رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الهيبة الأمريكية» فى خطر.. لعنة «حرب إيران» تلاحــــــــق ترامب


17-10-2026 | 13:41

.

طباعة
تقرير: يمنى الحديدى

حسب الخطة الأمريكية، كانت الحرب على إيران بمثابة استعراض آخر للقوة الأمريكية بعد العملية العسكرية على فنزويلا، لكنها كانت فخًا حقيقيًا استنزف القوة الأمريكية ووضع ترامب فى مأزق كبير، حتى أن الخطر بات يهدد صورة الولايات المتحدة على أنها «القوة الأكبر» التى لا تُهزم.

 

بسبب تهديد فضل المسئولون الأمريكيون عدم التصريح به، تم سحب 12 قاذفة من طراز «بى 1» من قاعدة جوية فى بريطانيا. من جانبه، صرح ترامب بأن الأمر ليس خطيرًا، وحاول وزير خارجيته ماركو روبيو التهوين بشأن ما حدث، معللًا أن ما حدث تم بشكل طبيعى، حيث تعيد الولايات المتحدة توزيع مواردها بشكل دوري. لكن بالنسبة لأى شخص يتابع انتشار القوة الأمريكية حول العالم خلال الأشهر السبعة التى تلت قرار ترامب مهاجمة إيران، كان هذا مثالًا واضحًا آخر على كيفية اضطرار ترامب ووزير دفاعه، بيت هيغسيث، مرارًا وتكرارًا إلى التراجع، وسحب القوات العسكرية التى نُشرت فى الشرق الأوسط وبريطانيا كقوة ردع.

فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، ومع استمرار الصراع، كشفت الحرب على إيران عن نقاط ضعف أمريكية جديدة هائلة، ما أجبر البنتاجون على إجراء تغييرات لم يكن يفكر فيها قبل عام. كما أنها أصبحت درسًا قاسيًا فى العواقب غير المقصودة التى ترتبت على حرب ترامب التى خطط لها. حيث كان ينوي ترامب الهجوم على إيران فى استعراض آخر للقوة العسكرية الأمريكية الاستثنائية، وذلك فى أعقاب الغارة الجوية الناجحة على ثلاثة مواقع نووية إيرانية فى يونيو 2025، واعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو من منزله فى كاراكاس فى يناير 2026.

لكن ما حدث هو العكس تمامًا، فبدلًا من تعزيز القوة الأمريكية، قيدت الحرب هذه القوة. فقد أدت هذه الحرب إلى إغلاق القواعد فى الشرق الأوسط والحدّ من استخدام قاعدة فى بريطانيا، كما أن القاذفات الأمريكية أصبحت تواجه صعوبة كبيرة فى الوصول إلى أهدافها، غير أن تزويد الطائرات بالوقود أصبح يتطلب وقتًا كبيرًا. فرغم أن مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية قادرة على القيام بدوريات فى بحر العرب، خارج الخليج العربى، فإن إعادة تزويدها بالإمدادات بات يحدث من دييغو غارسيا، وهى جزيرة فى المحيط الهندى تبعد 2200 ميل، ما يتطلب أسابيع إضافية وتكاليف باهظة.

كل هذا ربما تستطيع الولايات المتحدة أن تتداركه، لكن المشكلة الكبرى هى أن ما حدث فى الحرب الإيرانية، وما يحدث على الأرض هناك من عمليات انسحاب فى بعض الأحيان، وعدم تحقيق أى مكاسب على الأرض حتى الآن، هزّ الصورة الأمريكية بأنها قوة عظمى، وأعطى الإيرانيين أملًا فى أنهم قادرون على طرد قوة عظمى من أرضهم، فرغم أن ترامب قادر على تقليص وإعادة ترتيب القوات الأمريكية فى أوروبا حسب أولوياته، فإن الوضع لم يعد كذلك فى الشرق الأوسط.

لكن الأيام الأخيرة، وبتفكير إيرانى خارج الصندوق، خرج التهديد من إطار الشرق الأوسط إلى أوروبا، فقد صرح مسئولون أمريكيون وبريطانيون يوم الاثنين الماضى بأن القاذفات نُقلت على عجل من القاعدة البريطانية بعد أن تلقى القادة معلومات محددة وموثوقة تفيد بأن عناصر مدعومة من إيران كانت تخطط لشن هجمات بطائرات مسيرة تستهدف تلك الطائرات والقوات الأمريكية من مواقع تقع مباشرة خارج سياج القاعدة العسكرية فى بريطانيا.

وربما استلهم الإيرانيون هذه الفكرة من هجوم جريء شنته أوكرانيا ضد روسيا العام الماضى، عندما هُربت طائرات مسيرة إلى عمق الأراضى الروسية وأُطلقت من شاحنات نقل ثقيلة. وألحقت هذه الضربات أضرارًا ودمرت ما لا يقل عن 12 طائرة روسية. ليس ذلك فحسب، بل أجبرت إيران الطائرات والأفراد الأمريكيين على إخلاء قواعدهم التى كانت آمنة، والابتعاد أكثر فأكثر عن إيران. فقد تم إجلاء الأفراد الأمريكيين من قواعد فى البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، والتى تقع جميعها ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وقد تضررت بعض هذه القواعد بشدة لدرجة أن البنتاجون لا يبدى اهتمامًا بإعادة بنائها، وسيتم نقلها إلى أماكن أبعد، إذا وافق الكونجرس على التمويل اللازم.

أما الممرات المائية فتُعد قصة أكثر تعقيدًا؛ فالولايات المتحدة لم تتمكن من ضمان «حرية الملاحة» عبر مضيق هرمز أو أجزاء من البحر الأحمر. وعلى مدى نصف القرن الماضى، كان هذا أحد المبررات الأمريكية الرئيسية لاستمرار وجودها فى الشرق الأوسط، فالسيطرة الإيرانية كشفت مدى هشاشة الادعاء الأمريكى على مدى قرون.

كما أن، بحسب الخبراء، رد الفعل الأمريكى السريع وغير المخطط له يُحدث تأثيرًا عميقًا فى التخطيط العملياتى ومعنويات القوات، والأمر الأكثر خطورة هو استيعاب الإيرانيين نقطة خطيرة، وهى أنه من خلال الاقتراب من القواعد العسكرية الأمريكية البعيدة عن الشرق الأوسط أصبح من السهل التلاعب والضغط على ترامب.

وهو ما يؤكده مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا حسن، الذى أكد أن آخر تصريح لترامب بأنه لن يقوم بأى أعمال عسكرية فى إيران قبل انتخابات التجديد النصفى، هو تصريح بحد ذاته يعكس الموقف الأمريكى الصعب بشكل عام، وبتدخل الوسطاء أقرّ ترامب بأنه لن يقوم بأى عمل قبل انتخابات التجديد النصفى، وأضاف «حسن» أن وجهة نظره أيضًا أن هذا التصريح كان موجهًا إلى إسرائيل التى سبق أن صرحت بأنها قد تنفذ ضربات ضد إيران قبل انتخابات أمريكا النصفية، وبهذا يكون ترامب قد أعطى تحذيرًا لإسرائيل بأن تتريث ولا تفعل شيئًا قبل الانتخابات.

هذا التخبط، بحسب حسن، يظهر مدى تعقد الوضع كثيرًا فى إيران، ومدى انكسار الهيبة الأمريكية بسبب هذه الحرب، ومضيق هرمز أكبر دليل، فتصريحات ترامب العنترية ليست إلا كلمات لاستعراض القوة، إنما الحقيقة على أرض الواقع أنه حتى لو كانت أمريكا تمتلك السيطرة على المضيق ظاهريًا، فإن مَن يستطيع السيطرة على دخول وخروج السفن هو إيران فعليًا، فمَن يدخل دون إذن من إيران سيتكلف خسائر فادحة.

الأدهى، كما أكد حسن، هو سحب القوات الأمريكية مؤخرًا، وهذا فى لغة الحرب يُعد فى حد ذاته انكسارًا يسبق الهزيمة، حتى وإن كانت أمريكا تفعل هذا لترتيب أوراقها، فهذا يعنى أن إيران تصدت للولايات المتحدة واستطاعت كسر هيبتها وحققت انتصارات وإن لم تكن نهائية، لكنها كسرت أسطورة «الهيبة الأمريكية».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة