قدر مصر أنها كبيرة أمتها العربية، تحمى أمن عواصمها وقت الخطر، وتصون وحدة أراضيها عند الضرورة، وتؤمن مصالح شعوبها عند الحاجة، وفى ذات الوقت تتمسك بثوابتها التاريخية الأصيلة، بداية من الحفاظ على دولة المؤسسات، والوقوف بالمرصاد لأية كيانات موازية أو غير شرعية تتربص ببنية الدولة، وتترقب حالة الفوضى، وتتحين الفرصة للانقضاض على القانون، وممارسة جريمة الإقصاء بين أبناء الشعب الواحد، وهنا دائما تظهر القاهرة بلا تردد لتقديم يد العون والمؤازرة بنية صادقة فى الإنقاذ حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه بالدخول فى متاهات الصراعات، وفخ الضياع، كما أن الدولة المصرية حريصة بكل السبل على عدم التدخل فى الشئون الداخلية لأى دولة، وتؤمن عن يقين، وتدرك عن قناعة أن لكل دولة ظروفها الخاصة، وأوضاعها الداخلية، وصاحب القرار الحاسم فيها هو الشعب، ومن حقه أن يختار المسار الذى يناسبه، والطريق الذى يحقق غايته وطموحاته لوطنه، فـ «أهل مكة أدرى بشعابها»، ولم يحدث أن غيرت القاهرة هذا المبدأ الثابت، بل إنها تتحمل فى ملفات عربية عدة، ما لا تطيقه قوى كبرى فى سبيل توفير كل الضمانات لتظل كلمة الشعب هى العليا، وكلمة مروجى المخططات الهدامة هى السفلى.
وفى نفس الاتجاه، دائما تتواجد القاهرة فى أول الصف للتهدئة، وإصلاح ذات البين عند نشوب خلاف بين القوى السياسية فى أى دولة شقيقة، من أجل وأد الفتنة فى مهدها، والقضاء عليها قبل خروجها عن السيطرة، لأن انطلاق شرارة الصراعات واستخدام القوة يمكن تحديد ساعة الصفر لبدايتها، لكن النهاية تظل مفتوحة السيناريوهات، متعددة الاحتمالات، متتابعة الجولات، ومع اختلاف الأهواء وتباين المصالح وتعدد الأطراف تتسع دائرة الأزمة، وتمتد هوة العداوة، والخاسر الأكبر أصحاب الأرض، شعبا وقيادة وحكومة، أما الآخرون من اللاعبين القادمين من الخارج، فكل طرف منهم يبحث عن مكاسبه سواء كانت ميدانية أو عسكرية أو اقتصادية، وكلما زادت حدة الاستقواء بالخارج من الأطراف المتنازعة طلبا للنصرة، ودعما للقدرات فى مواجهة بنى وطنهم، تعقدت المشكلة أكثر، وتدهورت الأحوال بشكل أبشع، لأن غالبية القوى الدولية تجد ضالتها فى الحرب بالوكالة، واستخدام ميليشيات المرتزقة والجماعات الإرهابية فى الوصول إلى مآربها، ولا عزاء لسيادة هذه الدولة، ولا وزن لمصير شعبها، وهو الخطر الذى لا تكل الدولة المصرية من تحذير الأشقاء من الوقوع فى مطباته الوعرة، ومنزلقاته الموحشة، وللأسف تتكرر المحنة، وتتوالى المأساة من عاصمة لأخرى رغم أن الحذر واجب، والخطر على مرمى البصر.
ويحسب للدولة المصرية أنها لم تتخل عن انشغالها باستقرار الدول العربية رغم التحديات الجسام التى واجهت ولاتزال الأمن القومى المصرى فى ملفات عدة، وجبهات شتى منذ ثورة 30 يونيو العظيمة، خصوصا فى ظل التحالف بين قوى الشر، من التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية وبين الأجهزة الاستخباراتية الحاقدة على مسيرة التنمية الشاملة فى الجمهورية الجديدة، بل إن الحقيقة المؤكدة بالوقائع، والموثقة بالمواقف، أن القاهرة واصلت مسيرة احتضان الأشقاء، وتبنت مسار احتواء أزماتهم من سوريا إلى اليمن مرورا بليبيا والسودان وحتى القضية الفلسطينية، وترفعت كثيرا عن الصغائر، وتنزهت عن الدنايا، فلم تغضب من إساءة صناع الأكاذيب، ولم تهتم بافتراءات المتنطعين، ولم ترفع يدها بحجة أن هناك خبثاء يشوهون جهودها أو يتقولون عن دورها، بل تعاملت بمنطق الحق، والأمر الواقع على الأرض، فهى كبيرة العروبة، وحصن وحدة دولها، ودرع استقرارها، فلا مانع من تسديد الفاتورة، وليس هناك من يستطيع أن يفعل ذلك غير مصر، بحكم التاريخ ومعالم الجغرافيا.
القاهرة فى كل الأزمات العربية هى صوت العقل، ونبض الحكمة، ومرجعية الضمير، لأنها دائما صاحبة موقف مشرف، ورأى سديد، وبصيرة فى قراءة المشهد، وخبرتها التاريخية، وتجاربها الدولية وطَّنتها على التصرف برصانة، والحديث بثقة مع إجادة المنطق ومراعاة كل الأبعاد، فهى لا تفرض رأيا لكنها تتمسك بالحق، وتسعى للحل لكنها لا تشارك فى ظلم، وقد تيقنت كل العواصم العربية والغربية على مدى سنوات طويلة، وعقود كثيرة أن الدولة المصرية لم ولن تتورط أبدا فى أى مؤامرة لتقسيم بلد، وهدم مؤسساته الوطنية، وتدمير مقدراته، وتهجير شعبه مهما كانت الصعوبات، لأن العقيدة المصرية العض بالنواجذ على وحدة الأوطان، واحترام سيادة البلدان، ولذلك فور أن تلوح فى الأفق أدخنة نيران أى صراع بين الدول العربية تسبق القاهرة الجميع من أجل إطفاء بؤر القتال، وسد ذرائع الخلاف، بالتوسط بين المتنازعين بنزاهة لعودة الاستقرار، وإصلاح المسار، لا تنتظر مكسبا ولا تبحث عن مصلحة، لا يهمها إلا صالح الأشقاء، وتضميد جراحهم، وتأمين مستقبلهم، وفى الوقت الذى تواصل فيه جولات إخماد الخصومات، والعودة للسلام بالجلوس إلى مائدة المفاوضات بلا شروط أو تدخلات خارجية، تفتح المحروسة أبوابها لكل من يلوذ بها أو يلجأ إليها بحثا عن الأمن والأمان، وهربا من الظلم والطغيان، ويقيمون ضيوفا كراما بين المصريين بلا حواجز ولا موانع، مرحبا بهم من الدولة والشعب معا على عكس كل دول العالم شرقا وغربا، ولعله سر من أسرار حفظ العناية الإلهية لاستقرار مصر جيلا بعد جيل.
إن تمسك القاهرة ببقاء الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية أساس متين، وقاعدة ثابتة لدى الجمهورية الجديدة عند التعامل مع أى أزمة تتعرض لها دولة عربية بل وغير عربية، لأن مصائر البلدان ومقدرات الشعوب لا يمكن تركها للمصادفة أو التجربة، فلا مانع من الحراك السياسى ولا غضاضة من حكم صناديق الاقتراع، ولا ضير من المعارضة الوطنية التى لا تفسد للوطن قضية، أما الانسياق وراء الدعوات المشبوهة، والانخداع فى المخططات الهدامة، والسير نياما خلف صناع مؤامرات الفوضى فهى الطامة الكبرى، والكارثة التى تأكل الأخضر واليابس، وهذا ما عانت منه بشدة عدة دول عربية فيما سمى بالربيع العربى وهو فى حقيقته خريف مدمر، استجابة لنداءات خارجية وصيحات داخلية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ولم يفلت من هذه المأساة إلا القاهرة نتيجة الاصطفاف الوطنى، والوعى الشعبى وشجاعة وحكمة الرئيس السيسى مع قوة مؤسسات الدولة الوطنية التى صمدت فى وجه الأعاصيرالمدوية، وقاومت الرياح العاتية، بينما تخبطت عواصم أخرى، وانهارت دول كاملة، وليس ما يحدث منذ أكثر من عشر سنوات فى اليمن أو ليبيا أو سوريا وحتى السودان ببعيد، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومن يراجع كلمات الرئيس السيسى فى كل المحافل الدولية أو المنتديات الأممية وصولا إلى الاجتماعات الثنائية مع كبار المسئولين وقادة العالم منذ 2014 يدرك بسهولة، ويعى بيسر أن القاهرة لاترضى بديلا عن سيادة البلدان ووحدة أراضيها وتحقيق السلام العادل والمستدام، وعلى سبيل المثال لا الحصر، سأكتفى هنا بما أعاد الرئيس التأكيد عليه خلال استقباله مؤخرا كايا كالاس، الممثلة العليا للشئون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبى، بداية من الأوضاع فى قطاع غزة، بالتشديد على رفض أي مساع لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، والتأكيد على ضرورة الإسراع فى بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وعملية إعادة إعمار القطاع، وحتمية مواصلة العمل لاستئناف العملية السياسية وصولاً إلى تحقيق سلام شامل وعادل ودائم، وفقاً لحل الدولتين، وبالطبع دور مصر المحورى معلوم للجميع فى إفشال مخطط التهجير، ومنع تصفية القضية الفلسطينية، والمطالبة بحقوق الفلسطينيين، أما عن الوضع فى ليبيا والسودان وسوريا ولبنان وإيران وأوكرانيا، تم التأكيد الرئاسى على ضرورة تسوية الأزمات ذات الصلة بالطرق السلمية وبما يحافظ على وحدة وسلامة تلك الدول ومقدرات شعوبها، مع التشديد على ضرورة تجنب أي تصعيد عسكرى لما سوف يترتب على ذلك من تداعيات وخيمة ستؤثر على الجميع، وتلك رؤية مصرية ثابتة لا رجوع عنها، ومذهب رشيد لا تفريط فيه.
وعلى نفس النهج، وتنفيذا للتوجيهات الرئاسية يسير د.بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية فى جميع الفعاليات وكل اللقاءات، لتوضيح الثوابت المصرية الحاسمة، وهذا ما تجلى خلال كلمة مصر التى ألقاها أمام الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامى بجدة، برفض القاهرة القاطع، وإدانتها الكاملة، لأي اعتراف أحادى الجانب وغير مشروع بما يُسمّى أرض الصومال لما يمثله ذلك من انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولى، ومواثيق الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامى، وجامعة الدول العربية، والقانون التأسيسى للاتحاد الإفريقى، وخاصة فيما يتعلق باحترام سيادة الدول وحدودها الدولية ووحدتها وسلامة أراضيها، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وأن هذا الإجراء من إسرائيل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تقوض النظام الدولى القائم على احترام الحدود الدولية، وتهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين، لاسيما في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في وقت تتطلب فيه التحديات المتنامية تعزيز التعاون، لا إذكاء الانقسامات، كما أن دعم الحوار الداخلى الصومالى - الصومالى، باعتبار أن هذه المسارات هى السبيل الوحيد المشروع لمعالجة الأوضاع الداخلية وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار للشعب الصومالى الشقيق.
أما عن مستجدات الأوضاع فى اليمن، فقد أكد «د.عبدالعاطى» خلال لقائه على هامش الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي مع نظيره اليمنى د.شائع محسن الزندانى على موقف مصر الثابت والداعم لوحدة الجمهورية اليمنية وسيادتها وسلامة أراضيها، وأهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، بما يصون مقدرات الشعب اليمنى الشقيق، ويحول دون انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، مع أهمية التوصل لحل سياسي شامل عبر حوار يمنى - يمنى جامع، يفضى إلى تسوية شاملة تلبى تطلعات الشعب اليمنى فى الأمن والاستقرار والتنمية، وأيضا شدد «د.عبدالعاطى» على أن الدولة المصرية متمسكة بالدعم الثابت لوحدة السودان وسلامة أراضيه، والحفاظ على سيادته ومؤسساته الوطنية خلال مقابلته مع محيى الدين سالم، وزير خارجية السودان، ويتكرر نفس الموقف الراسخ فى شأن الملف الليبيى.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء