رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حوار صامت على قبر الفيلسوف مراد وهبة (1) ابن رشد «ميت» فى الشرق «حى» فى الغرب!!


15-1-2026 | 07:46

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

عندما تُرجمت مؤلفات «ابن رشد» حول العالم، حدثت حوارات جدلية غشيت البشرية، فنشأ تيار فلسفى فى أوروبا يسمى «الرشدية اللاتينية». هذا التيار الوليد دخل فى صراع مع السلطة التى كفّرته، حتى أن زعيم هذا التيار قُتل بطعنة فى الظهر من سكرتيره الخاص. ورغم اغتياله استطاع أن يؤدى دورا فى تأسيس الإصلاح الدينى فى أوروبا فى القرن السادس عشر، والتنوير فى القرن الثامن عشر.

 
 

بدون «ابن رشد» وتياره الفكرى كان من الصعب على أوروبا أن تخرج من العصور الوسطى، من هنا تأتى الأهمية العظمى لهذا المفكر العظيم.

طيّب الذكر، الفيلسوف المصرى د. مراد وهبة الملقب بـ«ابن رشد المصري» نذر حياته لإحياء فكر وفلسفة ابن رشد فى المشرق العربى، وكان يعتقد دون ابن رشد ستظل المنطقة فى ركود فكرى، موات عقلى، تعمه فى ظلمات ابن تيمية.

حمل طيب الذكر الدكتور مراد وهبة على عاتقه أمانة ابن رشد الأندلسى طويلا، زهاء ثمانين عاما من عمره الذى بلغ المائة إلا شهورا، ورحل عنا تاركا أفكار (ابن رشد) أمانة، منْ يحملها بعده؟ هذا سؤال صعب الإجابة عنه.

الأمانة الرشدية ثقيلة، وحملها يتطلب عزما شديدا، ومنْ يحملها لهو من أولى العزم.

تحمل الدكتور مراد وهبة كثيرا من العنت والإيذاء، حتى فى تشييعه لم يرحمه غلاة المتطرفين، واتهم من قبلهم بأنه «سيء الطوية» فى تبنى منهج ابن رشد الأندلسى.

عندما كان الدكتور مراد وهبة عضوا فى لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة قال له أحد الأعضاء إذا لم تكف عن مهاجمة الجماعات الإسلامية سأصدر أمرا بقتلك، وتلقى تهديدات بالقتل، لكنه لم يخشَ ولم يتراجع ولم يتولَ يوم زحف طيور الظلام على بساتين الوطن.

فى بحثه الدائب وجد د. مراد وهبة وباء فى الحضارة الإنسانية فيما أسماه «ملاك الحقيقة المطلقة»؛ لأن العاهة هنا أن تنشأ أحزاب أو أنظمة أو مؤسسات تعتقد بأنها تملك الحقيقة المطلقة، بينما الحقيقة المطلقة ليست سوى وهم!

* على قبره سألته مسجى، إذا كانت الحقيقة المطلقة وهما.. هل يمكن أن تكون هناك حقيقة نسبية؟ ** أجابنى من قبره بـ(لا) قاطعة؛ لأن الحقيقة يمكن مع تطور الواقع تصبح غير حقيقية، الأرض مركز الكون وهذه حقيقة مطلقة. ولكن إذا قال آخر إن الأرض ليست مركزا للكون وثبت ذلك فتكون هذه الحقيقة غير مطلقة. إذن لا بد من عدم التحدث عن أى حقيقة. لذلك إذا كنا نبحث عن حقيقة سواء مطلقة أو نسبية فنحن نبحث عن وهم!

* إذن ما البديل للحقيقة؟

** إذا تأملنا الثورة العلمية والتكنولوجية نجدها تتميز بانفجار المعرفة، والمعرفة عبارة عن معلومات نربطها بالعقل حتى ننتهى إلى المعرفة، وهى فى هذه الحالة تكون معرفة قادرة على تغيير الواقع. هذا الأمر استوحاه د. مراد وهبة من الفيلسوف الإنجليزى «فرانسيس بيكون» عندما قال إن «المعرفة قوة»، حينها اندهش لأنه أدرك أن المعرفة مؤثرة وتقوم بالتغيير.. حينها تساءل:

* هل الوضع فى العالم الإسلامى أسوأ مما كانت عليه أوروبا فى العصور الوسطى؟

**نعم.. يقولها د. مراد بقلب يقطر مرارة، هنا يوجد وعى لدى القوى الرجعية الممثلة فى (الإخوان والسلفيين)، بخطورة ابن رشد، لذلك يتوفرون على تكفيره، ويجهضون أى حركة خاصة بمحاولة إحياء «ابن رشد»، ويتربصون بأى فكرة مبدعة وجاهزون دائما لاغتيالها، أما النخبة فهى غير متلاحمة، وغير منشغلة بهذه المسألة.

كلما حاول أحد إحياء ابن رشد يقتلونه من جديد، ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب، ومنْ يحل هذه المعضلة ينقذ العالم الإسلامى من التخلف.

* هل يمكن أن يعيش ابن تيمية وابن رشد معا؟

** يشيح د. مراد بوجهه فى إجابة قاطعة: التناقض حاد بينهما، إما ابن تيمية أو ابن رشد، هنا على أرض العرب يقف رجلان، تبدو هيئاتهما وكأنهما جاءا من الأزمان الغابرة، أحدهما يأتى من القرن الثانى عشر والآخر من القرن الثالث عشر، الأول يدعى «ابن رشد»، والآخر يسمى «ابن تيمية» . لكن كلا منهما يشهر سلاحه فى وجه الآخر، يتقدم «ابن تيمية» وبضربة قاضية يصرع منافسه، ثم يمشى مزهوا وسط رهط من أتباعه. يتكرر الصراع يوميا وفى كل مرة تأتى النتيجة واحدة!

* لكن لماذا ينتصر «ابن تيمية» فى هذا الصراع؟

** سألت البروفيسور فأجاب: هناك مسار فكرى داخل العالم الإسلامى ينطوى على تناقض بالنسبة لعلاقة العالم الإسلامى بالفكر اليونانى القديم، تياران؛ الأول يرحب بالتفاعل مع الفلسفة اليونانية القديمة، والآخر يرفض باعتبارها فلسفة وثنية.

فى العصر العباسى ازدهر التيار الأول وحدث التفاعل مع الفكر اليونانى، وأصبحت هناك ترجمة فى القرن الثامن للمؤلفات اليونانية، ولكن أغلب المترجمين كانوا من المسيحيين أو اليهود، ودلالة هذا أن المسلم كان يتخوف من الإقبال على ترجمة فكر وثني، بالرغم من أن التيار الذى نشأ فيه ينفتح على الفلسفة اليونانية.

التيار المضاد للفكر اليونانى القديم بدأ بفتوى من الفقيه «ابن الصراحي» الشاعر الصوفي، الذى قال إن المنطق والفلسفة شر، ومنْ يمارس الفلسفة يكون كافرا وزنديقا، وكان من نتيجة هذه الفتوى أن انتشرت عبارة من تمنطق فقد تزندق! أى الربط بين المنطق والزندقة ربطا عضويا.

(ونكمل الحوار الأسبوع المقبل)

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة