لم يعد التحول إلى التصنيع الذكى خيارًا تكنولوجيًا أمام المصانع المصرية، بل أصبح أحد المسارات المطروحة لرفع الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات، وخفض تكاليف التشغيل؛ فى ظل توجه حكومى لزيادة الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والأتمتة داخل القطاع الصناعي. ويأتى ذلك بالتزامن مع تأكيد وزارة الصناعة وضع التحديث التكنولوجى والتحول نحو التصنيع الذكى ضمن ركائز استراتيجيتها، إلى جانب إعلان وزير الصناعة، المهندس خالد هاشم، وجود حوافز للمصانع التى تستخدم تطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى بهدف تحسين كفاءة العمليات الإنتاجية وتعزيز تنافسية المنتج المصرى.
وتعمل وزارة الصناعة على توسيع دور مركز تحديث الصناعة لمساندة المصانع فى تبنى الحلول التكنولوجية الحديثة وربطها باحتياجات الإنتاج الفعلية، مع التركيز على التحول الرقمى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفى يونيو 2026 شهد وزيرا الصناعة والاستثمار والتجارة الخارجية توقيع 4 بروتوكولات تعاون بين مركز تحديث الصناعة وعدد من الجهات والشركات، استهدفت -من بين أهدافها- تعزيز التحول الرقمى والتصنيع الذكي، وتطوير الموردين المحليين، ورفع تنافسية الصناعة المصرية.
كما وَقَّع مركز تحديث الصناعة بروتوكول تعاون مع شركة الشرق الأوسط لخدمات تكنولوجيا المعلومات «MCS»، بهدف رفع مستويات الأمن السيبرانى داخل المنشآت الصناعية، وتأمين أنظمة التشغيل والتحكم الصناعي، وبناء القدرات الرقمية للعاملين؛ بما يدعم استمرارية العمليات الإنتاجية فى ظل التوسع فى استخدام التكنولوجيا داخل المصانع.
وأكد وزير الصناعة أن «التحول التكنولوجى لا يستهدف المصانع الكبرى فقط، وإنما يمتد إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها جزءًا أساسيًا من سلاسل التوريد المحلية»، مشددًا على أهمية التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص والجهات التكنولوجية والبحثية لتحويل تطبيقات الذكاء الاصطناعى إلى حلول عملية داخل القطاع الصناعي.
وتزامن هذا التوجه مع مشاركة وزارة الصناعة فى الدورة الثامنة من قمة FDC للصناعة الرقمية التى شهدت معرضًا ضم نحو 60 شركة محلية وعالمية تعمل فى مجالات التكنولوجيا، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، بهدف استعراض التطبيقات والحلول التكنولوجية، وبحث فرص التعاون والشراكات مع القطاع الصناعي.
رؤى الخبراء: نحو تصنيع ذكى ومستدام
وفى هذا السياق، قال الدكتور محمد البهي، الخبير الصناعى ومستشار غرفة صناعة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، إن «الاتجاه إلى استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى فى الصناعة يمثل تطورًا طبيعيًا فى ظل التحول الذى يشهده قطاع التصنيع عالميًا، والاعتماد على هذه التقنيات يساهم فى تقليل الأخطاء البشرية، وتحسين جودة المنتجات، وخفض تكاليف الإنتاج».
وأضاف «البهي» أن «استخدام الأنظمة الآلية فى مراحل الإنتاج المختلفة يتيح للمصانع تحقيق معدلات إنتاج أكبر مقارنة بالاعتماد الكامل على العمل اليدوي، خاصة فى الصناعات التى تتطلب عمليات متكررة أو دقيقة، كما أن التوسع فى الإنتاج يمكن أن يدعم قدرة الشركات على زيادة المعروض وتوجيه جزء أكبر من إنتاجها إلى التصدير».
وأوضح أن «تطبيقات الأتمتة والتكنولوجيا يمكن استخدامها فى قطاعات صناعية متعددة، إلا أن الحاجة إليها تزداد بصورة خاصة فى الصناعات التى تتسم بتعقيد عمليات الإنتاج»، مشيرًا إلى صناعات الغزل والنسيج، والأدوية، والسيارات، باعتبارها من المجالات التى يمكن أن تستفيد من الروبوتات والأنظمة الآلية فى عدد من مراحل التصنيع.
وتابع أن «استخدام الروبوتات والأنظمة الذكية يمكن أن يكون أكثر ملائمة لبعض المهام التى تتطلب دقة متكررة أو التعامل مع أجزاء وأوزان يصعب على العامل التعامل معها بصورة مستمرة، وهو ما يسمح بتحسين كفاءة العملية الإنتاجية وتقليل الأخطاء». ومؤكدًا أن «تحسين جودة الإنتاج يأتى فى مقدمة المكاسب التى يمكن أن تحققها المصانع من الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي»؛ وموضحًا أن «الأنظمة الآلية تتيح إجراء العمليات والحسابات بدرجة عالية من الدقة، وهو ما يحد من الأخطاء التى قد تنتج عن التدخل البشري».
وأكمل: تستهدف وزارة الصناعة الانتقال تدريجيًا من مجرد استخدام التكنولوجيا داخل المصانع إلى المشاركة فى تطويرها وتصنيعها وتصديرها، بما يتوافق مع توجه الدولة نحو توطين التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة محليًا. وبذلك، لا يقتصر مفهوم المصنع الذكى على إدخال روبوتات إلى خطوط الإنتاج، وإنما يشمل منظومة أوسع تعتمد على الرقمنة، والأتمتة، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وربط مراحل الإنتاج، إلى جانب تأمين الأنظمة الرقمية بما يجعل التكنولوجيا جزءًا من عملية اتخاذ القرار وتحسين كفاءة التشغيل.
خطوة بخطوة نحو التكامل الرقمي
بدوره، قال الدكتور محيى عبد السلام، الخبير الاقتصادى والمستشار المالي، إن «الانتقال إلى التصنيع الذكى وإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مراحل الإنتاج يتطلب تنفيذ مجموعة من الخطوات المتكاملة، تبدأ من إنشاء منظومة للتحول الرقمى وربط المنشآت والقطاعات الصناعية ببعضها البعض»، موضحًا أن «الحكومة مطالبة بالعمل على إنشاء منصة رقمية متكاملة تربط المنشآت الصناعية وسلاسل الإنتاج بما يسمح بربط الصناعات المختلفة ببعضها»، ومستشهدًا بقطاع السيارات الذى يضم صناعات تحويلية وتكميلية وهو ما يتطلب وجود منظومة رقمية تتيح التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج.
وأشار «عبد السلام» إلى أن التحول الرقمى فى القطاع الصناعى يجب أن يتزامن مع ربط الشبكات التشغيلية وتأمينها، إلى جانب إنشاء منظومة متطورة للأمن السيبرانى لحماية البيانات والمعلومات المتداولة عبر الشبكات الصناعية، مؤكدًا أن حماية الأنظمة الرقمية تمثل عنصرًا أساسيًا لضمان استمرارية خطوط الإنتاج الذكية، خاصة أن تعرض البيانات أو البرمجيات الصناعية للاختراق يمكن أن يؤدى إلى تعطيل عمليات الإنتاج.
كما شدد على أن «تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكن أن تساهم فى حل عدد من المشكلات التى تواجه المصانع، وفى مقدمتها الأعطال المفاجئة من خلال تطبيق مفهوم الصيانة التنبؤية الذى يعتمد على تحليل البيانات للتنبؤ باحتمالات حدوث الأعطال قبل وقوعها». وأضاف أن «تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكن أن تساعد كذلك فى ترشيد استهلاك الطاقة وضبط معدلات استخدامها، فضلًا عن تقليل الفاقد من الخامات والمنتجات من خلال تحسين عمليات الفرز والتصنيع ومراقبة الجودة بدرجة أكبر من الدقة والسرعة».
وعن العائد الاقتصادى للتصنيع الذكي، قال الدكتور محيى إن «تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكن أن تسهم فى خفض التكاليف التشغيلية بنسب تتراوح بين 20فى المائة و40فى المائة، إلى جانب خفض استهلاك الطاقة بنحو 10فى المائة إلى 15فى المائة، وتقليل استهلاك الخامات بنسب تتراوح بين 5فى المائة و15فى المائة بحسب طبيعة التطبيق والقطاع الصناعي».
الصناعات الكيماوية والفرص الواسعة
من جانبه، أكد المهندس خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الكيماوية والأسمدة، أن عددًا من المصانع المصرية -خاصة الشركات الكبرى- بدأ بالفعل فى تبنى حلول التصنيع الذكى والتحول الرقمى مع تفاوت مستوى التطبيق من قطاع إلى آخر، مشيرًا إلى أن القطاع الكيماوى يمتلك فرصًا واسعة للتوسع فى هذا المجال.
وأوضح «أبو المكارم» أن الذكاء الاصطناعى يمكن توظيفه فى مصانع الكيماويات فى مراقبة الجودة، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالأعطال، وتنفيذ الصيانة الوقائية، إلى جانب تحسين استهلاك الطاقة والخامات وتقليل الهدر بما يساهم فى رفع كفاءة العمليات الإنتاجية. لافتًا إلى أن «أبرز تحديات التحول إلى التصنيع الذكى تتمثل فى ارتفاع الاستثمارات الأولية، وتوفير الكوادر المؤهلة، وتحديث البنية التكنولوجية، وربط الأنظمة القديمة بالحلول الحديثة».
وأكد «أبو المكارم» أن التصنيع الذكى أصبح أحد العوامل المهمة لتعزيز تنافسية المنتج المصرى وزيادة قدرته على النفاذ للأسواق العالمية، مطالبًا بحوافز تمويلية وضريبية، وبرامج لدعم التحول الرقمى وتدريب الكوادر، ومشيرًا إلى أن تطبيقات التصنيع الذكى بدأت تظهر بصورة أكبر فى قطاعات الكيماويات، والأغذية، والأدوية، والنسيج، والصناعات الهندسية.