تبادل التأثير بين النص وبين الحالة، أو بين الحالة والحالة، أو بين المعارف أصبح من أهم مناهج النقد المعاصر، بل أصبح جزءا من الحياة ذاتها، ربما لأن ديمومة الحياة وتداخلها أصبحت أقوى من أن نمنع فكرة أن تتسرب إلى فكرة أخرى، أو نمنع صورة من أن تصبح سياقا لصورة أخرى، هذا التأثير فى الأشكال والمعارف يمكن أن يكون أساسا للبلاغة المعاصرة التى أصبحت ذات تأثير جمالى واضح،
بل أصبحت من الأفكار التى تقدم المزيد من التواصل بين الواقع وحالة التوازن، فلم تعد البلاغة فقط صورة من صور توصيل الدلالة، بل هى صورة توجه حواس الإنسان إلى المزيد من التأثير فى الدلالة وأشكالها، وفى الأشكال ودلالاتها، لا شك أن أهم عامل من عوامل التأثير المتبادل بين نص «الشحاذ» لنجيب محفوظ، وبين أهم الاتجاهات المعرفية والفلسفية التى كانت سائدة فى زمن كتابتها، كان من أسباب إخراجها على النحو التى جاءت عليه.
رجل يدرك بنفسه أنه مريض، فهو لا يستطيع أن يتعامل مع الحياة بكل جوارحه، ويحاول البحث عن سبب مرضه، فيرشده الأطباء، وترشده نفسه أنه فى حاجة إلى علاج، وأن علاجه أن يغير من ذاته، إن حياته لم تعد تسير على الوجه الذى أراده لنفسه، هذه هى الرواية، وهذه الفكرة المركزية فيها، ولذلك إذا أردنا البحث عن المتن الحكائى لرواية الشحاذ فلن نعثر إلا على تلك الفكرة الجوهرية، وهى التى تتجسد فى شخصية عمر الحمزاوي، وفى كل جزء من أجزاء الرواية، فما الذى جعل محفوظ يقدم الرجل على هذه الهيئة؟
وتفسير هذه الحالة يظهر هنا من خلال أسباب متعددة، منها:
أولاً: أن محفوظ كان من دارسى الفلسفة، والفلسفة ذات تأثير على مؤلف يبحث عن التجديد، وربما لأن الفكرة فلسفية وسيكولوجية فى آنٍ واحد.
ثانيا: تأثير الاتجاهات الفكرية والمذاهب الأدبية التى كانت ما تزال أصداؤها مؤثرة على الواقع والحياة الإنسانية.
ثالثا: السياق الزمنى الذى كان نجيب محفوظ يعيش داخله كمرحلة من مراحل الكتابة التى مر بها؛ إنها حوار فلسفى بين الأفكار والإنسان وبين الإنسان وذاته ومحاولة من محاولات اكتشاف الإنسان لذاته.
رابعا: بتأثير من الحرب العالمية الثانية، كان العالم يمر بأزمة نفسية مثلها محفوظ فى رجل يحاول أن يجد ذاته الحقيقية وسط الأفكار العبثية التى يعيش الناس فى داخلها.
فى تلك الفترة من حياته نجد أن هناك تواصلا فلسفيا وفكريا بين رواية الشحاذ، وهى رواية البحث عن الذات، ومسرحية الألمانى بيتر فايس «كيف تخلص السيد موكيمنبوت من آلامه» بالكيفية التى تجعله يدرك أنه يعيش حياة تسيطر عليه فيها ذات غير ذاته، فهو يمر بمرحلة نفسية مؤلمة ويحاول أن يجد ذاته عند الطبيب مرة وعند رجل الدين مرة وعند الساحر مرة، ولكنه يدرك أن مرضه مطمور فى ذاته، وبذلك تكون الحكاية بين ذاته وذاته أو بين ذاته والواقع أو بين ذاته والأفكار التى يعيش فيها، وفى رواية الشحاذ نجد عمر الحمزاوى يدرك فجأة أنه مريض؛ فكان عليه البحث عن شفاء؛ أى هو يبحث عن ذاته، فانتابته حالة مفادها أنه فى حاجة إلى حياة ثانية مع امرأة أخرى، فأخذ يجرب ذلك، ثم يدرك فشل هذه المحاولة، وينتقل إلى حالة من البوهيمية المتصوفة التى يناجى فيها الأشياء حتى يصل إلى الاعتقاد أنه يناجى الله، فيدرك ويدرك الآخرون أن ذلك الطريق ما هو إلا سراب، وتأتى الأحداث المصاحبة لتفكير عمر الحمزاوى ممثلة لمفردات الحالة مثل: الابنة، والزوجة، والأصدقاء، وهى مفردات بمثابة العوامل المحفزة على اختيار الحالة أو صده عنها، وهنا نرى أن نجيب محفوظ فى سردياته يحاول اجتياز المناطق ذات الحساسية الفكرية والدينية.
ليست رواية بيتر فايس هى الأثر الوحيد الظاهر فى رواية الشحاذ، بل هى مجموعة من العوامل المؤثرة سالفة الذكر. وهذا يعنى أننا أمام تمثيل فكرى يتخذ من الواقع والفلسفة والاتجاهات الفكرية المعاصرة أساسا مرجعيا، إضافة إلى التأثر بهذا التمثيل المتعدد الأوجه يمكن أن نرى هذا التداخل بين أفكار وأفكار، وبين سلوكيات وسلوكيات موازية، وبين تصورات حياتية أخرى، وبذلك تنتقل عملية التناص من شكلها المتعارف عليه إلى نوع من التناص بين المعارف بعضها.
«إن تأثير المعرفة المعاصرة على البلاغة فى النظرية الغربية كان له دور ظاهر فى تطوير النظرية البلاغية»، كذلك فإن العقل أو الدور الذى يقوم به العقل فى تصوره للزمن وللمنطق وللفكرة أساس جوهرى ليس فى تطوير البلاغة العربية فقط، بل فى إيجاد واكتشاف أدوار مجازية، غالبا الأداة الوحيدة التى تصوغ الفكرة المجازية هى القرينة الدلالية كما كان يحدث فى البحث عن الاستعارة المكنية فى الكلمة، ولكن التفكير الجمالى المعاصر يجعل جلّ اهتمامه فى السياق المتوارى خلف الكلمة والموقف الذى يقدم تصورا موازنا، وبالتالى نخرج من ضيق الأفق الدلالى إلى أفق عقلى وفكرى يحول الصورة الصغيرة إلى سياق، والسياق إلى موقف والموقف إلى فكرة جوهرية، والفكرة إلى تصور، وهكذا.
ففى بلاغة عمر الحمزاوى الرمزية كان السياق متواريا خلف الشخصية المحورية، وكانت المواقف هى التى تحدد صورة التفكير، ومن ثم نستطيع أن نقدم رمزا مجسدا فى شخصية واحدة ومصاحباته على النحو الذى يجعل من عمر الحمزاوى سياقا ومتنا سرديا فى آنٍ واحد، وفى نهاية النص يتحولان إلى التفكير الإنسانى الذى يشير إلى شخصية تبحث عن الخلاص.
فى رواية الشحاذ لسنا بصدد المنطق المجازى بل بصدد مجاز المنطق، ولسنا بصدد المعرفة المجازية، ولكن بصدد مجاز المعرفة، ولسنا بصدد المجاز العقلي، ولكن بصدد مجاز العقل؛ وهذا يجعلنا مباشرة أمام تحول فى رؤية الأشياء وطبيعتها، والعلاقة التى تنشأ بين الإنسان وبينها، وهذا ما حرص عليه نجيب محفوظ، وهو يقدم رجلا اكتشف فجأة أنه عاجز عن ممارسة الحياة، فبدأ بالبحث عن أسباب منطقية حتى يتحرر مما هو فيه، وهذا البحث يقوده إلى معرفة جديدة، صحيح أن المعرفة جزء منها يقيني. ولكن الجزء الآخر قد يحوّل اليقين إلى معرفه ضدية، وهذا ما حوّل عمر الحمزاوى إلى ممارسة هذه المعرفة وأصبح جزءا من مجازها، وكان سلوكه منطقيا فى الظاهر، وأصبح هو إحدى أدوات مجاز المنطق الذى نكتشف من خلاله صورا بلاغية جديدة ومجازا فكريا ومعرفيا يتكون فى الواقع.