رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الصين تعاقب اليابان بسبب تايوان حـــرب المحــــــار


12-1-2026 | 06:05

.

طباعة
تقرير: يمنى الحديدى

عقاب من نوع خاص طالما اعتمدته الصين ضد جارتها اليابان وهو حظر دخول المأكولات البحرية اليابانية إلى الصين، وبعدما كاد ينتهى هذا العقاب فى نوفمبر الماضى، وتعود المياه إلى مجاريها، صرحت رئيسة وزراء اليابان بأنها على استعداد للدفاع عن تايوان، الأمر الذى أعاد العلاقات بين البلدين إلى نقطة البداية.

فى نوفمبر الماضى غادرت سفينة تحمل ستة أطنان من محار الهوكايدو من ميناء شمال اليابان متجهة نحو الصين، وكادت هذه الشحنة أن تكون علامة فارقة، ودليلاً على تحسن العلاقات بين البلدين، بعد أن رفعت بكين حظرًا دام لسنوات على المأكولات البحرية اليابانية بسبب توترات بين البلدين.

لكن فى منتصف الرحلة تصاعدت التوترات مجددًا بين البلدين، عندما أبدت رئيسة وزراء اليابان استعدادها للدفاع عن تايوان ضد الصين، الأمر الذى لاقى ردًا حادًا من بكين، وأعلنت بكين مرة أخرى إعادة الحظر على المأكولات البحرية.

فى هوكايدو، الجزيرة الواقعة فى أقصى شمال اليابان،- والتى تعتبر المصدر الأساسى للمحار اليابانى- ينتاب الجميع الحيرة حول استخدام المحار كورقة للضغط السياسى، لكنها الصين التى يتوقع منها الأغرب دائمًا، فمع بروز الصين كقوة اقتصادية، أصبح مواطنوها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة مستهلكين أساسيين للسلع الدولية، واستخدمت بكين أسواقها كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية، فعلى سبيل المثال، فى السنوات الأخيرة، فرضت الصين حظرًا على استيراد الأناناس التايوانى، والنبيذ الأسترالى، وفول الصويا الأمريكى، ولحم البقر الليتوانى.

أما اليابان فيعود خلافها مع الصين إلى أغسطس 2023، وذلك بعد اعتراض بكين على تسرب مياه الصرف الصحى المعاجة من محطة فوكوشيما دايتشى النووية المتوقفة عن العمل، ورغم دفاع اليابان المستمر ومنظمات الأمم المتحدة عن ذلك بحجة أن المياه مفلترة ومخففة بشكل كبير احتجت بكين، وقامت بتعليق استيراد المأكولات البحرية اليابانية.

قبل تعليق الاستيراد، كانت الصين أكبر مستورد للمأكولات البحرية اليابانية وخصوصًا المحار (الإسكالوب)،الذى يمثل الجزء الأكبر من هذه التجارة، ويمتاز محار هوكايدو بطعمه الزبدى المميز، وغناه بالعديد من العناصر الغذائية المهمة، كما أنه يُباع بسعر مرتفع فى الصين، ويعد جزءًا أساسيًا من الولائم الاحتفالية الراقية.

وبالإضافة لاستهلاكه مباشرة فى الصين، تعد الصين أيضًا الوسيط المعالج لهذا النوع من الطعام قبل إعادة تصديره، مما يجعلها ضربة موجعة لليابان التى خسرت مستهلكًا ووسيطًا قويًا لأحد أهم منتجاتها.

ففى عام 2022، أى قبل عام من التوقف، صدرت اليابان ما قيمته حوالى 641 مليون دولار من المحار، واستحوذت الصين على أكثر من نصف إجمالى المبيعات، لكن فى العام التالى، انخفضت صادرات المحار بنسبة 30 فى المائة بسبب الحظر التجارى الصينى وتراجع الإنتاج فى تلك الفترة.

فى شركة كيوتشى، المتخصصة فى معالجة المحار فى هوكايدو، شكلت المنتجات المتجهة إلى الصين ربع إجمالى مبيعاتها لكن توقفت الشحنات فجأة بين ليلة وضحاها. وصرح تاتسوهيكو إيتورى، رئيس الشركة، بأنه لم يتوقع قط أن يصبح هذا النوع من الرخويات نقطة خلاف دبلوماسية عندما استحوذت شركته التى تتخذ من أوساكا مقرًا لها على كيوتشى عام 2022، أى قبل عام من حظر الاستيراد.

ولم تتوقف هذه المعضلة بين الصين واليابان، بل امتدت لأمريكا حليفة اليابان، التى اعتبرت حظر الاستيراد سلاحًا حقيقيًا موجهًا نحو حليفاتها، وقام حينها سفير الولايات المتحدة لدى اليابان، بتنسيق عمليات شراء بالجملة من المحار للجيش الأمريكى، ودعم حركة «هيا نأكل من اليابان»، ووصف حينها استهلاك محار الهوكايدو بأنه عمل وطنى لتحدى الصين.

وبدأت اليابان هى الأخرى فى خلق أسواق جديدة فانتقلوا إلى فيتنام ومناطق أخرى فى شرق آسيا، كما قاموا بالتصدير إلى الولايات المتحدة كلما أمكن ذلك، وفى عام 2024 ارتفعت حصة الولايات المتحدة من صادرات المحار اليابانى إلى 28 فى المائة بعد أن كانت نسبة ضئيلة للغاية.

لكن العام الماضى شهد تغيرًا فى الأوضاع الجيوسياسية مرة أخرى، ففى أبريل الماضى أعلنت إدارة ترامب عن حزمة من الرسوم الجمركية التى استهدفت شركاء الولايات المتحدة التجاريين بما فى ذلك اليابان وبالتالى محار هوكايدو أيضًا، واستغلت بكين هذا الموقف وبادرت لحل محل الولايات المتحدة وأعلنت أنها سترفع الحظر عن المأكولات البحرية اليابانية التى خضعت لاختبارات الكشف عن المواد المشعة.

وبالفعل تقدم لهذه الاختبارات 700 شركة يابانية تمهيدًا لتصدير منتجاتها فى ظل تراجع الطلب على منتجاتها، وبعد مغادرة الشحنة المكونة من ستة أطنان فى الخامس من نوفمبر الماضى بيومين، صرحت رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشى، أمام البرلمان الوطنى بأن أى هجوم صينى على تايوان قد «يشكل وضعًا يهدد بقاء اليابان»، مما يشير ضمنيًا إلى إمكانية استخدام اليابان للقوة العسكرية، كان هذا تصريحًا علنيًا نادرًا بشأن جزيرة تعتبرها بكين مقاطعة منشقة، لذا فى غضون أسبوعين جمدت بكين فجأة جميع طلبات تصدير المأكولات البحرية.

وبحسب الخبراء الصينيين فإن استهداف المحار خطوة منطقية فى استراتيجية الصين، لكن بالرغم من ذلك فإن تحدياتها الاقتصادية الداخلية تمنعها من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة قد تعرض علاقاتها التجارية مع طوكيو للخطر.

حيث تحاول الصين الضغط على اليابان وإثارة غضبها دون التسبب فى قطع شامل للعلاقات الدبلوماسية، لذا فهى تستخدم استراتيجية المحار، بالإضافة إلى نداءاتها الأخيرة لمواطنيها بتجنب السفر إلى اليابان.

ومع عودة «حرب المحار» عاود حلفاء لليابان مرة أخرى محاولات دعمها، ففى تايبيه، شارك الرئيس لاى تشينغ صورًا له وهو يتناول السوشى اليابانى، وطبعًا كانت من أبرز أطباقه محار هوكايدو.

فى هوكايدو هى الأخرى بدأ المنتجون يدركون أن عليهم الاعتماد على أنفسهم والاستغناء عن الوسطاء الصينيين، حيث أدخلت بعض الشركات مرحلة معالجة المحار، المهمة التى كانت توكل إلى الصين، وبدأت شركات أخرى باستخدام آلات تقشيرالمحار المدعومة حكوميًا لتحل محل العمل اليدوى الذى كان ينفذ سابقًا فى الصين، كما تسعى العديد من الشركات لمطابقة معايير السلامة المطلوبة لتصدير منتجاتها إلى الاتحاد الأوروبى. مؤكدين أن سياسة الاعتماد على السوق الواحد أصبح لا مكان لها.

الاكثر قراءة