مع تقدم العمر تبدأ مخاوف صحية جديدة في الظهور ومن أبرزها مرض «هشاشة العظام» الذي يصيب الملايين حول العالم، غالبًا ودون سابق إنذار، حتى يفاجئهم بكسر بسيط قد يغير حياتهم حيث يُضعف هذا المرض العظام لتصبح هشة وأكثر عرضة للكسر، لنتعرف أكثر على هذا اللص الصامت أو المرض الصامت، كان لنا هذا الحوار الشامل مع الدكتور إبراهيم جادو استشاري جراحة العظام.
في البداية: كثيرًا ما نسمع مصطلح «هشاشة العظام»، فما هو تعريفه الطبي الدقيق؟
هشاشة العظام هو مرض هيكلي مزمن يتسم بانخفاض الكثافة المعدنية للعظام وتدهور البنية المجهرية الداخلية للنسيج العظمي ببساطة وتصبح العظام أقل كثافة وأكثر مسامية مثل الإسفنج، مما يفقدها قوتها ومتانتها الطبيعية، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن هشاشة العظام هو أحد الأمراض العشرة الأكثر انتشارًا والأكثر كلفة في العالم وتكمن الخطورة في أنه «مرض صامت» لا تظهر له أعراض واضحة في مراحله المبكرة وغالبًا ما يتم اكتشافه للمرة الأولى عند حدوث كسر والأكثر شيوعًا كسور الفخذ والعمود الفقري وكسور الرسغ.
لماذا توصف «هشاشة العظام» باللص الصامت.. وما العوامل التي تجعل شخصًا أكثر عرضة من غيره للإصابة؟
توصف الهشاشة بالمرض الصامت لأن فقدان العظم يحدث على مدار سنوات دون أي ألم أو علامات تحذيرية، أما عن عوامل الخطر فتنقسم إلى قسمين: عوامل لا يمكن تغييرها وأخرى يمكن التحكم بها، ومن العوامل الثابتة التقدم في العمر خاصة بعد سن اليأس لدى النساء بسبب انخفاض هرمون الأستروجين، فالنساء أكثر عرضة بأربع مرات من الرجال، التاريخ العائلي للإصابة بالكسر، أما العوامل القابلة للتعديل فتشمل على نقص الكالسيوم وفيتامين (د) في النظام الغذائي، وقلة النشاط البدني وخاصة تمارين تحمل الوزن، والتدخين، والإفراط في تناول الكافيين، وانخفاض مؤشر كتلة الجسم مثل: النحافة المفرطة، وبعض الأمراض المزمنة كأمراض الكبد والكلى والغدة الدرقية، وتناول بعض الأدوية لفترة طويلة.
إذا كان المرض صامتًا، فكيف يمكن تشخيصه مبكرًا قبل الوصول إلى مرحلة الكسر؟
التشخيص المبكر حجر الزاوية في المواجهة الفعالة من خلال الفحص الأساسي وهو قياس كثافة العظام من خلال فحص بالأشعة السينية بسيط وسريع وغير مؤلم يقيس كثافة العظام في منطقة الفخذ والعمود الفقري، يقرأ النتائج بمقارنتها بكثافة عظام شاب بالغ في أوج صحته وتعطى على شكل مقياس فإذا كانت النتيجة بين -1 و -2.5، فهذا يعني وجود نقص في كثافة العظام المرحلة السابقة للهشاشة وإذا كانت -2.5 أو أقل فهذا يشير إلى هشاشة عظام تستلزم العلاج، وتوصي الجمعيات الطبية العالمية بإجراء هذا الفحص لجميع النساء فوق سن 65 عامًا والرجال فوق 70، وللمرضى الأصغر سنا إذا توفرت لديهم عدة عوامل خطر.
بمجرد التشخيص، ما خيارات العلاج المتاحة اليوم؟
علاج هشاشة العظام يشبه ببناء جدار حماية متكامل والهدف ليس فقط زيادة الكثافة العظمية، بل الوقاية من الكسور أولاً وأخيراً، ويعتمد العلاج على عدة ركائز منها: الأدوية ولدينا مجموعات مختلفة، منها وهى تعمل على إبطاء عملية هدم العظم، وهناك أدوية أكثر قوة كإعطاء حقنة تحت الجلد كل 6 أشهر لتحفيز بناء العظم وذلك للحالات الشديدة. وهناك المكملات الغذائية الأساسية مثل: الكالسيوم وفيتامين (د) ولا يمكن لأي دواء أن يعمل بشكل فعال إذا كان هناك نقص فيهما، ويجب أيضا تعديل نمط الحياة وهذا جزء لا يتجزأ من العلاج الدوائي وليس بديلاً عنه.
إذن، ما النصائح العملية التي يمكن أن نقدمها للجمهور للوقاية من هذا المرض منذ الصغر؟
الوقاية تبدأ من مرحلة الطفولة والمراهقة وذلك بالتغذية السليمة والتركيز على الأطعمة الغنية بالكالسيوم كـمنتجات الألبان قليلة الدسم، والخضراوات الورقية الداكنة كالبروكلي واللفت والسردين والمكسرات والتعرض لأشعة الشمس المباشرة لتحفيز إنتاج فيتامين (د) في الجلد ، كما أن ممارسة الرياضة بانتظام خاصة تمارين تحمل الوزن مثل: المشي السريع، وصعود السلالم، والرقص وتمارين المقاومة الخفيفة هذه التمارين تساعد العظام على أن تصبح أقوى.
كما يجب تجنب السموم وذلك بالإقلاع عن التدخين تمامًا، وتقليل استهلاك الكافيين كالقهوة والمشروبات الغازية والملح والحد من المشروبات الكحولية، والوقاية من السقوط للأشخاص المعرضين للخطر، كما يجب تأمين المنزل بإزالة عوائق السجاد، وتحسين الإضاءة، وتركيب قضبان مساعدة في الحمام مع ضرورة فحص النظر بانتظام ومراجعة الأدوية التي قد تسبب الدوخة.
هناك اعتقاد شائع أن المرض يصيب النساء فقط، فما مدى صحة هذا؟
هذا اعتقاد خاطئ وخطير ... صحيح أن النساء أكثر عرضة خاصة بعد انقطاع الطمث ولكن الرجال ليسوا محصنين، فحوالي واحد من كل أربعة رجال فوق الخمسين معرض لكسر بسبب هشاشة العظام وغالبًا ما يتم تشخيص المرض لدى الرجال في مرحلة متأخرة، مما يجعل عواقب الكسور مثل: كسر الفخذ أكثر خطورة على صحتهم وحركتهم ويجب أن يكون الرجال على وعي بعوامل الخطر الخاصة بهم خاصة إذا كانوا يتناولون بعض الأدوية أو يعانون من انخفاض هرمون التستوستيرون.
في ظل انتشار مرض السكري عالميًا، هل هناك علاقة بينه وبين هشاشة العظام؟
نعم، مرض السكري وخاصة النوع الثاني يرتبط بزيادة خطر الكسور على الرغم من أن كثافة العظام قد تظهر طبيعية أو حتى أعلى في بعض الأحيان السبب يعود إلى تدني جودة العظم، حيث يصبح أكثر هشاشة بسبب التغيرات في الكولاجين وارتفاع مستوى السكر في الدم المزمن، ولذلك يجب على مرضى السكري الالتزام بالتحكم الجيد في مستوى السكر ومراقبة صحة عظامهم عن كثب.
ما الرسالة الأهم التي تود توجيهها للقراء؟
هشاشة العظام ليست حتمية الارتباط بزمن الشيخوخة في عمر أي إنسان لكن هي مجرد مرض يمكن الوقاية منه إلى حد كبير ويمكن تشخيصه مبكرًا، ويمكن علاجه والسيطرة عليه بفعالية لمنع الكسور لا تنتظروا الألم أو الكسر، وتحدثوا إلى طبيبكم عن إجراء فحص كثافة العظام واعتنوا بعظامكم اليوم، كي تدعمكم غدًا على الوقوف بثقة والاستمتاع بحياة نشطة في كل مراحل العمر، والاستثمار في صحة العظام هو استثمار في جودة الحياة نفسها.