رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

شرارة الشمال الإثيوبى تهدد بإشعال القرن الإفريقى


9-10-2026 | 04:10

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

فى وقتٍ تتوالى فيه أزمات القارة الإفريقية وتشتعل بؤر الصراع من منطقة إلى أخرى، تلوح فى الأفق الإثيوبى مجددًا نذر مواجهة تهدد بإعادة البلاد إلى دوامة الحرب بعد اشتباكات فى إقليم تيجراى بين القوات الإقليمية والجيش الوطني. ويبقى السؤال: هل نحن أمام جولة عابرة من التوتر، أم بداية حرب جديدة تعيد رسم خريطة الصراع فى واحدة من أكثر مناطق إفريقيا اضطرابًا؟

 

يثير تجدد القتال مخاوف من انزلاق إثيوبيا إلى صراع أوسع، قد تتجاوز تداعياته حدود تيجراى لتطال أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقى بأكملها خاصة بعد تدهور العلاقات بين إثيوبيا وجيرانها من الدول الإفريقية. فبينما لم تندمل بعد جراح الحرب السابقة، يبدو أن الهدوء الهش يواجه اختبارًا جديدًا، مع تصاعد التوترات وعودة المواجهات إلى الواجهة، وإعلان تحالف جديد يضم سبع حركات مسلحة معارضة للحكومة الإثيوبية، ويخشى سكان تيجراى، الذين يحاولون التعافى من حرب دامية، من عودة الصراع الشامل. وتشير التقارير إلى عمليات شراء بدافع الذعر، والآن تعطلت خدمات الإنترنت والاتصالات. وهذا يعنى أن الناس لا يستطيعون الوصول إلى أموالهم عبر التطبيقات الرقمية، فى مجتمع بات يعتمد بشكل كبير على التعاملات غير النقدية، بعد توقف أجهزة الصراف الآلى عن العمل قبل عدة أشهر.

جاءت هذه الضربات بعد أكثر من ستة أشهر من تدهور العلاقات بين الحكومة وجبهة تحرير شعب تيجراى الحزب الحاكم فى الإقليم وتبادل الطرفان الاتهامات، بينما حشدت القوات وسط بؤر قتال متفرقة ووسط تصاعد التوترات بشأن إعادة جبهة تحرير شعب تيجراى للإدارة السياسية الإقليمية التى سبقت الحرب الأهلية التى اندلعت، وعدم اكتمال نزع سلاح الجماعة، وتجدد الاشتباكات المحلية، واتهمت الحكومة الفيدرالية قوات تيجراى بإعادة التعبئة؛ كان الهدف الظاهر للهجمات الفيدرالية هو إضعاف القدرات العسكرية لتيجراي.

تعد جبهة تحرير شعب تيجراى هى الخصم الرئيسى لحكومة رئيس الوزراء آبى أحمد الفيدرالية وقوات الدفاع الوطنى الإثيوبية، فكانت هى المنظمة المهيمنة فى الائتلاف الحاكم فى إثيوبيا من عام 1991 حتى تولى آبى أحمد رئاسة الوزراء عام 2018. ولا تزال أقوى قوة سياسية وعسكرية منظمة فى تيجراي. وتُعدّ الشراكة الأبرز فى التحالف الجديد بين جبهة تحرير شعب تيجراى وحركة فانو فى أمهرة، التى قاتلت إلى جانب الجيش الفيدرالى خلال الحرب الأهلية، والذى أدى إلى اتفاق بريتوريا الذى أوقف القتال المباشر بين إثيوبيا ومتمردى تيجراى فى نوفمبر 2022، لكنه لم يُشكّل تسوية سلام شاملة، ولم تتبعه مفاوضات سياسية أوسع لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب. ودفعت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الولايات المتحدة إلى فرض حظر على توريد الأسلحة إلى إثيوبيا عام 2021، وفرض عقوبات على الجيش الإريترى وكبار المسؤولين والشركات المملوكة للدولة. وفى 18 سبتمبر، رفعت الولايات المتحدة حظر الأسلحة عن إثيوبيا، ولم تجدد العقوبات على إريتريا.

فى هذا السياق، أوضح الدكتور «رامى زُهدي»، الخبير فى الشؤون الإفريقية السياسية والاقتصادية،ونائب رئيس مركز العرب للإبحاث والدراسات الاستراتيجية، ورئيس وحدات الدراسات الإفريقية، أن ما يحدث فى تيجراى حاليًا يتجاوز فكرة عودة الحرب السابقة بنفس صورتها، وإن كان يمثل فعليًا بداية جولة جديدة من القتال، بشكل ومنهجية مختلفة. الفارق أن المشهد الحالى أكثر تعقيدًا بكثير؛ فهناك تحالف يضم جبهة تحرير تيجراى إلى جانب قوى مسلحة من أمهرة وأوروميا، ست جبهات قتال مسلحة إلى جانب تيجراى، والتى استطاعت منفردة فى العامين 2021 و2022 محاصرة العاصمة الإثيوبية من ثلاث جهات، وكانت قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النظام وقتها، بينما تتداخل الأزمة مع التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا، ومع الخلافات الإثيوبية السودانية كذلك، وبالتزامن لذلك نحن أمام صراع داخلى متعدد الجبهات يتجه إلى اكتساب أبعاد إقليمية، وليس مجرد تكرار لحرب 2020–2022.

وتابع: هناك ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأول: احتواء القتال فى الشمال وعودة الأطراف إلى التفاوض، وهو السيناريو الأقل تكلفة على إثيوبيا والمنطقة، لكنه يتطلب إعادة تفعيل تفاهمات بريتوريا ومعالجة الملفات التى بقيت معلقة بعد الحرب السابقة، ولا أرجح حدوث ذلك لأسباب بنيوية مانعة ومضادة لذلك.الثاني: تحول المواجهة إلى حرب داخلية أوسع، خصوصًا إذا استمر التحالف بين القوى المسلحة فى تيجراى وأمهرة وأوروميا، بما يفتح أكثر من جبهة أمام الحكومة الفيدرالية ويستنزف الجيش الإثيوبي. وهنا لا أستبعد انتصار أى من الطرفين، قياسًا إلى موازين القوة العسكرية والدعم؛ يمكن للجيش الفيدرالى أن ينتصر، ويمكن بالمقابل أن تنتصر الجبهات المعارضة المتحالفة، ولا سيما لو استطاعت تقوية تحالفها بشكل سياسى قوى إلى جانب العسكري.

وأضاف أن السيناريو الأخطر هو انتقال الأزمة من حرب داخلية إلى صراع بالوكالة، من خلال الدعم الخارجى للأطراف المتحاربة، وهو ما بدأ يظهر فى الاتهامات الإثيوبية غير المنطقية والملفقة لإريتريا والسودان ومصر، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها اتهامات سياسية وأمنية لا حقائق مثبتة، يستهدف منها النظام الإثيوبى التأثير الداخلى ووقف تمدد الدعم الشعبى للجبهات المعارضة، وأيضًا دعم طلب المساعدة والدعم من قوى خارجية أخرى، يُرجح توجهها لدعم النظام الإثيوبى إن اقتضت الظروف ذلك.

واختتم الدكتور زُهدى حديثه بأن عودة حرب تيجراى كأزمة إقليمية، وهذا هو مصدر القلق الحقيقى، فالجغرافيا تجعل من الصعب عزل تيجراى عن إريتريا والسودان والبحر الأحمر. وإذا استمر القتال واتسعت دائرة الدعم الخارجى، يمكن أن تتقاطع الحرب الإثيوبية مع الحرب السودانية والتوتر الإثيوبى الإريترى، بما يحول القرن الإفريقى إلى مسرح صراعات مترابطة. والأكثر خطورة أن المعادلة لم تعد محصورة فى تيجراي؛ فقد امتد القتال إلى عفر وأمهرة، وهناك مخاوف من تأثيره على ممر جيبوتى، وهو شريان التجارة الخارجية الرئيسى لإثيوبيا. لذلك أرى أن الخطر الحقيقى ليس فقط عودة حرب تيجراى، وإنما تحولها إلى عقدة إقليمية تجمع صراعات السودان وإثيوبيا وإريتريا وتنافسات البحر الأحمر، وإذا حدث ذلك، فإن احتواء الأزمة سيصبح أصعب بكثير، ولن تكون تداعياتها محصورة داخل الحدود الإثيوبية.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة