فى مشهد يتجاوز حدود التكريم إلى ساحات الصراع السياسى والقانونى، جاءت جائزة نوبل للسلام لتفتح جبهة جديدة فى المواجهة حول حرب غزة، وتضع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أمام إحراج دولى جديد. هذه المرة، لم يكن اسم الفائز زعيمًا سياسيًا أو صانع اتفاق سلام، بل القاضية «نافى بيلاي» التى ارتبط اسمها بالدفاع عن حقوق الإنسان ومساءلة المسئولين عن الجرائم الدولية، لكن جاء الغضب الإسرائيلى ليحوّل الجائزة إلى شرارة مواجهة جديدة، تتشابك فيها الاتهامات والضغوط السياسية مع أسئلة أكثر خطورة: هل تتحول نوبل إلى منصة لمحاسبة المتورطين فى انتهاكات غزة؟ وهل ينجح صوت القانون فى مواجهة حسابات القوة والنفوذ؟ أم أن الجائزة، التى تُمنح تكريمًا للسلام، ستصبح فصلًا جديدًا فى معركة دولية لم تُحسم بعد؟
أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب إفريقية «نافى بيلاي» تقديرًا لجهودها فى تعزيز السلام والقانون الدولى، ودورها فى دعم ملاحقة مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. لكن الجائزة سرعان ما تحولت إلى محور مواجهة سياسية، بعدما أثار اختيار بيلاى انتقادات إسرائيلية حادة، فى وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية على المؤسسات القضائية الدولية، بما يضع التكريم فى قلب الجدل بشأن حدود القانون الدولى وقدرة هذه المؤسسات على مساءلة الدول والقادة؛ إذ اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن منحها الجائزة يمثل انحيازًا سياسيًا ضد إسرائيل، بسبب دورها فى لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية فى قطاع غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل بشدة .
ووصف بنيامين نتنياهو اللجنة بأنها فقدت بوصلتها الأخلاقية، وهاجم بيلاى متهمًا إياها بالترويج لاتهامات باطلة ضد إسرائيل. ويعكس الموقف الإسرائيلى خشية من أن يؤدى فوز بيلاى إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، وتعزيز مكانة المؤسسات الحقوقية والقانونية التى تنتقد عملياتها فى غزة.
فى المقابل، أوضحت لجنة نوبل أن تكريم بيلاى يستهدف عملها الممتد فى الدفاع عن القانون الدولى وحقوق الإنسان، وأن منحها الجائزة لا يعنى أن اللجنة أصدرت حكمًا قضائيًا بشأن اتهامات الإبادة الجماعية .
ويُعد قرار اللجنة هذا العام بتكريم حقوقية دولية بمثابة توبيخ واضح لإدارة الرئيس دونالد ترامب، التى فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية العام الماضى، والتى تواجه ضغوطًا أمريكية متصاعدة، وذلك ردًا على قرار المحكمة اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حربها فى غزة، بعد أن أصدرت فى عام 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت. ويعنى فوز بيلاى أن ترامب قد حُرم مرة أخرى من الجائزة التى طالما تاق إلى نيْلها؛ إذ يزعم أنه يستحقها نظرًا لجهوده الرامية إلى إنهاء عدد من النزاعات، ولدوره فى التدخل لتسوية صراعات أو منع نشوبها حول العالم.
فى هذا السياق، أوضح الدكتور أسعد العويوى، الأكاديمى والمحلل السياسى، أن الاعتراض الإسرائيلى لم يكن مجرد خلاف على شخصية الفائزة، بل ارتبط مباشرة بمواقفها القانونية من الحرب على غزة. فقد وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية منحها الجائزة بأنه توظيف مشوّه لجائزة السلام بهدف، بحسب تعبيرها، إضفاء الشرعية على الكراهية والتحيز ضد إسرائيل. كما اتهمتها بالترويج لما وصفته إسرائيل بـ«أكذوبة الإبادة الجماعية» .
ويمكن فهم هذا الغضب من ثلاثة جوانب: أولًا- الجانب القانونى، حيث ترأست بيلاى لجنة أصدرت استنتاجًا شديد الخطورة، مفاده أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية فى غزة. ثانيًا- الجانب السياسي: منحها جائزة دولية بهذا الحجم يضع استنتاجات اللجنة فى دائرة اهتمام أوسع، ويصعّب تجاهلها فى النقاش العام والدبلوماسي .
ثالثًا- الجانب الرمزى، حيث يأتى التكريم فى وقت يتزايد فيه الجدل بشأن احترام القانون الدولى ومساءلة المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة. لكن من المهم التمييز بين موقف إسرائيل الرافض لاستنتاجات اللجنة وبين التقييم القانونى المستقل لأدلتها؛ فالاعتراض السياسى وحده لا يُحسم به الأمر.
ورأى الدكتور العويوى أن التأثير المحتمل سيكون أكبر فى المجالين السياسى والرمزى، بينما يظل الأثر القانونى المباشر محدودًا ما لم تترتب عليه إجراءات مؤسسية أو قضائية جديدة، مثل تعزيز حضور التقارير الأممية، حيث يمنح التكريم اهتمامًا إضافيًا للتقارير التى تتناول الانتهاكات فى غزة، وقد يدفع وسائل الإعلام والباحثين والبرلمانات إلى العودة إلى الأدلة والاستنتاجات الواردة فيها، لكنه لا يثبت وحده صحة كل ما تتضمنه تلك التقارير .
ثانيًا- زيادة الضغط الدبلوماسي: قد يصبح من الأصعب على الحكومات تجاهل ملف المساءلة فى النقاشات الدولية، خصوصًا إذا اقترن التكريم بأدلة موثقة ومواقف رسمية ومطالبات بتنفيذ الالتزامات الدولية. لكن الجائزة لا تُلزم الدول تلقائيًا بتغيير سياساتها تجاه إسرائيل .
ثالثًا- التأثير فى المسارات القضائية: قد يزيد التكريم الاهتمام العام بالأدلة والملفات القانونية، لكنه لا يغيّر قواعد الإثبات ولا يضيف حكمًا جديدًا إلى سجلات المحاكم. وتظل الإجراءات القضائية مستقلة عن قرارات لجان الجوائز.
رابعًا- تعميق المواجهة حول شرعية الرواية الإسرائيلية: من المرجح أن يتواصل الخلاف بين إسرائيل والمؤسسات الدولية حول توصيف الحرب وأدلة الانتهاكات. وقد يصبح التكريم جزءًا من هذا السجال، لكنه لا يعنى أن جميع الدول أو الهيئات الدولية تتبنى موقفًا موحدًا من القضية .
وأضاف العويوى أنه من منظور فلسطينى، تكمن أهمية الحدث فى أنه يعيد تسليط الضوء على ضرورة توثيق ما جرى فى غزة، وحماية الأدلة، ومتابعة المسارات القضائية والدبلوماسية، بدلًا من التعامل مع الجوائز الدولية بوصفها غاية فى حد ذاتها. والأهم أن تقرير لجنة التحقيق الصادر فى سبتمبر 2025 لم يقتصر على توصيف سياسى، بل استند إلى تحليل أفعال محددة ونمط السلوك وتصريحات مسئولين إسرائيليين لتقييم توافر القصد الخاص المطلوب قانونًا لجريمة الإبادة الجماعية. ومع ذلك، يبقى التقرير استنتاجًا صادرًا عن لجنة تحقيق، وليس فى حد ذاته حكمًا نهائيًا صادرًا عن محكمة.
واختتم العويوى حديثه بالإشارة إلى أن فوز نافى بيلاى أثار غضب إسرائيل لأن تكريمها جاء فى سياق مواجهة حادة حول مسئولية إسرائيل عن حرب غزة، ولأنها ترأست اللجنة الأممية التى خلصت إلى ارتكاب الإبادة الجماعية .
أما دلالة الجائزة، فهى دعم رمزى لمسيرة العدالة الدولية، لا تصديق قضائى نهائى على تقرير غزة. وستتحدد أهميتها الفعلية بمدى تحول الاهتمام الدولى إلى توثيق مستمر ومساءلة قانونية وإجراءات دبلوماسية ملموسة.