في ندوتي عام 2024 بمكتبة القاهرة الكبري وعنوانها الاستثمار والعمار في مواجهة التطرف والدمار. كنت أقصد ما يحدث اليوم بالضبط أن المعركة ليست بين جيشين، بل بين فلسفتين: فلسفة تبني مصنعا لتحيي نفسا، وفلسفة تهدم ممرا لتستعمر شعبا.
اليوم ونحن نرى ما يجري من تطور سريع ومباغت للصراع بين الحوثيين والسعودية، وما يجري ولايزال بين أمريكا وإيران في مضيق هرمز، وما يجري بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود، وما يجري في غزة ولبنان و ما هو حول إسرائيل، يجب أن نكون واضحين وبدون تجميل: ليس كل من يطلق صاروخا في البحر الأحمر أو البحر الأسود أو المتوسط يريد حماية الحياة او تحريرا للارض، وليس كل من يحرك بارجة في هرمز يريد عمارا و سلاما. بعضهم لا يريد العمار، بل يريد الاستعمار. يريد أن يبقى المضيق والممر مختنقا، لأن اختناقه هو مصدر قوته .
فمن يبيع السلاح، ومن يبيع التأمين، ومن يبيع النفط والغاز بسعر مضاعف، هو المستفيد الوحيد من الظلام. ولذلك هذا النداء ليس مجرد نداء ادبيا او وجدنيا او حتي رومانسيا، إنه نداء للعقول والقلوب والارواح يكشف اللعبة، ويخاطب جميع النفوس حتى أعداء النور أنفسهم.
أتحدث اليكم من دولة النور والعمار ومحبيهما لنفهم جميعا ما يريدونه كل من يشتهون الظلام و الدمار والاستعمار
التاريخ يعلمنا قانونا: الاستعمار القديم كان يحتل الأرض ليملك المضيق. الاستعمار الجديد يشعل المضيق ليحتل القرار.
و أهل العلم يعرفون ان قيمة الاستعمار الجديد تساوي حاصل ضرب تكلفة إشعال المضيق الرخيصة في أرباح التأمين والسلاح، مقسوما على تكلفة بناء مشروع عمار. صاروخ حوثي بألفين دولار يرفع تكلفة الشحن من ثمانمائة دولار للحاوية إلى ستة آلاف دولار، وصاروخ في البحر الأسود يرفع سعر القمح في أوروبا ومصر وأفريقيا معا، وصاروخ حول غزة يغلق شرق المتوسط كله. فمن يدفع الفرق؟ الشعوب من القاهرة إلى برلين إلى كييف. ومن يقبض الفرق؟ شركات التأمين والسلاح والطاقة التي يملكها نفس من يشعلون الصراع في كل القارات.
فالهدف ليس هزيمة السعودية أو إيران أو أوكرانيا أو فلسطين فقط، الهدف هو إبقاء العالم كله في حالة لا حرب ولا سلم، لأن هذه الحالة هي التي تمنع العمار في الشرق الأوسط وتغرق أوروبا في تضخم وفقر طاقة، وتبرر الاستعمار. ولذلك أقولها صريحة: هناك من بين المتصارعين حول العالم من لا يريد أن ينتصر، بل يريد أن تستمر الحرب. لأن انتصاره الحقيقي هو ألا يبني أحد مصنعا في البحر الأحمر أو حقل قمح في أوكرانيا ينافس مصنعه واحتكاره .
وهناك ثلاث حقائق علمية تفضح المستعمر الجديد. الحقيقة الأولى هي حقيقة الاقتصاد، فإغلاق هرمز وباب المندب معا لمدة شهر يكلف العالم ثلاثين مليار دولار، وإغلاق البحر الأسود بسبب حرب روسيا وأوكرانيا كلف العالم سبعين مليارا في الغذاء وحده، وحرب غزة كلفت الاقتصاد العالمي تريليون دولار غير مباشر بسبب اضطراب المتوسط. لكنه في نفس الوقت يربح خمس شركات كبرى فقط خمسة عشر مليارا إضافية من التأمين والشحن البديل. إذن الدمار ليس خسارة للجميع، بل هو نقل ثروة من حق الفقراء في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية إلى حسابات الأغنياء في مراكز الاستعمار. وهذا هو الاستعمار بثوب اقتصادي عالمي.
والحقيقة الثانية التي يعرفها اهل العلم ايضا هي حقيقة المجتمع، فمعادلة سقوط الثقة تساوي حاصل ضرب سعر رغيف الخبز في شائعة الجوع، مقسوما على مشروع أمل ملموس .
عندما يرتفع سعر القمح في القاهرة والخرطوم وباريس بسبب صاروخ في باب المندب أو في أوديسا، لا يسقط الأمن الغذائي فقط، بل تسقط الثقة بين الشعوب وقياداتها في كل مكان. وهذا هو الهدف الحقيقي: إسقاط الثقة ليصبح العالم كله قابلا للاستعمار الفكري مرة أخرى.
والحقيقة الثالثة هي حقيقة التاريخ، فمحمد علي باشا بنى مصر الحديثة عندما أمن قناة السويس القديمة بالعمار لا بالجيش. والاحتلال البريطاني جاء عندما أقنعنا أننا لا نستطيع حماية قناتنا وحدنا. نفس اللعبة تتكرر اليوم في هرمز وباب المندب وبحر الشمال والمتوسط: إقناعنا أننا عاجزون عن حماية مضائقنا، لنستدعي الأساطيل الأجنبية لتحمينا، فتستعمرنا بحجة حمايتنا .
ولذلك فإنني أطلق اليوم من مصر ، دولة النور المحايدة، التي سبق وان اطلقت منها مبادرتي " مصر أمان ونماء " في عام ٢٠١٧ اطلق اليوم نداءين الي الفريقين ، وابدأهما بنداء إلى أهل النور والعمار في الخليج وإيران واليمن وأوكرانيا وروسيا وفلسطين و حتي إسرائيل و وكل يحبون النور والعمار في أفريقيا وأوروبا، فنحن نحتاج للسلام والأمان والعمار بقدر احتياجنا للبقاء أحياء. فلا حياة بلا أمان، ولا أمان بلا عمار.
لا تحرسوا المضيق والممر بالبارجة، احرسوه بالمصنع. أقول للسعودية وإيران والحوثي وروسيا وأوكرانيا وإسرائيل ومن حولها معا: الشعوب بفئاتها واطيافها كلها تحتاج الي الحياة والأمان والنماء فلو بنينا ربطا كهربائيا ومصنعا للتحلية وممرا لوجستيا وممرا للحبوب مشتركا على ضفتي البحار، سيصبح من مصلحتكم جميعا حمايته لا ضربه .
فالأمان لا يأتي من سلاح تحمله ضد جارك، بل من مشروع تبنيه مع جارك. وهذا ما فعلناه في قناة السويس: حولناها من ممر مهدد إلى محور دخل عشرة مليارات بالعمار.
النداء الثاني مبطن إلى أعداء النور وتجار الاستعمار الجديد، نحن نعلم لعبتكم. نعلم أنكم لا تريدون حلا في اليمن ولا اتفاقا في هرمز ولا سلاما في أوكرانيا ولا هدنة في غزة، لأن الحل يقطع رزقكم من بيع الخوف. ونقول لكم: زمن الاستعمار انتهى. فالشعوب اليوم ترى المعادلة، ومعادلة كشف المستعمر تساوي حاصل ضرب سؤال من المستفيد من استمرار إغلاق المضيق في سؤال من المتضرر من بنائه .
فإذا كان المتضرر هو الفلاح المصري والجندي السعودي والمواطن اليمني والإيراني والأوكراني والفلسطيني والعامل الأوروبي ، والمستفيد هو تاجر سلاح بعيد، فقد انكشفت اللعبة.
أيها السادة إن القرآن قد حسمها من ١٤٠٠ عاما: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
فمن يقطع طريق الحبوب والطاقة عن الناس ليجوعوا ويبردوا، هو قاتل للناس جميعا، حتى لو لم يطلق رصاصة على إنسان .
والمعادلة الختامية التي تفرق بين العمار والاستعمار هي أن دولة العمار تساوي حاصل ضرب مشروع مشترك على المضيق في ثقة شعوب، مقسوما على تدخل أجنبي، ودولة الاستعمار تساوي حاصل ضرب إشعال مضيق رخيص في بيع خوف غال، مقسوما على عمار ممنوع.
ايها السادة الكرام ، إننا أمام عبور جديد. عبور ثلاثة وسبعين كان عبور قناة لنحرر الأرض من استعمار قديم. وعبور ألفين وستة وعشرين هو عبور مضائق وممرات عالمية من البحر الأحمر إلى البحر الأسود إلى المتوسط، لنحرر القرار واللقمة من استعمار جديد يريدنا غارقين في الظلام .
اخترنا أن نكون دولة نور، نتحدث عن المشترك المنير حتى مع من يختلف معنا، لأننا ندرك قاعدة النور الخالدة: إذا تحدثت عن الظلام كثر الظلام، وإذا تحدثت عن النور اتسع النور حتى في عيون أعداء النور أنفسهم. السادة المواطنون، أيها العالم من الشرق الأوسط إلى أوروبا، هذه هي أطياف النور، فاختاروا: هل أنتم مع من يحيي النفس، أم مع من يقطع طريقها ليستعمرها؟