قاد لغز فلكي استمر نحو خمس سنوات علماء الفضاء إلى اكتشاف نظام نجمي استثنائي يضم ثلاثة نجوم تعيش مراحل مختلفة من تطورها، بعدما كشفت نبضات راديوية غير معتادة عن تأثير جاذبية نجم ثالث كان بعيدًا عن الرصد المباشر، في اكتشاف يمنح الباحثين فرصة نادرة لفهم حياة النجوم والقوى التي تتحكم في حركتها.
وساهم التلسكوب الراديوي الصيني العملاق «فاست» في الكشف عن طبيعة النظام المعروف باسم «PSR J0435+3233»، والذي يضم نجمًا نابضًا وقزمًا أبيض ونجمًا آخر يشبه الشمس.
وأعلن المرصد الفلكي الوطني التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، في 9 أكتوبر 2026، تأكيد طبيعة النظام الثلاثي، بالتزامن مع نشر نتائج الدراسة في دورية «أستروفيزيكال جورنال ليترز».
ويمثل الاكتشاف ثاني نظام ثلاثي مؤكد يضم نجمًا نابضًا ورفيقين نجميين، لكنه الأول المعروف الذي يحتوي على نجم ثالث لا يزال يمر بمرحلة التطور النجمي المعتادة.
وبدأت رحلة الاكتشاف في يونيو 2020، عندما رصد تلسكوب «فاست»، الذي يبلغ قطر طبقه الرئيسي 500 متر، النجم النابض لأول مرة.
ويُعد النجم النابض بقايا نجم ضخم انتهت حياته بانفجار هائل، ويتميز بالدوران السريع وإطلاق إشارات راديوية منتظمة، تشبه الومضات المتكررة الصادرة عن منارة بعيدة.
ولاحظ الباحثون أن النجم يرسل نبضاته كل 3.2 مللي ثانية تقريبًا، لكن توقيت وصول تلك الإشارات أظهر تغيرات غير متوقعة، أوحت في البداية بوجود تباطؤ غير مألوف في دورانه.
واستمر العلماء في جمع البيانات وتحليلها على مدار خمس سنوات، إلى أن توصلوا إلى أن السبب الرئيسي للتغيرات المرصودة يرتبط بتأثير جاذبية جسم نجمي ثالث.
واعتمد الفريق البحثي بقيادة العالم هان جينلين على 192 قياسًا دقيقًا لتوقيت النبضات، إضافة إلى بيانات الرصد الضوئي والأشعة تحت الحمراء، وملاحظات جمعها تلسكوب «فيرمي» التابع لوكالة ناسا على مدار نحو 17 عامًا.
وأظهرت النتائج أن النجم النابض يرتبط بقزم أبيض في مدار يستغرق إكمال دورته قرابة ثمانية أيام، بينما يدور نجم ثالث تقترب كتلته من كتلة الشمس حول النجمين في مدار بيضاوي تستغرق دورته نحو 73.5 سنة.
ويقع هذا النظام على مسافة تقارب 6900 سنة ضوئية من الأرض، وأثبتت الحسابات أن الجاذبية التي يمارسها النجم الثالث تفسر معظم التغيرات التي بدت محيرة في توقيت النبضات.
ويرجح العلماء أن النجوم الثلاثة تشكلت من السحابة الكونية نفسها، لكنها تطورت بطرق مختلفة؛ إذ انتهت حياة أحدها ليصبح نجمًا نيوترونيًا، وتحول الثاني إلى قزم أبيض، بينما يواصل الثالث حياته نجمًا عاديًا شبيهًا بالشمس.
وتمنح هذه التركيبة العلماء فرصة لدراسة مراحل مختلفة من تطور النجوم داخل نظام واحد، فضلًا عن اختبار تأثيرات الجاذبية المتبادلة بين ثلاثة أجسام في ظروف يصعب محاكاتها معمليًا.
ويتوقع الباحثون أن يتحول النجم الثالث بعد مليارات السنين إلى قزم أبيض أيضًا، ما قد يجعل النظام في المستقبل مكونًا بالكامل من بقايا نجوم انتهت مراحلها الرئيسية.