تمتلك مصر ثروة زراعية تفوح منها روائح العطر، وتحمل فى أوراقها وبذورها وأزهارها فرصًا اقتصادية وتصديرية واعدة، إنها النباتات الطبية والعطرية التى لم تعد مجرد محاصيل موسمية تخرج من الأرض إلى الأسواق، بل أصبحت مدخلاً لصناعات واسعة تمتد من الدواء والعطور إلى مستحضرات التجميل والأغذية، وتفتح آفاقًا لتعظيم القيمة المضافة وزيادة الصادرات، وبين تنوع المحاصيل وملاءمة الظروف المناخية وتراكم خبرات المزارعين، تبرز أهمية هذا القطاع فى دعم الإنتاج الزراعى وتعزيز فرص الاستثمار والتشغيل، خاصة مع تنامى الطلب العالمى على المنتجات الطبيعية ومشتقاتها.
ورغم ما تمتلكه مصر من مقومات طبيعية وخبرات متراكمة فى زراعة هذه المحاصيل، فإن تعظيم الاستفادة منها يظل مرهونًا بالقدرة على تطوير منظومة الإنتاج، بدءًا من اختيار الأصناف والتقاوى الجيدة، وتحسين إنتاجية الفدان، مرورًا بالتجفيف والتصنيع واستخلاص الزيوت والمستخلصات، وانتهاء بالوصول إلى الأسواق الخارجية بمنتجات تتوافق مع معايير الجودة العالمية، وبين طموحات المزارعين وتطلعات المصدرين ورؤى الباحثين، يبرز ملف النباتات الطبية والعطرية باعتباره أحد المسارات الواعدة لزيادة القيمة المضافة للمحاصيل المصرية، وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل فى الريف، وتعزيز حضور المنتج المصرى فى الأسواق الدولية.
وفى هذا السياق قال الحاج أحمد سالم، أحد كبار مزارعى الريحان بمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، إن «نبات الريحان يعد من المحاصيل الزراعية التى تتميز بموسم إنتاج ممتد وعائد متجدد للمزارع، حيث تبدأ زراعته فى أوائل شهر مايو، ويستمر موسم إنتاجه حتى شهر ديسمبر، وخلال هذه الفترة يتم جمع المحصول على نحو 5 مرات، بما يتيح للمزارع الاستفادة من الأرض على مدار الموسم الزراعى، والفدان ينتج نحو طن من الريحان فى كل مرة، وهو ما يعنى أن إجمالى إنتاج الفدان يمكن أن يصل إلى نحو 5 أطنان خلال الموسم، وفقًا لعدد الحشات ومعدلات الإنتاج، وهذه الطبيعة الإنتاجية تمنح الريحان ميزة اقتصادية مهمة، تتمثل فى توفير إيراد متجدد لصاحب الأرض على فترات متتابعة، بما يساعده على تحقيق عائد من المحصول أكثر من مرة خلال العام، على عكس المحاصيل التقليدية التى يتم جمع إنتاجها مرة واحدة فى نهاية الموسم».
وأضاف أن «زراعة الريحان تمر بعدد من المراحل المتتابعة، تبدأ بإعداد وتجهيز أحواض الشتلات، ثم تربيتها والعناية بها حتى تصل إلى العمر والحجم المناسبين، وبعد مرور نحو شهر من تربية الشتلة يتم نقلها وزراعتها فى الأرض المستديمة لتبدأ بعدها مراحل النمو والرعاية الزراعية، وصولًا إلى مرحلة الحصاد التى تمثل إحدى أهم المحطات فى دورة إنتاج المحصول، حيث عملية «حش الريحان»، لا تتم بصورة عشوائية».
«سالم»، أشار إلى أن «انتهاء عملية جمع الريحان من الأرض لا يعنى اكتمال رحلة المحصول، وإنما يمثل بداية مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن الزراعة والحصاد، وهى مرحلة «التجفيف والتجهيز»، التى تتحدد خلالها درجة كبيرة من جودة المنتج النهائى ومدى صلاحيته للتسويق والتصدير»، مضيفًا أن «عملية التجفيف لا تقتصر على نشر الريحان فى المناشر أو تمريره على الماكينات، وإنما تستكمل بعد ذلك فى الظل، مع تقليب المحصول بصورة مستمرة لضمان تجفيفه بصورة متوازنة، إلى جانب إجراء عمليات الفرز واستبعاد الأوراق المصابة أو التى تعرضت للعفن أو تغير لونها، مؤكدًا أن هذه الخطوات ضرورية للحفاظ على جودة المنتج».
وتابع أن «المرحلة التالية تتمثل فى استخلاص الأوراق من العشب وفصلها عن السيقان، حيث الأوراق الناتجة عن عملية الفصل يعاد تمريرها على الغربال للتخلص من الشوائب وبقايا السيقان والأتربة، بما يساعد على رفع درجة نقاء المنتج وتحسين جودته، ثم توضع الأوراق على ما يعرف بـ«الهزاز»، لاستكمال عمليات التنقية والفرز والوصول إلى نسب النظافة المطلوبة قبل بيع المحصول إلى التجار والمصدرين»، مؤكدًا أن المزارعين يبيعون محصول الريحان بعد الانتهاء من تجهيزه وفرشه إلى المصدرين والتجار المتخصصين، الذين يتولون تجميع الكميات المجهزة وتسويقها وتصديرها إلى الأسواق الخارجية»، مشيرًا إلى أن الريحان المصرى يصل إلى عدد كبير من الدول، من بينها فرنسا وألمانيا وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب عدد آخر من الدول الأوروبية، وهو ما يعكس امتداد سلسلة تسويق المحصول من المزارع المصرى إلى الأسواق العالمية.
وأوضح «سالم» أن «عملية بيع المحصول تتم بالطن، ويتراوح سعر الطن بين 25 ألف و 40 ألف جنيه، وفقًا لجودة المنتج ومستوى تجهيزه ونظافته، كما أن التجار الذين يتعامل معهم مزارعو الريحان يأتون عادة من عدد من المحافظات، من بينها القاهرة والفيوم وبنى سويف، حيث يتولون شراء المحصول بعد تجهيزه، وتجميع الكميات المطلوبة، ثم نقلها إلى حلقات التداول والتصدير، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من رحلة الريحان المصرى نحو الأسواق الخارجية».
من جانبه قال المهندس هيثم عماد، عضو المجلس التصديرى للحاصلات الزراعية: تشهد صادرات مصر من النباتات الطبية والعطرية نموًا ملحوظًا فى ظل تزايد الطلب العالمى على المنتجات المصرية، وقيمة الصادرات تجاوزت 500 مليون دولار خلال عام 2025، بالتوازى مع استهداف رفع العائدات إلى مليار دولار بحلول عام 2030، كما أن إجمالى صادرات النباتات الطبية والعطرية بلغ نحو 900 مليون دولار بنهاية موسم أغسطس، توزعت بين 400 مليون دولار للحاصلات الزراعية، و 500 مليون دولار للنباتات المصنعة الداخلة فى الصناعات الغذائية، محققة معدل نمو بلغ 12فى المائة مقارنة بالعام السابق.
وأضاف «م. عماد»، أن «ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وإيطاليا تأتى ضمن أبرز الأسواق المستوردة للمنتجات المصرية، والريحان المصرى يحظى بطلب متزايد فى الأسواق العالمية، خاصة أسواق الاتحاد الأوروبى وأمريكا الشمالية وآسيا، بفضل تنوع استخداماته فى الصناعات العطرية والغذائية، ومصر تحتل المركز الأول عالميًا فى تصدير الريحان والعطر، والمركز الثانى فى تصدير الياسمين والبردقوش وزيت الكمون، فيما تأتى فى المرتبة الخامسة عالميًا فى تصدير النباتات الطبية والعطرية».
بدورها، قالت الدكتورة مها إسماعيل، أستاذ بمعهد علوم النبات بمركز البحوث الزراعية، إن «قطاع النباتات الطبية والعطرية فى مصر يمتلك تنوعًا زراعيًا مهمًا، فى ظل تعدد المحاصيل التى تتم زراعتها واستخداماتها فى الصناعات الدوائية والغذائية ومستحضرات التجميل والعطور، وقائمة المحاصيل الرئيسية تضم الريحان والنعناع والبردقوش، إلى جانب الكمون واليانسون والشمر والكراوية والبابونج، ولكل محصول طبيعة إنتاجية واحتياجات زراعية مختلفة، فضلًا عن اختلاف استخداماته الصناعية والتجارية، وهو ما يمنح القطاع فرصًا متنوعة لتلبية احتياجات السوق المحلية والأسواق الخارجية».
وأشارت «د. مها»، إلى أن «متوسط إنتاجية النباتات الطبية والعطرية يختلف وفقًا لنوع المحصول والصنف المستخدم وطبيعة التربة والظروف المناخية ومستوى تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة»، موضحة أن «هناك محاصيل تزرع أساسًا للحصول على الأوراق الخضراء أو المجففة، مثل الريحان والنعناع والبردقوش، وأخرى تعتمد على البذور والثمار العطرية، مثل الكمون واليانسون والشمر والكراوية، بينما يمثل البابونج أحد المحاصيل المهمة التى تستهدف إنتاج النورات الزهرية ذات الاستخدامات الطبية والتجارية، حيث إن تقييم إنتاجية الفدان يجب أن يرتبط بطبيعة الجزء الاقتصادى من النبات، سواء كان أوراقًا أو بذورًا أو أزهارًا أو زيوتًا عطرية، حتى تكون المقارنة بين المحاصيل دقيقة».
كما كشفت أن «خريطة إنتاج النباتات الطبية والعطرية فى مصر تتوزع على عدد من المحافظات، وفقًا لملاءمة الظروف البيئية وتوافر الخبرات الزراعية ومراكز التجهيز والتسويق، حيث تبرز محافظات الوجه القبلى والوجه البحرى فى زراعة مجموعات مختلفة من هذه المحاصيل».
«د. مها»، أكدت أن «فرص التوسع فى النباتات الطبية والعطرية ترتبط بزيادة الطلب على الخامات النباتية والزيوت العطرية والمستخلصات المستخدمة فى الصناعات الدوائية والغذائية ومستحضرات التجميل، مؤكدة أهمية التوسع فى المحاصيل التى تتلاءم مع الظروف المصرية وتحقق عائدًا اقتصاديًا مناسبًا للمزارع، مع مراعاة احتياجات الأسواق التصديرية ومواصفات الجودة المطلوبة، حيث تعظيم الاستفادة من هذه الفرص يتطلب توفير تقاوى وشتلات جيدة، وتطوير عمليات التجفيف والتخزين والتعبئة، والتوسع فى استخلاص الزيوت العطرية والتصنيع المحلى بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخامات الأولية، إلى جانب تعزيز التعاون بين مراكز البحوث والمزارعين والمصدرين، بما يسهم فى رفع جودة المنتج المصرى وزيادة قيمته المضافة وقدرته على المنافسة فى الأسواق العالمية».
فى السياق، قال المهندس جمعة محمد عطا، الخبير الزراعى واستشارى الإنتاج النباتي: النباتات الطبية والعطرية تمثل أحد المسارات الواعدة أمام الزراعة المصرية، فى ظل التنوع الكبير فى المحاصيل التى يمكن زراعتها والاستفادة منها اقتصاديًا، بداية من الريحان والنعناع والبردقوش، وصولًا إلى الكمون واليانسون والشمر والكراوية والبابونج، حيث إن مصر تمتلك مقومات طبيعية ومناخية تساعد على إنتاج هذه المحاصيل فى مناطق متعددة، فضلًا عن توافر خبرات زراعية متراكمة لدى المزارعين، كما أن التوسع المدروس فى زراعتها يمكن أن يسهم فى تنويع مصادر الدخل الزراعى وفتح مجالات جديدة للتصدير، خاصة مع ارتفاع أهمية المنتجات الطبيعية فى الصناعات الدوائية والغذائية ومستحضرات التجميل.