رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أم كلثوم بين البردتين

3-2-2026 | 12:35

شيماء المهدي

طباعة
شيماء المهدي

أمّ كلثوم ليست مجرّد صوتٍ عابر في تاريخ الغناء، ولا أيقونةً فنية أضاءت قرنًا ثم رحلت، بل هي ظاهرة روحية وجمالية متكاملة، تشكّلت في منطقة نادرة التلاقي بين المقدّس والفني، وبين الذِّكر والطرب، وبين التراث العميق والحداثة الواعية. ومن هذا الموضع الفريد، يمكن قراءة تجربتها الكبرى بوصفها رحلةً بين «بردتين»؛ بردةٍ وُلدت من رحم التصوف والكرامة، وبردةٍ أخرى نُسجت بخيوط النهضة والبيان، لتغدو كوكب الشرق جسرًا نورانيًا يربط بين ضفتي الزمان؛ ضفة التراث الصوفي الضارب في عمق التاريخ، وضفة الحداثة الشعرية التي صاغت أمجاد العرب المعاصرة. إنها قصة إيمانٍ وتناغمٍ لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت رحلةً بدأت بخطوات طفلة صغيرة في حلقات الذكر بقرى الريف المصري، وانتهت بتربّع سيدة الغناء على عرش الموسيقى العربية، محوِّلةً الحنجرة إلى وعاءٍ حضاريٍّ استطاع أن ينقل القصيدة من بطون الكتب وزوايا التكايا إلى وجدان الشعوب وكبرى المسارح العالمية، متمثّلةً في نصّين هما الأعظم في تاريخ المديح: «البردة» للإمام البوصيري، و«نهج البردة» لأحمد شوقي.

تعود البدايات الأرشيفية لهذه الحكاية إلى قرية «طماي الزهايرة»، حيث كانت الفتاة الصغيرة «ثومة» تجوب الموالد خلف والدها الشيخ إبراهيم، مرتديةً جُبّة القرّاء وعِقالهم، تشدو بكلمات الإمام البوصيري التي لم تكن في عُرف الناس مجرّد شعر، بل «تميمة» روحية يتبرّكون بها. والبوصيري، الشاعر الصوفي الذي عاش في القرن السابع الهجري، لم ينظم بردته التي تبلغ 160 بيتًا ترفًا، بل صاغها من وجع المحنة؛ إذ أصابه الفالج (الشلل النصفي) وعجز عنه الطب، فبات ليلته ينظم «الكواكب الدرية في مدح خير البرية» مستشفعًا بها، ومنها كانت أمّ كلثوم تشدو بخشوع:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ

وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

وتؤكّد الروايات الأرشيفية أنّه حين بلغ الشاعر البيت الأخير، تعثّر لسانه هيبةً، فتمثّل له النبي ﷺ في المنام وأكمله له، ثم مسح بيده الشريفة على جسد البوصيري وألقى عليه «بُردته»، ليستيقظ الشاعر معافًى تمامًا، والبُردة المادية تستقرّ على كتفيه. هذه الروحانية المشحونة بالكرامات هي التي سكنت صوت أمّ كلثوم الناشئ، فكانت تنطق الحروف برِقّة المنذرين وخشوع الزاهدين، وكأنّها تستعيد طهارة الإنشاد الأوّل تحت قبّة السماء الريفية.

وعند انتقال أمّ كلثوم إلى القاهرة، التقت بأمير الشعراء أحمد شوقي، الذي كتب «نهج البردة» البالغة 190 بيتًا بطلبٍ من الشيخ مصطفى المراغي (شيخ الأزهر آنذاك). لم تكن دوافع شوقي طلب شفاء الجسد كالبوصيري، بل كانت «معارضة شعرية» أراد بها إثبات أنّ البيان العربي الحديث قادر على مجاراة فحول التراث وإعادة الهيبة للغة، وهو ما جسّدته أمّ كلثوم بذكاء «الانتقاء» حين اختارت أبياتًا صاغها السنباطي بحسٍّ ملحمي عام 1946، فصدحت بكبرياء:

رِيمٌ عَلَى القَاعِ بَيْنَ البَانِ وَالعَلَمِ

أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ

ومن الحقائق التاريخية المذهلة أنّ الشيخ المراغي، برغم إعجابه بشوقي، أصدر قرارًا رمزيًا بمنع أي شاعر آخر من محاولة معارضة بردة البوصيري بعد شوقي؛ إيمانًا منه بأنّ شوقي قد بلغ بالمعارضة ذروةً لا تُنال. وبذلك اجتمع في حنجرة أمّ كلثوم «صدق الحال» عند البوصيري مع «إحكام البيان» عند شوقي، حيث يتفوّق الأوّل بصدق العاطفة الفطرية، ويتفوّق الثاني بإعجاز الصنعة الفكرية، وصهرتهما «الست» في عملٍ كشف عن قدرتها الفائقة على التمييز الأدائي؛ فبينما كانت في بردة البوصيري تميل إلى التضرّع والهدوء الصوفي، تحوّلت في نهج شوقي إلى الهيبة والفخامة.

وفي ختام هذا الإبحار بين ضفتي الزمان، تتجلّى الحقيقة واضحة: لقد مارست أمّ كلثوم «صوفية الغناء» لا بوصفها عزلةً أو انغلاقًا، بل باعتبارها حالًا يُعاش، وحالة فناءٍ ارتقى فيها السمع من حدود الطرب إلى معارج الروح. ومن هنا غدت «الست» البُردة الثالثة في تاريخنا الثقافي؛ فإذا كان البوصيري قد نال ببردته شفاء الجسد، ونال شوقي بنهجه خلود البيان، فإنّ أمّ كلثوم قد نالت بصوتها شفاء الهوية، حين أعادت للوجدان العربي صلته بجذوره المقدّسة في زمن التحوّلات. هكذا بقيت أمّ كلثوم «الوصل» الذي لا ينقطع، والبُردة التي لا تَبلى، ودليلًا حيًّا على أنّ الفن، حين يسكنه الإيمان، يتحوّل إلى معجزةٍ لا يطويها النسيان.

أخبار الساعة