى تعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص، ومواءمة احتياجات القطاع مع مخرجات منظومتي التعليم والتدريب، بما يدعم مسار التطوير الصناعي ويرفع جاهزية الكفاءات الوطنية للمرحلة المقبلة.
فخلال السنوات الماضية، شكل القطاع الخاص عنصرًا محوريًا في تعزيز الصناعة العُمانية والمساهمة في نمو الدخل القومي المستدام، إذ عمل الصناعيون العُمانيون على تطوير المصانع الوطنية، ورفع مستوى الإنتاجية والجودة، وتبني أحدث التقنيات الصناعية، مع التركيز على تنمية الكوادر الوطنية.
وتمثل الخطة الخمسية الحادية عشرة بسلطنة عُمان، فرصة استراتيجية لتعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاع الصناعي، مع التركيز على الصناعات التحويلية، الأغذية والمشروبات، الصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، لما توفره من إمكانات لتعظيم القيمة المضافة ورفع مستوى التوظيف، ولعل من الأمور الجاذبة للاستثمار وجود صناعات رئيسية تشكل مدخلات للصناعات الأخرى، مثل صناعة الألمنيوم، والبتروكيماويات، والحديد، والبوليسليكون، ما يتيح فرصًا لإنشاء صناعات فرعية وتوسيع سلسلة القيمة المحلية، كما أن البيئة الاستثمارية المستقرة والحوافز المشجعة تمثل أرضية خصبة للدخول في شركات أسواق جديدة، ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة، وتعزيز الميزة التنافسية للصناعة العُمانية إقليميًا ودوليًا.
فضلاً عن أن أهمية الشراكة وتكامل الأدوار بين المناطق الحرة والمدن الصناعية "مدائن"؛ مما يخلق بيئة خصبة للاستثمار الأجنبي المباشر الذي يبحث عن الاستقرار والنمو، ولأن مستقبل الصناعة العُمانية مرهون بتبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والمتمثل في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتعزيز التنافسية الاقتصادية في سوق عالمي لا يعترف إلا بالكفاءة.
وهنا تكمن أهمية الخطوات والمساعي التالية: أولاً: تمكين الشباب العُماني والمبتكرين لدخول سوق الصناعة من خلال توفير برامج تدريبية وتوجيهية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع تسهيل الوصول إلى التمويل والخبرات الفنية، بما يعزز الابتكار والإبداع الصناعي.
ثانياً: دعم البحث والتطوير ورفع كفاءة الموارد البشرية، حيث تساهم هذه الخطوات في تعزيز القدرة على التأقلم مع المتغيرات العالمية، وتحقيق أثر إيجابي مستدام على الدخل القومي، وتعزيز الميزة التنافسية للمصانع على المستويين المحلي والدولي.
ثالثاً: تعزيز المحتوى المحلي العُماني والقيمة المضافة يتطلب سياسات واضحة ومستدامة تشمل الحوافز الضريبية والتشجيعية، وتسهيل الوصول إلى التمويل، ودعم سلاسل الإمداد الوطنية، وتحفيز المصانع على تبني أفضل الممارسات في مجالات المحتوى المحلي، الصحة والسلامة، التصدير، التعمين وتنمية الكفاءات، والتقانة والابتكار، بما يعكس التزام القطاع الخاص بمعايير الأداء العالمية ويترك بصمة واضحة على الاقتصاد الوطني.
ويبقى التأكيد على أن المرحلة القادمة هي مرحلة المبتكر الصناعي العُماني؛ إذ تعول الخطة الخمسية الـ 11 على تحويل التحديات إلى فرص، وأن سلطنة عُمان اليوم تمتلك البيئة التشريعية والحوافز التي تضمن النهوض بالمشاريع، من خلال توفير أدوات تمويلية مبتكرة تدعم المشاريع الصناعية الناشئة والكبرى، وتعزيز مرونة القطاع اللوجستي لمواجهة المتغيرات العالمية، ورفع كفاءة كلف التشغيل لضمان تفوق المنتج العُماني محليًا ودوليًا.