رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

20 دقيقة بين الحياة والموت.. رجال الإسعاف ينقذون عاملًا بعد بتر ذراعه في حادث مروري


7-10-2026 | 14:05

.

طباعة
كتبت : إيمان النجار
سليمان، ابن محافظة بني سويف، واحد من الناس البسطاء الذين يخرجون كل يوم بحثًا عن رزقهم، وكانت صحته بالنسبة له رأس ماله ومصدر قوته. لكن في دقائق قليلة، تحولت رحلته إلى عمله إلى ملحمة حقيقية بين الحياة والموت، بعدما تعرض لحادث مروري عنيف أدى إلى بتر ذراعه اليسرى بالكامل.
كان سليمان يعبر الطريق في طريقه إلى عمله، عندما صدمته سيارة وأطاحت به عدة أمتار. وحين سقط على الأرض، لم تكن الإصابة مجرد جروح بالغة؛ فقد انفصلت ذراعه اليسرى عن جسده، واستقرت على بعد نحو متر منه. دخل سليمان في حالة من الصدمة، ولم يعد يستوعب ما يدور حوله. كانت عيناه معلقتين بالسماء، بينما بدا وكأن شريط حياته يمر أمام عينيه، وعقله لا يقوده إلا إلى فكرة واحدة: أن نهايته قد اقتربت. في تلك اللحظات، بدأ وعيه يتلاشى، وأصبحت الأشياء من حوله تبدو كخيالات متقطعة. ربما كانت آخر صورة واضحة رأها هي اللون الأصفر لسيارة الإسعاف، وآخر صوت سمعه كان صوت المسعف محمد سيد وهو يقول له: «متخافش.. إحنا معاك». وصل المسعف محمد سيد، برفقة زميله السائق محمود محمد، من رجال إسعاف الطرق الذين يؤدون مهمتهم على الطريق الإقليمي وطريق العين السخنة، وعاصر الاثنان خلال عملهما العديد من قصص الإنقاذ، كما شهدا أيضًا مواقف مؤلمة ارتبطت بالفقد والموت. وبمجرد أن رأى محمد سليمان، أدرك خطورة حالته؛ فقد كان المصاب ينزف بشدة، بينما كانت ذراعه اليسرى المبتورة بالكامل على بعد أمتار قليلة منه. لكن محمد لم يتعامل مع الذراع باعتبارها مجرد جزء مبتور من جسد المصاب، بل رأى فيها جزءًا من حياة سليمان وعمله ومصدر رزقه، وقرر أن يتعامل معها كإصابة قائمة بذاتها، واضعًا نصب عينيه احتمال إنقاذها وإعادة توصيلها. في دقائق معدودة، بدأ محمد في السيطرة على النزيف باستخدام عاصبة ضاغطة (Tourniquet)، ثم تعامل مع الجزء المبتور بحذر شديد، فغلفه بشاش طبي مبلل بالمحلول، ووضعه في وسيلة تبريد مناسبة مع تجنب ملامسته المباشرة للثلج، للحفاظ عليه لحين وصول المصاب إلى المستشفى. وبالتزامن مع ذلك، نُقل سليمان سريعًا إلى سيارة الإسعاف، حيث جرى توصيله بجهاز مراقبة العلامات الحيوية، وتركيب كانيولا وبدء إعطائه المحاليل لتعويض جزء من السوائل التي فقدها نتيجة النزيف. داخل سيارة الإسعاف، كانت عين محمد تتحرك بين شاشة جهاز المراقبة ونقاط المحلول المنساب إلى جسد سليمان، ثم تعود من وقت لآخر للاطمئنان على الذراع المبتورة. وفي الوقت نفسه، كان محمود محمد خلف عجلة القيادة، يشغل صافرة الإسعاف ويدفع بالسيارة بأقصى سرعة آمنة، فيما كان الاثنان يخوضان سباقًا مع الزمن، وكل دقيقة تمر قد تصنع فارقًا بين إنقاذ الذراع وفقدانها. ولم يكتفِ محمد بالإجراءات التي اتخذها داخل سيارة الإسعاف، بل استخدم مجموعة عبر تطبيق «واتساب» تضم العاملين بهيئة الإسعاف والعاملين بمستشفى العاصمة الإدارية الجديدة، وتُستخدم للتنسيق خلال الحالات الطارئة، وأرسل تسجيلًا صوتيًا أوضح خلاله الحالة الصحية لسليمان، مشيرًا إلى وجود بتر كامل في الذراع، مع وجود فرصة لإنقاذها وإعادة توصيلها. وصل سليمان إلى مستشفى العاصمة الإدارية الجديدة، ودخل غرفة العمليات سريعًا، حيث تعامل الفريق الطبي مع الحالة، ونجحت العملية في إنقاذ حياته وإعادة توصيل ذراعه. 20 دقيقة فقط كانت هي رحلة سليمان مع رجال الإسعاف؛ ربما تبدو فترة قصيرة في حسابات الوقت، لكنها بالنسبة لسليمان كانت أثمن 20 دقيقة في حياته، لأنها كانت الفاصل بين فقدان الأمل واستعادة الحياة، وبين فقدان ذراعه والاحتفاظ بها. قد تبدو القصة في ظاهرها مجرد «حادث» و«مصاب» و«سيارة إسعاف»، لكن خلف كل بلاغ إنسان له أسرة تنتظره، وعائلة تتمنى أن يعود إليها سالمًا. وهنا تكمن قيمة رسالة رجال الإسعاف؛ فكل ثانية في طريقهم إلى المصاب قد تكون فارقة، وكل قرار سريع قد يصنع فرصة جديدة للحياة. هذه واحدة من قصص كثيرة تُروى كل يوم على طرق مصر، قصص لرجال يؤدون عملهم في صمت، ويواجهون لحظات صعبة بين الحياة والموت، ويبذلون كل ما يستطيعون حتى تكون النهاية جملة واحدة: «المصاب على قيد الحياة».

الاكثر قراءة