لكن المشهد فى عروس البحر المتوسط يبدو وكأنه يسير عكس الاتجاه؛ محال وأسواق جاهزة تنتظر مَن يعيد إليها الحياة، وباعة يفترشون الشوارع، ومواطنون يتقاسمون ما تبقى من الأرصفة مع البضائع والعربات، وبينما تتواصل جهود مواجهة الإشغالات، يظل السؤال حاضرًا بإلحاح: كيف تتحول الحلول التى أُنشئت لإنهاء الأزمة إلى أماكن مهجورة، وتبقى الأزمة نفسها حاضرة فى قلب الشوارع؟
يقول الحاج أبو الحسن، مالك أحد المحال بشارع خالد بن الوليد فى منطقة ميامى، إن الهدف من إنشاء مول نفق خالد بن الوليد كان واضحًا، ويتمثل فى توفير مصدر رزق كريم ومنظم للباعة، والحفاظ على حق المواطنين فى رصيف آمن وشارع خالٍ من الإشغالات، لا سيما أن المنطقة تعانى منذ سنوات من أزمة الباعة الجائلين، مضيفًا أن المول أُغلق بعد فترة من تشغيله، دون أن تتضح أسباب ذلك، فى حين لا يزال الباعة يفترشون أرصفة المارة على بعد أمتار قليلة منه.
ويطالب أبو الحسن محافظ الإسكندرية بإعادة النظر فى هذا المول المغلق الذى كلف الدولة عشرات الملايين من الجنيهات، متمنيا تعميم هذه التجربة على مستوى المدينة وضرورة إدارتها من قِبل الدولة.
فيما يوضح محمد على، محامٍ يسكن فى شارع محرم بك بجوار محطة قطار الإسكندرية، أن الدولة قامت بتطوير ميدان محطة الإسكندرية تطويرًا شاملاً بعد سنوات من الفوضى والعناء والعشوائية، وأصبح الميدان ذا مظهر لائق بتاريخ الإسكندرية وعراقتها، لكن من المؤسف أن نرى منطقة المحال والكافيهات السياحية القريبة من المسرح الرومانى واليونانى والنبى دانيال بعد فترة من تشغيلها مغلقة، ولم تستغل، خاصة أن هذه المحال كانت تعمل بطريقة جيدة وذات مظهر حضارى راقٍ يعكس عراقة المدينة.
ويشدد على ضرورة أن تعمل الجهة التى تدير سلسلة المحلات والمولات، بدراسة السوق العقارى من حيث التثمين والقيمة الإيجارية وغير ذلك، وأن تضع إيجارًا أو حق انتفاع عادلاً بدلا من إغلاقها، متسائلاً: لماذا هذه المحلات مغلقة، ومَن المستفيد من بقائها مغلقة؟!
ويتفق محمد سعيد، أحد أهالى منطقة محطة الرمل، مع ضرورة تنظيم المدينة والقضاء على العشوائية والتشوهات البصرية، مؤكدًا فى الوقت نفسه أهمية توفير أماكن مناسبة للباعة الذين يسعون إلى كسب قوت يومهم، بما يحقق التوازن بين حق المواطن فى شوارع منظمة وحق البائع فى مصدر رزق كريم، تطبيقًا لمبدأ «لا ضرر ولا ضرار».
وأشار إلى أن الحلول المبتكرة متاحة، لكنها تحتاج إلى إرادة للتنفيذ، لافتًا إلى وجود سوق فى نفق بمحطة الرمل كانت تستغله شركة الإسكندرية للمجمعات الاستهلاكية، قبل أن يُغلق دون معرفة الأسباب، موضحًا أن هذا المكان كان من الممكن إعادة استغلاله وتحويله إلى مجموعة من الباكيات المخصصة للباعة، بما يسهم فى استيعابهم والحد من انتشار الإشغالات فى الشوارع والأرصفة.
ويعرب سعيد عن أمله فى تعميم هذه الفكرة بمناطق الإسكندرية المختلفة، لافتًا إلى أن نماذج الأسواق المنظمة المنتشرة فى الصين حققت نجاحًا فى توفير أماكن للباعة ومواجهة ظاهرة الإشغالات، بما يجعلها تجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها.
ويطرح المهندس فتح الله حماد، أحد العاملين فى منظمات المجتمع المدنى السكندرى، رؤية متكاملة تتضمن عدة محاور لمعالجة ظاهرة إشغالات الباعة الجائلين، تبدأ بإنشاء كيان قانونى يمثلهم، ويتولى نقل مشكلاتهم والتواصل بشأنها مع أجهزة الدولة، انطلاقًا من كونهم فئة منتجة ومكونًا أصيلاً من مكونات الاقتصاد غير الرسمي.
وتتضمن الرؤية استغلال الأماكن والمساحات الشاغرة غير المستغلة لتسكين الباعة، بدلاً من تركهم يفترشون الأرصفة والطرق الرئيسية ويستخدمون الكهرباء العمومية، إلى جانب إجراء حصر جغرافى دقيق للباعة فى كل حى، وإنشاء مول أو سوق شعبى حضارى كبير يضم باعة المنطقة فى أماكن منظمة، مقابل إيجار رمزى وتحت إشراف المحليات.
ويقترح حماد إنشاء مجموعات وروابط تجارية تتولى توريد الخضراوات والفاكهة مباشرة من الحقول إلى مراكز البيع المخصصة، بما يسهم فى تقليل حلقات الوساطة وخفض الأسعار على المستهلكين، فضلًا عن الحفاظ على جودة المنتجات والحدّ من تلفها نتيجة التخزين الخاطئ أو لفترات طويلة.
ويؤكد أن الهدف من هذه المقترحات ليس محاربة البائع الجائل، وإنما تنظيم عمله ودمجه فى الاقتصاد الرسمى للدولة، بالتوازى مع الحفاظ على المظهر الحضارى للمدينة والحد من الإشغالات التى تعيق حركة المواطنين وتشوه الشوارع والأرصفة.
وقالت رئيس حى وسط، المهندسة إيمان عباس، إن سبب غلق مجموعة المحال الحضارية بميدان الشهداء، هو أن المحافظة تقوم بإعداد كراسة الشروط والمواصفات تمهيدا للطرح.
كذلك بخصوص سوق نفق محطة الرمل الواقع فى زمام حى وسط، الذى أصبح شاغرًا منذ سنوات بعدما كان سوقًا حضاريًا، بأن المجمعات الاستهلاكية تركته منذ فترة للمحافظة عدة مرات، وفى المقابل المحافظة سوف تقوم بالطرح للاستغلال والتشغيل.
أما رئيس حى المنتزه، الواقع فى زمامه مول خالد بن الوليد بمنطقة ميامى، ففضل عدم الرد عن أسباب الغلق وعدم الاستغلال.