رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لغز اختفاء التكنولوجيا أمام سيادة الورق


9-10-2026 | 04:10

.

طباعة
رسالة اليابان: إيمان السعيد

تخيل أن تدخل مطعمًا وتلتفت يمينًا ويسارًا؛ بحثًا عن شخص تسأله أو تطلب منه طعامك، فلا تجد أحدًا. أمامك فقط شاشة تختار منها وجبتك، ثم تدفع الحساب وتنتظر. وبعد دقائق، يظهر أمامك روبوت يحمل الطعام ويضعه على طاولتك، لتتناول وجبتك وتغادر دون أن تضطر إلى تبادل كلمة واحدة مع موظف. لكن المفارقة تبدأ عندما تقرر خوض التجربة نفسها داخل القطاع الحكومي؛ فهناك، ستجد نفسك أمام سلسلة من الموظفين والإجراءات والأوراق، لتشعر للحظة وكأنك انتقلت إلى بلد آخر تمامًا. وهذا بالضبط ما حدث لى عندما وصلت إلى «كوكب اليابان».

 

حين وطأت قدماى مطار فوكوكا، كنت أتوقع أن تكون التكنولوجيا أول من يستقبلني. وتخيلت أن إجراءات دخولى إلى البلاد قد تنتهى أمام شاشة أو ماكينة ذكية، وربما يستقبلنى روبوت يابانى ينهى عنى بعض الإجراءات. ولكن ما حدث كان العكس تمامًا، وجدت نفسى أمام سلسلة من الطوابير والموظفين والأوراق والتوقيعات؛ مشهد لم أكن أتوقع أن أراه فى البلد الذى تخيلته، مثل كثيرين، وقد انتقلت فيه معظم المعاملات إلى العالم الرقمى، وخرجت من المطار وأنا أحمل أوراقًا أكثر مما كنت أتخيل، وبداخل رأسى سؤال واحد: اليابان بلد التكنولوجيا.. ولكن أين هي؟

عشرة أشهر قضيتها فى اليابان عرفت فيها أن الخطوة الرسمية الواحدة فى اليابان قد تعنى أكثر من ورقة، وأكثر من توقيع، وأحيانًا ختمًا شخصيًا. ففى البلدية وفى المؤسسات الحكومية، ظل الموظف حاضرًا بقوة، وظلت الورقة جزءًا من المشهد. وحتى صندوق بريدى فى العمارة كان يستقبلنى باستمرار بمنشورات وإعلانات وخطابات ورقية من جهات مختلفة. ولكن كلما ابتعدت عن المطارات والمؤسسات الحكومية، واقتربت من المطاعم والفنادق ومحطات القطار، بدأت أرى اليابان الأخرى. فحين قمت بشراء خط هاتف استقبلنى روبوت، وتمت إجراءات الشراء عبر شاشة دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع موظف. وفى المتاجر، يمكن أن تنجز عملية الشراء أو الدفع بنفسك، بينما تتولى الماكينات والأنظمة الآلية بقية المهمة.

عندما بدأت البحث فى الأمر، اكتشفت أننى أمام مفارقة حقيقية، وليست مجرد انطباع شخصي. فبحسب صندوق النقد الدولى، تمتلك اليابان بنية تحتية رقمية متقدمة، وهى من الدول الرائدة فى استخدام الروبوتات الصناعية والأتمتة، لكن هذا التقدم لم ينعكس بالسرعة نفسها على رقمنة الخدمات الحكومية وقطاعات الأعمال والخدمات المالية. وظلت المستندات الورقية والأختام الشخصية ما يسمى «هانكو»، مستخدمة فى عدد من المعاملات.

وخلال جائحة كورونا أدركت الحكومة اليابانية أزمة الأنظمة الحكومية، من بينها الاعتماد على الورق وعدم توافق بعض الأنظمة وتعقيد عدد من الإجراءات. وفى عام 2021 أنشأت الحكومة اليابانية وكالة الرقمنة لتقود عملية التحول الرقمى فى الدولة. وقد شهدت هذا التحول بنفسى، حين قامت البلدية بمراسلتى لاستخراج بطاقة My Number، وهو رقم تعريف شخصى يستخدم لربط المعلومات بين عدد من الأنظمة الحكومية. الفكرة بسيطة فى ظاهرها: بدل أن يظل كل جهاز حكومى محتفظًا بمعلومات منفصلة ويطلب منك تقديم المستند نفسه كل مرة، يمكن استخدام رقم موحد لتسهيل تبادل المعلومات فى الحالات التى يسمح بها النظام.

لكن الأمر فى اليابان، أبعد من مجرد تطبيق نظام جديد يسهل رقمنة الإجراءات الحكومية. فاليابان واحدة من أكثر المجتمعات تقدمًا فى العمر، ومع تراجع عدد السكان فى سن العمل، تواجه الدولة تحديين متداخلين: كيف تستخدم التكنولوجيا لتخفيف الضغط على المؤسسات ومواجهة نقص العمالة، وكيف تجعل هذه التكنولوجيا متاحة أيضًا لمجتمع يضم نسبة كبيرة من كبار السن. ولهذا، وبينما تدفع الحكومة باتجاه الرقمنة، تطرح أيضًا مسألة تصميم الخدمات وفق احتياجات المستخدمين، حتى لا يتحول التطور الرقمى نفسه إلى حاجز أمام بعض الفئات. لتصبح المسألة فى كوكب اليابان ليست مجرد صراع بين اليدوى والإلكترونى، أو بين التقاليد والتكنولوجيا.

وربما لهذا بدأت أكتشف أن السؤال لم يعد بالنسبة لي: لماذا تستخدم اليابان الورق رغم كل هذه التكنولوجيا؟ وإنما لماذا تبدو الأشياء هناك مختلفة عن الطريقة التى يرسمها العالم عن كوكب اليابان؟ ففى كل مرة كنت أظن أننى فهمت قاعدة من قواعد الحياة فى اليابان، كنت أجد تفصيلة صغيرة تجعلنى أعيد النظر فيها. أشياء تبدو عادية جدًا فى الحياة اليومية، لكنها حين تتوقف أمامها قليلًا، تفتح سؤالًا أكبر.

ومن هنا بدأت ألتفت إلى تفاصيل أخرى فى حياتى اليومية فى اليابان. تفاصيل لم أكن أتوقف عندها فى البداية، لكننى مع الوقت بدأت أسأل نفسي: لماذا يحدث الشيء بهذه الطريقة؟ وكيف أصبحت أشياء كهذه جزءًا طبيعيًا من الحياة هنا؟

وربما كانت هذه هى بداية حكاية كوكب اليابان كما لم تره!

أخبار الساعة

الاكثر قراءة