بالنظر إلى ملف الديزل وهو العالم الخفى للنفط نرى أن العالم لديه النفط لكن ليس لديه المصافى الكافية، فالعالم يستطيع زيادة الإنتاج من الخام لكن لا يستطيع طباعة براميل من الديزل، وحسب تقرير بلومبرج هو ما دفع سعره داخل أمريكا ليقترب من الـ7 دولارات.
قبل الحرب كانت روسيا والخليج تصدر يومياً 2,2 مليون برميل يومياً، هذه التدفقات انهارت بنسبة 75 فى المائة، والحروب الدائرة سواء الحرب الروسية الأوكرانية أو الإيرانية الأمريكية، والتى استهدفت المصافى الروسية ومصفاة ياسرف فى ينبع وتوقفها كأحد أكبر المصافى فى الخليج العربى لإنتاج الديزل، كما أن المصافى الحالية تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية خصوصاً فى الساحل الأمريكى، ولكن هامش التكرير للديزل وصل إلى 100 دولار للبرميل، بعدما كان متوسطه التاريخى يصل إلى 10,5 دولار للبرميل، حيث إن الديزل يمثل 30 فى المائة من استهلاك النفط، وتبتلع الشاحنات نصف الإنتاج.
وأصبح العالم عالقاً بأزمة ديزل حقيقية، فنحن أمام مرحلة جديدة نفطية، فهناك دوامة تصاعدية فى أسعار الديزل والمكررات، والعالم خسر 7 ملايين برميل من القدرة التكريرية، وهنا نقول إن الأسواق لا تتسامح مع أى مشكلة فى المصافى، لذلك تشهد أسعار الديزل فى أمريكا حاليا ارتفاعاً قياسياً.
وقد نجحت خطة ترامب فى استنزاف المخزونات الاستراتيجية سواء من النفط أو الديزل الحيوى للصناعة والتجارة والزراعة، وأثبتت مطالبته لدول الاتحاد الأوروبى بالإفراج عن 120 مليون برميل من الديزل حتى تنخفض الأسعار أن أزمة النفط الحقيقية لم تبدأ بعد.
قصة المكررات قد تطول، وحتى نأخذ الأرقام فى سياقها، فالقارة الأوربية هى المنطقة الرخوة فى أمن الطاقة فى العالم، ووصول برميل الديزل إلى 450 يورو للبرميل الذى يمثل 159 لترا، وبالتالى ينعكس على كل الملفات الاقتصادية، وقد تحملت دول الاتحاد الأوروبى 130 مليار يورو فوق كاهل اقتصاداتها، وهذه الدول قد تملك بعض الإمكانيات المادية، أما الدول الناشئة فتختصر أبوابا من دعم التنمية الاقتصادية فى موازناتها لتوفير الديزل الحيوى وبقية المكررات. لذلك تعجز بيوت الخبرة عن وضع نموذج مستقبلى لأداء القطاع النفطى خصوصاً المكررات.
وهناك سوقان؛ سوق النفط الذى يعتمد على الأخبار والتصريحات والمضاربات، وسوق الديزل الحيوى والمشتقات الذى يعتمد على الحقائق، وهنا لا يتزامن سوق النفط مع سوق الديزل، فسوق الديزل يضيق والعرض يقل والطلب يزيد، والمصافى تحتاج إلى سنوات لبنائها والأمر يخرج عن السياق، وها هى كلفة الشحن والتأمين للناقلة يرتفع إلى 1,2 مليون دولار، وإذا كان هناك 15 فى المائة من المنقول بحرا من خلال أسطول الظلام الرقمى، يكون السؤال المفتاحى ماذا تحمل الناقلات: نفطا خاما أم مشتقات ؟!
أصبح الديزل السلاح الاقتصادى الجديد بيد ترامب؛ ليضغط به على العالم والاتحاد الأوروبي، والرئيس الفرنسى يطالب مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية بالتحرك لضمان استنزاف المخزونات الاستراتيجية من الديزل ويقترح 50 مليون برميل فقط.
وقع العالم فى فخ الديزل القياسى، والصين ما زالت عند موقفها والحصان ترك سرجه لينطلق ولا يستطيع أحد إيقافه، أمريكا تنتج كميات كبيرة من الديزل ولكنها تتعرض لارتفاع أسعار الديزل داخليا، لذلك فقراءة سعر النفط فقط قراءة خاطئة بدون معرفة سعر الديزل الذى يعيق سلاسل الإمداد بسبب هوامش التكرير.
العالم كله أصبح يذهب إلى تسوق الديزل من السواحل الأمريكية، وقد نجحت الخطة فى ضرب سوق المشتقات بالعالم، وتأجيل صيانة المصافى الأمريكية ستظهر فاتورته لاحقا، والمصافى تعمل بنسبة 96,8 فى المائة، ولكن سعر البنزين شيء وسعر الديزل الحيوى شيء آخر، وفى النهاية حوَّل ترامب ملف الديزل إلى ملف سياسى بامتياز، وهو الحلقة الأهم فى ملف الطاقة عالمياً فى خطة الحروب غير التقليدية ألا وهى حروب الطاقة.
وإلى حديث آخر.