كانت تراودني رغبة شديدة للكتابة في هذا الموضوع مرات كثيرة وتأجل الأمر لأسباب عدة، حتى وجدت أخيرا الفرصة مناسبة للحديث في هذا الأمر، لفت نظري مؤخرا أكثر من موقف لعامل، ديليفري أو ما شابه، يؤدي خدمة لطفل أو شاب أو حتي شخص بالغ، فيقابل بتعامل به صلف وفوقية حيث يتلقي المقابل المادي للخدمة فقط والوجوه عابسة متجهمة دون ابتسامة على الوجوه أو كلمة شكر في نهاية العمل، غابت عنا ثقافة بشاشة الوجه ورحابة الصدر، لمست ذلك بنفسي في مواقف عدة شخصية ومع آخرين حولي من أعمار مختلفة، فالجميع، كبارا كانوا أو صغارا يؤدون ما عليهم في روتينية ويستقبلون ما لهم في استحقاق دون كلمة شكر أو ثناء لمؤدي الخدمة أو حتي ابتسامة لطيفة.
لا أدري حقا كيف ومتي وصلنا لذلك؟ هل أصبح عند الجميع مفهوم الاستحقاق أو أنه كما يقولون في استعلاء لا شكر على واجب، أم أن هذه ثقافة جديدة وأسلوب من أساليب التربية الحديثة التي تقريبا لا أفقه عنها شيئا. أين الابتسامة التي اعتدنا أن تكون على وجوهنا في جميع معاملاتنا؟ أين اختفت كلمات "شكرا" و"كتر خيرك". أعلم جيدا أن الأعباء تثقل كواهلنا جميعا وأنه للأسف أصبح ليس لدي كثير من الأسر وقتا كافيا للجلوس مع أبنائهم وتوجيههم وارشادهم.
لكن يؤسفني وبشدة أن ينحدر بمجتمعنا الحال لما هو أسوأ من ذلك، ذلك المجتمع المصري العربي الذي ما نشأ إلا على قيم التكافل والتواد والتراحم والاعتراف بالجميل حتى لو كان ذلك الجميل واجبا روتينيا.
لماذا لم نعد نسمع كلمات الثناء والتقدير لمن يقوم بواجبه ويؤديه بما يرضي الله وضميره، نري ذلك في أماكن كبري وليس فقط مع حالات فردية، فنجد الموظف الذي يجتهد ويقدم أفضل ما عنده لا يتلقي مدحا أو اعترافا بمجهوده بعد يوم عمل طويل وشاق في اشارة إلى أن ذلك عمله وما يتقاضي عليه أجره.
يا سادة إن للكلمة الطيبة، لو تعلمون، أثرا عظيما في النفوس، حثنا عليها رسولنا الكريم وجعل لها مقام الصدقة "الكلمة الطيبة صدقة" لأهميتها في تعزيز الروح الايجابية وخلق شعور من الرضا وتقدير الذات وتقوية الروابط الاجتماعية وبناء جسور الاحترام بين أفراد المجتمع كافة، والأكثر من ذلك فقد ذكر الله الكلمة طيبة في الآية القرآنية مشبها إياها بالشجرة الطيبة المثمرة.
أهتم كثيرا لقيم مجتمعنا وتقاليده الجميلة التي تربينا ونشأنا عليها وأثمرت جيلا واعيا مثقفا هادئ الطباع وحسن الخلق، وأحزن بشدة عند متابعتي لبعض أخلاقيات هذا الجيل وأجدها تفتقر لأقل قدر من اللياقة والذوقيات، بل ويسيطر على سلوكيات الكثير منهم الجحود ونكران الجميل حتى نحو أبويهم ذاتهم.
أتمني أن نعيد النظر في تربية أولادنا ونجعل نصب أعيننا هدينا النبوي وقيمنا وتقاليدنا لنلتزم بها ونجعلها مرجعنا لننشئ جيلا نفتخر به ونزهو.