تمثل اتفاقية تجديد مبادلة العملات المحلية بين البنك المركزى المصرى ونظيره الإماراتى خطوة استراتيجية جديدة نحو الازدهار والنمو فى العلاقات التجارية الثنائية بين البلدين؛ فهى أفق جديد للتكامل الاقتصادى. وتتنوع حركة التبادل التجارى بين مصر والإمارات؛ فتركز الصادرات المصرية إلى السوق الإماراتى على الحاصلات الزراعية، والمنتجات الغذائية، والأجهزة الكهربائية والمنزلية، والكابلات والموصلات الكهربائية، إلى جانب مواد البناء والأثاث. أما الصادرات الإماراتية لمصر فتتمثل فى المشتقات البترولية، والبتروكيماويات، والبلاستيك، والمعادن والمدخلات الصناعية.
ويسهم تطبيق مبادلة العملات المحلية بين مصر والإمارات فى خفض تكاليف المعاملات التجارية، وتفادى مخاطر تقلبات أسعار الصرف للعملات الوسيطة، كما يمنح المنتجات الوطنية ميزة تنافسية مرتفعة فى كلا السوقين المصرى والإماراتي، وفى الوقت ذاته، ييسر على المستوردين عمليات الشحن، وفتح الاعتمادات المستندية، وإبرام عقود التوريد طويلة الأجل دون ضغوط نقدية؛ بما يزيد من فرص التعاون التجارى المستقبلية بين البلدين فى مجالات: الصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والنقل البحري، والتكنولوجيا المالية، والطاقة المتجددة، وسلاسل الإمداد. وهو ما يقدم نموذجًا للتكامل الاقتصادى المتبادل بين القاهرة وأبوظبي، قائمًا على استثمار الإمكانيات الإنتاجية والتصديرية للبلدين بما يخدم أهداف التنمية المستدامة لكل منهما.
وفى السياق، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادى ورئيس المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، إن «تجديد اتفاقية مبادلة العملات المحلية بين مصر والإمارات خطوة استراتيجية تعكس عمق التنسيق النقدى والتعاون الاقتصادى بين البلدين». وأضاف أن «الاتفاقية تتجاوز فى جوهرها الشكل التقليدى للترتيبات المصرفية؛ لتسهم بشكل مباشر فى دعم أداء الاقتصاد الوطنى وتوفير قنوات سيولة آمنة، بما يكشف عن رؤية استراتيجية أكثر جرأة تستهدف إعادة هيكلة التسويات وتخفيف الاعتماد على العملات الوسيطة فى المعاملات الإقليمية».
وتابع: «شهدت إعادة صياغة وتجديد الاتفاقية تثبيت قيمتها الاسمية بالعملة الإماراتية عند 5 مليارات درهم، وهى نفس القيمة المقررة فى الاتفاقية الأولى الموقعة فى سبتمبر 2023 بين البلدين، لكن فى الاتفاقية الجديدة، ارتفعت القيمة المقابلة بالجنيه المصرى من نحو 42 مليار جنيه فى 2023 إلى ما يقارب 69 مليار جنيه عند التجديد، وهو انعكاس فنى لتغيرات سعر الصرف المستخدم فى التقييم الرسمي، وليس تدفقًا نقديًا أو ضخًا ماليًا جديدًا للاقتصاد».
وأوضح «عامر» أن هناك فرقًا بين اتفاقيات مبادلة العملات وبين المنح المالية أو القروض التقليدية التى تحمل أعباء فوائد، مضيفًا أن «مبادلة العملات المحلية هى آلية فنية ومصرفية متقدمة بين البنوك المركزية، تتيح توفير سيولة نقدية بالعملتين المحليتين وفق شروط وضوابط محددة لتغطية المعاملات التجارية والاستثمارية المشتركة عند الحاجة».
المكاسب الاقتصادية للاتفاقية
وحدد رئيس مركز المصرى للدراسات الاقتصادية المكاسب الاقتصادية المترتبة على الاتفاقية فى النقاط التالية:
تخفيف الضغط على النقد الأجنبى: يعمل تجديد الاتفاقية لمدة 5 سنوات على إتاحة آلية للتسوية بالدرهم والجنيه؛ لتحييد الدولار الأمريكى كعملة وسيطة فى جانب كبير من الميزان التجارى بين مصر والإمارات، مما يقلل الطلب المحلى على العملات الأجنبية الرئيسية ويوجه الاحتياطات النقدية لتغطية الالتزامات الدولية الأكثر أولوية.
تحفيز التجارة والاستثمار: تسهم المبادلة فى خفض تكاليف المعاملات وتفادى مخاطر التقلبات المفاجئة فى أسعار الصرف، بما يوفر بيئة آمنة للمستوردين والمصدرين ويزيد من عقود التوريد والاستثمار طويل الأجل.
تعزيز الاستقرار المصرفي: توفر الاتفاقية أدوات مرنة للبنكين المركزيين لإدارة مستويات السيولة بالعملات المحلية ومواجهة أى مخاطر طارئة فى أسواق التمويل.
كما شدد على أن «تجديد الاتفاقية للمرة الثانية ولمدة 5 سنوات هو تأصيل لشراكة طويلة الأجل، بما يمنح البلدين ترتيبات نقدية ذات طابع استراتيجى مستقر، ويربط بين التعاون المصرفى برؤية تنموية وإحداث تكامل اقتصادى تجارى متبادل».
وربط «د. عادل» بين تجديد الاتفاقية والتوجهات العالمية والإقليمية للتوسع فى نطاق التسويات بالعملات المحلية، موضحًا أن هذه الخطوة تتقاطع مع المبادرات التى تبناها تكتل «بريكس» والاتفاقيات المماثلة التى أبرمتها مصر مع الصين وروسيا.
دعامة قوية للاقتصاد المصرى
بدوره، قال الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، إن «تجديد اتفاقية مبادلة العملات المحلية بين مصر والإمارات هو خطوة تمثل دعمًا حقيقيًا وملموسًا للاقتصاد المصري، فهى محصلة طبيعية لزخم العلاقات الاستثمارية والتجارية المتنامية بين البلدين»، وأضاف أن «الاتفاقية تركز على أبعاد استراتيجية تتجاوز النطاق التقليدى للتبادل السلعي؛ فهى تسهم مباشرة فى تخفيف الضغوط المستمرة على العملات الأجنبية، وتدعم القوة الشرائية للعملة الوطنية عبر التوسع فى الاعتماد على الجنيه والدرهم فى التسويات المباشرة».
وأشار «البهواشي» إلى أن «تجديد الاتفاقية للمرة الثانية واستمرارها لمدة 5 سنوات يمثل صمام أمان لتثبيت المستثمر الإماراتى وتوسيع حجم التجارة المشتركة، بما ينعكس على وجود إدارة متبادلة لتطوير الشراكة الاقتصادية والانتقال بها إلى مستويات أكثر استدامة».