شرحنا فيما سبق كيف تعمل آليات التضليل على إطالة عمر الكيان الصهيوني، ولكن آليات التفسخ والانهيار الداخلي متجذرة في بنية المشروع الصهيوني ذاته، وفي هذا المقال نطرح هندسة لغوية مضادة لاستعادة المصطلح كفعل تحرري متقدم، فالبداية بالكلمة، أقصد المصطلح الذي يتم الترويج له، وإلى التفاصيل.
إن تشريحنا لهذا «الاعتلال البنيوي» المتشعب، وتفكيكنا لظاهرة «الصهيوني الوظيفي» بتجلياتها المتعددة، وكشفنا لـ«خديعة الترجمة» والتضليل اللغوي المنهجي، وتشريحنا لـ«الأمساخ الأخلاقية» التي يفرزها المشروع من داخله، وكشفنا لـ«أبارتهايد الداخل» و«اضطهاد المسيحية»، وفضحنا لـ«المسيحية الصهيونية» وتحالفها الوظيفي القذر، وتقديمنا لـ«المرافعة التاريخية» التي تثبت زيف أسطورة «الكراهية الأبدية»، كل هذا يفرض علينا مسئولية تاريخية وأخلاقية لا تقبل التأجيل: وهي البدء فوراً وفي الحال في بناء «هندسة لغوية مضادة».
وإذا كانت الصهيونية الوظيفية، بكل أذرعها، قد نجحت لعقود طويلة في احتلال العقول والألسنة عبر تدنيس المفردات وتشويه دلالاتها وطمس معانيها الحقيقية، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ فقط من الأرض، بل يبدأ قبل ذلك، وبالضرورة، من «تطهير القواميس» وإعادة بناء الجسور المقطوعة بين الكلمة ومعناها الأصيل، بين اللفظ وحقيقته المرة، بين المصطلح وجوهر الفعل الإجرامي الذي يصفه.
هذه ليست معركة لغوية فحسب، وليست ترفاً أكاديمياً أو هوساً مصطلحياً. إنها في صميمها، فعل «ترميم» للوعي الجمعي العربي والإسلامي والكوني. إنها معركة استعادة القدرة على «التسمية»، وبالتالي استعادة القدرة على «الفهم»، وبالتالي استعادة القدرة على «الفعل». إنها الخطوة الأولى والضرورية في أي مشروع تحرري حقيقي. وتعتمد هذه الهندسة اللغوية المضادة على ثلاث ركائز أساسية، تشكل في مجموعها برنامج عمل لاستعادة السيادة على لغتنا ووعينا:
هدم «المساحيق اللغوية» وتفكيك أبراج التضليل:
الركيزة الأولى والأكثر إلحاحاً هي التوقف الفوري والكامل عن استخدام المصطلحات التي صُنعت بعناية في مطابخ التضليل الصهيوني والاستعماري، وتم تمريرها إلينا عبر «الصهاينة الوظيفيين اللغويين». إنه يجب أن نمتلك الشجاعة الفكرية والأخلاقية لنرفض هذه «المساحيق اللغوية» التي تخفي بشاعة الجريمة، ونستبدلها بمصطلحات صادمة في دقتها، جارحة في صدقها، ولكنها أمينة للحقيقة التاريخية والإنسانية.
فلا يجوز أن نقول بعد اليوم «مستعمرات»، وكأن المحتل يأتي ليعمر ويبني، بل يجب أن نقول «مغتصبات»، لأن الأرض تُغتصب من أصحابها بالقوة. ولا يجوز أن نقول «انتداب»، وكأنه تفويض نبيل، بل يجب أن نقول «وصاية استعمارية إجرامية» أو «تفويض اقتلاعي»، لأن ذلك هو جوهر ما حدث. ولا يجوز أن نقول «نزاع» أو «صراع»، وكأنه خلاف بين طرفين متكافئين، بل يجب أن نقول «إبادة إحلالية» أو «احتلال استئصالي»، لأن المشروع يهدف إلى محو شعب وإحلال شعب آخر محله. ولا يجوز حتى أن نقول «صهيوني» ببراءة، وكأنه مجرد وصف لانتماء سياسي أو ديني، بل يجب أن نصف هؤلاء بأنهم «أمساخ أخلاقية وظيفية»، لأنهم تحولوا إلى أدوات في ماكينة إبادة، وفقدوا إنسانيتهم في هذه العملية.
إن تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، مهما كانت صادمة وقاسية، هي أول معول يهدم شرعية الكيان الزائفة القائمة على التزييف والتدليس. إنها عملية «تعري» للجوهر الإجرامي للمشروع، تمنعه من الاختباء خلف ستائر المصطلحات الناعمة والمضللة. هذه الممارسة اللغوية الجديدة ليست مجرد تغيير في المفردات، بل تغيير في «الوعي» ذاته، وفي «الموقف» من الصراع. إنها تنقلنا من موقع «المتلقي السلبي» للتضليل إلى موقع «الفاعل الواعي» الذي يمتلك زمام اللغة والحقيقة.
كشف «الأمساخ» وتوثيق جرائمهم وفضح أدوارهم الوظيفية:
الركيزة الثانية في هذه الهندسة المضادة هي أن ندرك أن «المسخ الأخلاقي»، سواء كان التكنولوجي خلف الشاشة، أو العقائدي في المستوطنات، أو القانوني في أروقة المحاكم، أو اللغوي في قواميس الترجمة، أو اللاهوتي في الكنائس الإنجيلية، يتغذى بشكل أساسي على «التخفي». إنه يختبئ خلف الشعارات البراغماتية (الأمن، الدفاع عن النفس، الديمقراطية، التطوير، البناء)، ويختبئ خلف المصطلحات الناعمة المضللة (استعمار، مستوطنة، انتداب، نزاع). إنه لا يريد أن يُرى على حقيقته.
لذا، فإن دورنا الأساسي في هذه المعركة هو نزع هذا القناع بشكل منهجي ومنظم. يجب أن نعمل على توثيق أفعال هؤلاء الأمساخ بشكل دقيق وعلمي، ونشر هذه التوثيقات على أوسع نطاق. يجب أن نفضح القناص الذي يجلس خلف الشاشة ويضغط على الزر، ونكشف عن كونه ليس «ضابطاً تقنياً» يؤدي «مهمة وطنية»، بل هو «مسخ تكنولوجي» يقتل الأبرياء عن بُعد بضمير ميت. يجب أن نفضح المستوطن الذي يحرق البيوت ويقتلع الأشجار، ونكشف عن كونه ليس «مستوطناً» يدافع عن «حقه»، بل هو «مسخ عقائدي» يمارس «تطهيراً عرقياً» بدوافع دينية محرفة. يجب أن نفضح القاضي والمستشار القانوني الذي يشرعن الجريمة، ونكشف عن كونه ليس «حامياً للقانون»، بل هو «مسخ قانوني» يستخدم القانون لتمرير الإبادة. يجب أن نفضح «المسيحي الصهيوني» الذي يدعم الكيان، ونكشف عن كونه ليس «مؤمناً» حقيقياً، بل هو «مسخ لاهوتي» ينتظر إبادة اليهود لتحقيق نبوءاته.
إن «التوثيق» و»الفضح» هو السلاح الذي يجرد «المسخ الأخلاقي» من غطائه، ويضعه أمام محكمة الضمير العالمي. وهو الذي يحول «الصهيوني الوظيفي» من «مدافع عن قضية» إلى «شريك في جريمة ضد الإنسانية».
تفكيك «وهم الضرورة» وكشف زيف «الاستثمار الاستراتيجي»:
الركيزة الثالثة هي أن نوضح للعالم أجمع، وللمتعلقين بهذا الكيان بشكل خاص، أن الارتباط به ليس «ضرورة استراتيجية» كما تروج الدعاية الصهيونية، بل هو «انتحار وظيفي» و«استثمار في السراب». يجب أن نبين، بالأدلة والبراهين التي قدمناها في هذا التحليل الشامل، أن المراهنة على كيان يأكل نفسه من الداخل بصراعات الهوية (بين «دولة يهودا» و«دولة إسرائيل»)، ويمارس «أبارتهايد» عنصرياً ضد أبنائه (الأشكناز ضد المزراحيم والفلاشا)، ويعتمد على تحالفات وظيفية قذرة مع «أمساخ لاهوتيين» يحتقرونه وينتظرون إبادته، ويخون «التجربة اليهودية» الحقيقية التي ازدهرت في ظل الحضارة الإسلامية، هي مراهنة على بناء يفتقر لأدنى معايير السلامة الإنشائية، ومصيره الانهيار الحتمي تحت وطأة تناقضاته الداخلية قبل أي ضغط خارجي.
ويجب أن نستخدم لغة «الهندسة المعمارية» في تحليلنا السياسي. فنحن نقول لمن يراهن على هذا الكيان: أنت تبني آمالك ومصالحك على «جدار متصدع»، أساساته مهترئة، ومواده فاسدة، وهندسته الداخلية متناقضة. هذا الجدار لا يحتاج إلى «زلزال» خارجي ليسقط، بل سيسقط بفعل «التآكل الداخلي» و«قوة الجاذبية الأخلاقية والتاريخية». وهذا ليس «تنبؤاً» أو «تمنياً»، بل «تشخيص هندسي دقيق» لواقع الكيان، كما فعلنا طوال هذه الوثيقة.
(يتبع)