تعد وكالة ثابت الأثرية بمحافظة أسيوط إحدى العلامات المعمارية والتجارية البارزة التى تحكى فصولًا من تاريخ الحركة التجارية فى صعيد مصر، حيث تمتزج القيمة الأثرية بالمكانة الاقتصادية لتقف الوكالة شاهدًا على عصر ازدهرت فيه التجارة، وما زالت تحتفظ بملامحها التاريخية ودورها فى الذاكرة العمرانية والتراثية للمحافظة، وارتبط اسمها بالحركة الاقتصادية فى المدينة عقودًا طويلة، حيث شكلت فى فترات سابقة مركزا حيويا لتبادل السلع وخدمة التجار والمواطنين على حد سواء، إلا أن الوكالة شأنها شأن العديد من المنشآت القديمة، باتت اليوم تواجه تحديات متراكمة تستدعى التدخل والتطوير العاجل من أجل الاستفادة الكبرى بها، علاوة على القيمة التاريخية والأثرية للوكالة كبقية الوكالات، مثل وكالتى «شلبى» و«لطفى».
يقول «سامح أحمد حسن»، مفتش آثار بمنطقة غرب أسيوط: إن وكالة ثابت تقع بمنطقة القيسارية غرب مدينة أسيوط، وبالتحديد جنوب مسجد جلال الدين السيوطى، حيث تطلّ واجهتها الغربية على شارع محمد محمود باشا، كما أن الوكالة تنسب إلى محمد ثابت بن أيوب بك بن محمد كاشف بك زاده، وهو المؤسس الفعلى للوكالة، كما أن هناك وصفًا لهذه الوكالة فى حجة وقف مسجد الكاشف تُنسبها إلى محمد كاشف بك زاده على أنه المؤسس لها فى 4 جمادى الأول 1238ه، والموجودة فى سجلات وقائع محكمة أسيوط الشرعية والمحفوظة بدار الوثائق القومية، كما أنه أنشأ أيضًا وكالة شلبى، وتُعتبر جزءًا من تراث أسيوط العريق ورمزًا للحياة التجارية القديمة فى المدينة، وتُشبه فى أهميتها أسواق القاهرة التاريخية مثل خان الخليلى.
وكالة أثرية
وأشار إلى أنه بالنسبة لوصف الوكالة، فإنها تتكون من دورين ومدخل واحد لها، ويوجد أيضًا صحن أوسط مستطيل 17م × 9 م يُغطيه سقف خشبى يبرز من وسطه ملقف هوائى من أجل التهوية والإضاءة الجيدة، وتحيط بالصحن دخلات معقودة بأشكال هندسية وفنية غاية فى الروعة والجمال، تقع خلفها أبواب الحواصل «الغرف» بأحجام مختلفة، والتى بلغ عددها 20 حاصلا، كما أن على يمين المدخل 6 حوانيت «دكاكين» بأحجام مستطيلة، وعلى ناحية الشمال يوجد حانوت واحد من أجل تخزين البضائع والغلال الخاصة بالتجار والطابق الثانى، ويتم الوصول إليه من خلال سلم يقع فى الركن الجنوبى الشرقى من الصحن يضم غرفًا سكنية للتجار، ويمكن الوصول إليها عبر سلم ضيق فى الركن الجنوبى، وتطلّ هذه الحواصل والذى يبلغ عددها 20 حاصلا، على الصحن بشرفة خشبية «مشربية» والمواد المستخدمة فى بناء الطابقين الأرضى والأول الحجر الفص النحيت، بينما بُنيت الطوابق العُليا بالطوب.
وذكر «سامح» أن وكالة ثابت لم تمر بعمليات ترميم أو تطوير فى السابق، وتعانى من الإهمال والتشققات، وتستخدم كمخازن لتجار القيسارية، وتفتقر للصيانة، منوها بأنها نموذج رائع للوكالات الإسلامية التقليدية، بتصميم يجمع بين أماكن التخزين والإقامة والتهوية الطبيعية، على الرغم من تدهور حالتها الحالية، مشيرا إلى أن التطوير لا يقتصر فقط على الترميم والتجديد وإنما إعادة تأهيل المبانى والمرافق الأساسية، وتنظيم الأنشطة التجارية داخل الوكالة، وتحسين مستوى النظافة والأمن، والحفاظ على الطابع التراثى مع إدخال عناصر عصرية.
خطر الإهمال
وكشف «سامح» عن أن هناك العديد من الأسباب التى تُبرز ضرورة ترميم وتطوير وكالة ثابت بأسيوط، أولًا: اعتبارات السلامة العامة، حيث تعانى بعض أجزاء الوكالة من تشققات وتهالك فى الأسقف والجدران ما يشكّل خطرًا مباشرًا على التجار والمترددين، خاصة فى أوقات الزحام أو خلال فصل الشتاء، مؤكدا أن استمرار الوضع الحالى قد يؤدى إلى حوادث لا تُحمد عقباها، وثانيًا: التأثير على الصحة العامة من سوء التهوية وتراكم المخلفات وتهالك شبكات الصرف، فكلها عوامل تسهم فى انتشار الروائح الكريهة والحشرات، وهو ما ينعكس سلبًا على صحة العاملين والمواطنين، خاصة مع وجود أنشطة تجارية تتعلق بالمواد الغذائية.
وقال مفتش آثار غرب أسيوط: إن ثالث الأسباب يتمثل فى فقدان القيمة التراثية، حيث تُعد وكالة ثابت جزءًا من النسيج العمرانى القديم لمدينة أسيوط، وإهمالها المتواصل يهدد بفقدان طابعها التاريخى والمعمارى، مشددا على أن المهتمين بالتراث يرون أن ترميم الوكالة مع الحفاظ على شكلها الأصلى يمثل حفاظًا على ذاكرة المدينة وهويتها، منوها بأن رابع الأسباب هو تراجع الجدوى الاقتصادية من خلال غياب التطوير ما أدى إلى عزوف عدد من التجار عن العمل داخل الوكالة، وانتقالهم إلى مناطق أكثر تنظيمًا وحداثة، ما تسبب فى تراجع الحركة التجارية وانخفاض العائد الاقتصادى، سواء للتجار أو للمحافظة.