رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«المتحف الكبير» يحرك مشاعر المصريين.. مطالب شعبية باسترداد آثارنا من الخارج


20-11-2025 | 18:38

.

طباعة
كتبت: أمانى عبدالحميد

لقطات صممها الذكاء الاصطناعى تظهر فيها الملكة نفرتيتى تبكى وتناجى المصريين كى تعود إلى بلدها مصر، تلك بعض من مشاهد أصبحنا نراها يوميا تكشف عن رغبة المصريين فى استعادة كل الكنوز الأثرية القديمة التى خرجت من مصر كى تعود إلى وطنها بعد رحلة طويلة من الغربة، وبعد افتتاح المتحف المصرى الكبير لم يعد هناك مبرر لتركها وحيدة فى الخارج مقطوعة الصلة بموطنها التى عاش أصحابها على أرضه وماتوا وخلدت ذكراهم تلك القطع الأثرية التى لا تقدر بثمن.

 

مشاعر وطنية فياضة تدفقت فى نفوس كل مَن زاروا المتحف المصرى الكبير، شاهدوا بأعينهم كيف يمكن للمتحف أن يحكى تاريخ الأجداد برشاقة وجمال، فلم تعد القطع الأثرية جامدة صامتة، بل باتت قادرة على استكمال الحكايات التى طالما افتقدها أهل مصر، لكن الأمر لم يقف عند ذلك بل تطور بشكل غير متوقع، وتحولت زيارة المتحف إلى حالة من الشيفونية المصرية المحمودة، وتصاعدت الأصوات المطالبة بعودة آثار مصر من الخارج، فلم يعد مقبولا بين المصريين أن يظل رأس الملكة نفرتيتى وحيدًا داخل قاعة فى المتحف الجديد بالعاصمة الألمانية برلين، ومعه آلاف القطع الأثرية التى خرجت من مصر لتزدان بها متاحف العالم، ويأتيه الزوار من كل مكان ليتأملوا جماله، غادر بلاده قبل قرن أو أكثر ليستقر هناك وحيدًا داخل فاترينات عرض أجنبية، كما هو حال رأس الملكة نفرتيتى وحجر رشيد فى المتحف البريطانى، وسقف معبد دندرة الذى يحوى رسومات الزودياك أو الأبراج الفلكية، والمعروض فى متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس، كل منه صار رمزا فتح باب الجدل حول الملكية الثقافية والعدالة التاريخية، بعد أن صار لدى مصر اليوم بنية مؤسسية ومتاحف قادرة على استضافة كنوزها القديمة.

وبقراءة تاريخ مصر، نجد أنه مملوء بقصص عن خروج أعداد كبيرة من القطع الأثرية، بعضها قاسٍ ودامٍ قام بها المستكشفون الأوروبيون منذ القرن الثامن عشر وبداية دخول البعثات الأوروبية إلى مصر بغرض الاستكشاف والتنقيب عن الآثار، وقتها نشطت عمليات جمع الآثار ونقلها إلى خارج مصر، التى لم تمتلك قوانين واضحة لحماية الآثار، لكن مع بداية القرن العشرين، ومع تأسيس مصلحة الآثار المصرية بقيادة الفرنسى الشهير غاستون ماسبيرو، بدأت أول محاولات مصر فى تقنين عمليات التنقيب عن الآثار، لكنه سمح لسنوات طويلة، ما يطلق عليه اسم نظام القسمة أو النصف بالنصف بين البعثة الأجنبية والدولة، وهكذا خرجت آلاف القطع، وكان بعضها استثنائيا، إلى برلين وباريس ولندن وفيينا وغيرها، تحت مسمى تقسيم مكتشفات البعثات.

ومع منتصف القرن العشرين، تغيرت الأوضاع بشكل جذرى خاصة مع تزايد الشعور بالروح القومية المصرية، والوعى بالحق فى حماية التراث، وباتت كنوز مصر المعروضة فى كل متاحف العالم والتى تخطى عددها المليون قطعة أثرية، طبقا لبعض المصادر، وأصبحت تمثل وجهًا للاستنزاف الثقافى، ومع حرص الدولة المصرية على بناء متاحف حديثة وفى مقدمتها المتحف المصرى الكبير، صارت حجة المصريين أقوى، وتزايدت المطالبات بعودة الكنوز بعدما باتت مصر تمتلك القدرة المؤسسية والتقنية لحفظ وعرض كل ما خرج منها.

إلا أن تلك المطالبات ليست قانونية بشكل واضح، هى فى الأصل شعبية نابعة من المصريين أنفسهم، وهى أيضا مطالبات منطقية لاستعادة السرد الحضارى لكل قطعة أثرية، من وجهة نظر البعض، فما قيمة قطعة أثرية سواء كانت تمثالا أو مومياء أو تابوتا ملكيا معروضا داخل قاعة متحف لا ينتمى إلى سياقها التاريخى أو الروحى؟ فهى ببساطة ليست مجرد قطع فنية، إنما رموز لحضارة وتفصيلة ضمن قصص تحكى تاريخ كل مَن عاش هنا على أرض مصر.

وهو ما حاول عالم الآثار، الدكتور زاهى حواس، وزير الآثار الأسبق، أن يحققه عبر إطلاقه عددًا من المطالبات باسترجاع عدد من أهم القطع الأثرية، التى يرى أنها خرجت بطرق غير شرعية أو باستخدام أسلوب التدليس، وطبعا فى مقدمتها تمثال رأس الملكة نفرتيتى وحجر رشيد، ومن وجهة نظره فإنه لا يضيع حق وراءه مطالب، ومن هذا المنطلق تجددت مطالبه بعودة الحجر الذى خرج ضمن قسمة بين فرنسا وإنجلترا فى حين خرج تمثال الملكة الذى يرجع تاريخه لأبعد من 3400 عام بالتدليس، حيث طالب المصريون بالاقتراع على شبكة الإنترنت كى تتحول لوسيلة ضغط شعبية قادرة على تحريك الأوضاع الدولية، حيث أكد فى وثيقته الإلكترونية أن السجلات المعاصرة واللاحقة التى توثق عمليات التنقيب وتوزيع الاكتشافات من مجموعة القطع الأثرية التى تضم تمثال نفرتيتى؛ تؤكد أن التمثال قد تم نقله خارج مصر، بما يخالف حرفيًا روح القوانين المصرية السارية فى ذلك الوقت، ومنذ النشر الكامل الأول لتمثال نفرتيتى، والذى لم يظهر إلا بعد أكثر من عقد من اكتشافه فى عام 1912 على يد لودفيج بورخارت بذلت مصر عددًا من المحاولات لاستعادة هذا التمثال الثمين، كما أشار إلى أن نفرتيتى وتمثالها كانا بمثابة «سفيرة مصر لدى ألمانيا» على مدى العقود الماضية، مؤكدًا أن «دبلوماسيتها الرمزية والثقافية» لن تقتصر على حضورها الجسدى فى المتحف الجديد، مرحبا بكل الزائرين والمواطنين والعلماء الألمان لتأمل تمثالها النصفى الذى يكشف عن مواطن الإنسانية المشتركة على غرار القناع الأيقونى للملك توت عنخ آمون، ويردد قائلا: «تلك القصة يمكن سردها من موطنها الأصلى»، لذا يناشد «حواس» المجتمع الدولى، ويطالب بإعادة التمثال الملكى لعرضه داخل المتحف المصرى الكبير.

ومؤخرا، تمكنت مصر من استرداد 36 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، وهو ما أكده شريف فتحى وزير السياحة والآثار، بقوله: «استراد هذه القطع الأثرية يؤكد التزام الدولة المصرية الراسخ بحماية تراثها وصون ممتلكاتها الحضارية واسترداد آثارها التى خرجت بشكل غير مشروع»، مشيدا بالتعاون المثمر بين المؤسسات الوطنية المصرية والأمريكية، ولا سيما مكتب المدعى العام الأمريكى لولاية نيويورك، فى إطار مذكرة التفاهم الثنائية بين مصر والولايات المتحدة فى مجال حماية واسترداد الآثار، والذى يعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية مكافحة الاتجار غير المشروع فى الممتلكات الثقافية والأثرية وحماية التراث الإنسانى، مؤكدًا مواصلة العمل لاستعادة كل قطعة خرجت من مصر بطرق غير مشروعة.

وكانت وزارة السياحة والآثار قد بذلت جهودا كبيرة من أجل تنفيذ عملية الاسترداد ممثلة فى المجلس الأعلى للآثار وبالتنسيق الكامل مع وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، وإدارة التعاون الدولى بمكتب النائب العام المصرى، وكافة الجهات الأمنية والرقابية المعنية داخل مصر، وتسلمت لجنة أثرية هذه القطع لإيداعها فى المتحف المصرى بالتحرير، تمهيدا لترميمها وعرضها بالمتحف، وفقا لسيناريو العرض الخاص به.

وأوضح الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن استعادة هذه المجموعة تمثل خطوة جديدة ضمن سلسلة إنجازات تحققت بفضل العمل العلمى والقانونى المنهجى الذى تتبعه الدولة المصرية فى ملف استرداد الآثار، وأن هذه القطع ليست مجرد مقتنيات تاريخية، بل شواهد حيّة على حضارة صنعها المصريون على مر آلاف السنين، وعودتها إلى أرض الوطن تتويج لجهود دؤوبة وتعاون دولى فاعل.

فى حين أكد الأثرى شعبان عبدالجواد، مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن القطع المستردة شملت ثلاث مجموعات رئيسية، تضمنت المجموعة الأولى 11 قطعة أثرية، سلّمها مكتب المدعى العام لولاية نيويورك، من بينها قناع مومياء لشاب من العصر الرومانى، وإناء على هيئة المعبود «بس»، ولوحة جنائزية من الحجر الجيرى من العصر الرومانى. أما المجموعة الثانية، فقام متحف المتروبوليتان للفنون بتسليمها إلى القنصلية المصرية فى نيويورك كمبادرة منه، فتضمنت 24 مخطوطًا نادرًا بها كتابات باللغتين القبطية والسريانية، وبالنسبة للمجموعة الثالثة، فتتكون من لوحة جصية ملونة من عصر الأسرة 18، تمّت مصادرتها من قِبل مكتب المدعى العام لولاية نيويورك، بعد ثبوت خروجها من مصر بطريقة غير شرعية.

ومعلوم أنها ليست المرة الأولى بالنسبة للآثار المصرية التى تتعرض لعملية سرقة أو خروج غير شرعى لتجد طريقها إلى صالات المزادات، ومعها تنشط جريمة أخرى يطلقون عليها «غسيل الآثار» المصرية داخل أوروبا، وهو المصطلح الذى يتم إطلاقه على عمليات إصدار أوراق ملكية مزورة تبدو كأنها أوراق ثبوتية للملكية تمهيدا لبيع القطع الأثرية بشكل قانونى على حد تعبير «عبدالجواد»، وهناك قطع يتم ضبطها بشكل يومى داخل مصر قبل تهريبها إلى الخارج، وقطع يتم ضبطها على الحدود المصرية، وأخرى على حدود الدول الأجنبية، وما يخرج من قبضة الرقابة يتم عرضه داخل صالات المزادات بعد غسيلها وعرضها بأوراق ملكية مزورة، علما بأن طرق التهريب متعددة، أشهرها تهريب القطع الأثرية داخل قطع أخرى مقلدة، مثلما حدث فى مصر حيث تم ضبط قطع مخبأة بنفس الأسلوب، كذلك فى بلجيكا عام 2009، وفى فرنسا عام 2010، وفى أعقاب ثورة يناير 2011؛ تعرضت كثير من المواقع الأثرية للسرقة وللحفر غير الشرعى خلسة، ما أدى إلى خروج عدد كبير من القطع الأثرية غير المسجلة، كثير منها يتم عرضها بسندات ملكية مزورة مغلوطة.

وهناك دول تتعاون دومًا مع مصر مثل أستراليا التى قامت بوقف مزاد علنى، لأن صاحبه لا يمتلك شهادات ملكية، وبعد التحقق من الأمر تم تسليم 17 قطعة أثرية لسفارة مصر فى أستراليا تمهيدا لعودتها، وفى مايو 2013 عرضت صالة مزادات «كريستي» إحدى القطع الأثرية المسجلة لدى مصر ضمن قائمة المفقودات، وتم إيقاف المزاد والتحقيق أثبت أن هناك إحدى عشرة قطعة أخرى خرجت بطريق غير شرعى، لأن القطع مسجلة، وتم اكتشافها فى عام 2000، فى حين أن أوراق ملكيتها التى حاول بيعها بها توضح أنها خرجت من مصر عام 1940، ما كشف عملية التزوير، كما تم إيقاف عملية بيع قطع أثرية ضمن مجموعة خاصة كانت معروضة داخل «آتون» جاليرى بألمانيا، لأنها كانت مسجلة لدى مصر ومسروقة عام 2013 من مخزن «الألفتين» بأسوان، حيث كانت البعثة السويسرية تقوم بأعمال حفائر علمية هناك.

وهناك بعثة أثرية، تعمل فى منطقة آثار سقارة، اكتشفت فى عام 2000 مجموعة من المقابر، وفى العام التالى اكتشف مقبرة أخرى، وكان بها كسر حديث، ما يدل على تعرضها للحفر خلسة وفقدان بعض القطع داخلها، دون أن تملك أى تسجيل أو وصف للقطع المفقودة.

ومن أجمل القطع الأثرية التى تم استردادها هو التابوت المذهب للكاهن «نجم عنخ» الذى كان بحوزة متحف المتروبوليتان، لكن بعد تحقيقات استمرت أكثر من عامين، عاد التابوت إلى مصر وأصبح جزءا من سيناريو عرض المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط، وبسبب التابوت الذهبى تم الكشف عن شبكة دولية لتهريب الآثار المصرية، والتى أسفرت عن استرداد 6 قطع أخرى كانت بحوزة متحف المتروبوليتان، وكذلك غطاء التابوت الخاص بكاهن مدينة هيراكليوبوليس «المدعو عنخ أن ماعت» الذى كان بحوزة متحف هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضح «عبدالجواد» أن غطاء التابوت كبير الحجم من الخشب المغطى بالكتابات الهيروغليفية ووجه ملون باللون الأخضر، وهو مزيّن بزخارف باللون الذهبى، لافتا إلى أن التابوت يتميز بحجمه الاستثنائى؛ إذ يبلغ طوله أكثر من ثلاثة أمتار.

وفى قلب المعركة الطويلة لحماية الذاكرة المصرية والتراث وصون هويتها الثقافية والحضارية، يقف قانون حماية الآثار المصرى كجدار صلب فى مواجهة جرائم سرقة الآثار والتراث، ومنذ صدوره عام 1983 وتعديلاته المتعاقبة، وضع تعريفا صارما للأثر، وأعلن ملكية الدولة المطلقة لكل ما أنتجته الحضارة المصرية فوق الأرض وتحتها، وأحاطها بالعقوبات الرادعة ضد التنقيب العشوائى والتهريب والاتجار.

وفى الفضاء الدولى، جاءت اتفاقية اليونسكو لحماية التراث لعام 1970 لتكمل هذا الدور، وأقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة فى دورته السادسة عشرة التى عُقدت فى باريس بتاريخ 14 نوفمبر 1971، حيث وضعت معايير عالمية لمنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، وألزمت الدول بتوثيق مصادر القطع وإعادتها إلى أوطانها الأصلية، وفى الفقرة «ج» من المادة رقم 4 نجد أنها تتحدث عن الممتلكات الثقافية التى تقتنيها البعثات الأثرية، وبشرط أن يكون ذلك الاقتناء بموافقة السلطات المختصة فى البلد الأصلى لتلك الممتلكات، وبالتالى فإن أية بعثة أجنبية تعمل فى مصر قبل عام 1970 واقتنت آثارًا وخرجت بها إلى بلدها؛ فإن نطاق الحماية القانونية لهذه الاتفاقية يمتد إلى تلك المقتنيات، بشرط أن يكون ذلك الاقتناء بموافقة السلطات المختصة فى مصر باعتبارها البلد الأصلى لهذه الممتلكات، وبين قوة القانون المصرى وشرعية الاتفاقية الدولية، تتشكل اليوم منظومة حماية متكاملة تمنح مصر حقا راسخا فى المطالبة بعودة كنوزها التى لا يحق لأحد أن يختلسها.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة