وقبل الدخول فى تفاصيل هذا المقال، لابد أن نرصد أن زراعة الكثير من المحاصيل والأشجار تحكمها سياسة القطيع، وسط غياب أى معلومات رسمية من جانب وزارة الزراعة، وتحديدا من الإرشاد الزراعى، الأمر الذى يؤدى إلى تحمل المزارعين خسائر ضخمة.
وسياسة القطيع فى الزراعة ليست وليدة اليوم، بل هى من سمات العشوائية فى الزراعة المصرية، وتتركز سياسة القطيع على زراعة أى محصول، دون أدنى معلومات، ومن ثم نجد فى موسم ما الكثير يتجهون إلى زراعة محصول ما، بزعم أنه سوف يحقق أرباحًا كبيرة، والنتيجة زراعة مساحات كبيرة جدًا، تؤدى إلى إنتاج وفير يزيد على الطلب بكثير ودون تصدير، الأمر الذى أدى إلى زيادة المعروض، وبالتالى انخفاض كبير فى الأسعار وخسائر ضخمة للمزارعين، حتى أن المزارعين يعجزون عن بيع المحصول والاتجاه إلى إعدامه، خاصة مع عدم توفر مشروعات التصنيع الزراعى فى أنحاء المحافظات.
والأمثلة كثيرة على ذلك، وسبق أن تكررت فى بعض المواسم لمحصول البطاطس والبصل والفراولة كما حدث مؤخرًا، حتى أن المزارعين عجزوا عن بيع الكيلو بجنيهين.
وبالطبع الخسائر ضخمة، ليست على مستوى المزارعين فقط، ولكن على المستوى القومى؛ إذ لو كانت هناك مصادر رسمية للمعلومات من وزارة الزراعة، وتحديدا من الإرشاد الزراعى عن المساحات المطلوب زراعتها فى أى محصول، وعن أوضاع الأسواق التصديرية لتلك المحاصيل، إذا وُجدت ما حدث ذلك وتم توجيه المزارعين إلى زراعة محاصيل أكثر أهمية، مثل المحاصيل الزيتية أو الأعلاف، وبما يؤدى إلى توفيرها محليا والحد من استيرادها.
ولكن بكل أسف، لا يوجد أدنى مصدر حكومى من وزارة الزراعة يخاطب المزارعين عبر مختلف الوسائل أو باللقاءات المباشرة، لإعطاء معلومات كاملة عن أوضاع السوق المحلية وأوضاع السوق العالمية لكل محصول.
ومن ثم نجد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الاقتصاد الزراعى، يؤكد ضرورة وجود مصادر للمعلومات من جانب وزارة الزراعة، لتوجيه المزارعين اختياريا إلى زراعة المحاصيل التى لا تؤدى إلى خسائر، سواء للمزارعين أو الاقتصاد القومى.
وقال «د.نور الدين»، إنه لا يعقل أن تتم الزراعة فى مختلف المحاصيل والأشجار بشكل عشوائى، ودون أية معلومات عن أوضاع السوق المحلية وأسواق التصدير، تساعده على اتخاذ القرار السليم فى زراعة أى محصول أو أشجار، مثل النخيل والمانجو والزيتون وغيرها.
وأكد أن غياب المعلومات قبل زراعة أى محصول يؤدى إلى خسائر قومية كبيرة، وإلى إهدار فرص استغلال المساحات المتاحة فى إنتاج محاصيل نحتاج إليها بشكل أكبر.
وأشار إلى أنه من المهم تفعيل دور الإرشاد الزراعى، وكافة الجهات الزراعية لإحداث التوازن على وسائل التواصل الاجتماعى مع الذين يقدمون فيديوهات على هذه الوسائل دون أدنى رقابة، ولا نعرف مدى دقتها فى تضليل المشاهدين ومحاولة النصب عليهم.
وبعيدًا عن كلام الدكتور نادر نور الدين، فإن هناك برامج وفيديوهات على وسائل التواصل تتحدث عن مشروعات عملاقة فى زراعة النخيل على مساحات تتجاوز مائة ألف فدان للمشروع الواحد، ولا يعرف أحد مدى مصداقية هذه المشروعات التى تتحدث عن إنشاء مجتمعات ومدن صناعية لتجهيز إنتاج التمر وتصديره بكميات كبيرة فى الوادى الجديد والفرافرة وغيرهما.
وهنا لابد أن نتوقف عند الذى يحدث فى زراعة النخيل، وفقا لسياسة القطيع والزراعة بعشوائية؛ أصبح الاتجاه إلى زراعة النخيل من مختلف الأنواع يتم بشكل جنونى ويقتطع مساحات كبيرة ولا أحد يعرف إلى أى مدى سوف تصل زراعة النخيل فى مصر، ولأى الأنواع وصل للسوق المحلى أو التصدير.
وما الهدف من التوسع الكبير فى زراعة النخيل وهناك عشر دول تأتى فى مقدمة دول تجارة التمور عالميا ليس من بينها مصر رغم أن مصر من أكبر الدول مساحة التى تزرع النخيل؟
وهل يوجد أى مسئول فى وزارة الزراعة يتابع هذا الذى يحدث؟ وهل من أبحاث إذا كنا إزاء زراعة مهمة لتطوير سلالات النخيل التى ينبغى زراعتها، أم يتم ترك الأمر لمزارع خاصة لإنتاج أشجار النخيل دون أدنى رقابة من وزارة الزراعة؟
ونتيجة ذلك أنه أصبح هناك غش كبير ورائج فى نوعيات كثيرة من النخيل، ويذهب ضحيتها كثير من المزارعين، خاصة أن إنتاج النخلة الواحدة لا يظهر إلا بعد أربع سنوات.
وبكل وضوح ومع التوسع فى زراعة النخيل دون تحديد الهدف، الأمر الذى ينذر بعد سنوات من زيادة المعروض وانخفاض الأسعار، ولا سيما أنه لم يتم تحديد الأهداف التصديرية من زراعة النخيل، وعلى أى الأنواع يجب أن نركز وفقا للطلب العالمى على التمور فى ظل تفوق الدول الخليجية فى التصدير للأسواق العالمية من حيث الأنواع والاهتمام بتطويرها وتحسينها بشكل مستمر.
ومع الاتجاه إلى التوسع فى زراعة النخيل دون أدنى متابعة من وزارة الزراعة، والإعلان عن زراعة مساحات وهمية، تحولت زراعة النخيل إلى بديل كتوظيف الأموال لاصطياد مدخرات بعض المصريين، تحت شعارات دينية، مثل «ازرع نخلة صدقة» للمتوفى من العائلة.
ودون لفّ ودوران، هناك مَن استغل زراعة النخيل كعمليات للنصب، وذلك من خلال إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعى، أو من خلال بعض شاشات التليفزيون المغمورة.
وبكل أسف، تم استغلال علماء الدين فى هذه الحملات لجمع الأموال عن طريق التصدق بزراعة نخلة.
ووصل الأمر إلى كتابة اسم المتوفى على النخلة التى يقوم أهل المتوفى بزراعتها، ولا أحد يعرف ما مصير هذه النخلة وهل ستنجح زراعتها، وهل ستموت أو تعيش، وهل سوف يتابعها صاحب الصدقة.
وبكل أسف أيضاً، يتم تصوير فيديوهات «النخلة الصدقة» ببراعة وعلى مساحات كبيرة تؤكد صدق هذه المشروعات والحسابات البنكية التى يتم التحويل عليها.
وواقع الأمر، أن «النخلة الصدقة» إن نجحت سوف تنتج بعد سنوات، سوف ينساها صاحب الصدقة، ولا أحد يعرف حقيقة زراعة النخيل فى مثل هذه المشروعات، والتى لا تجد رقابة من الدولة.
وإذا كان هناك رجال دين قد تم استغلالهم فى مثل هذه المشروعات؛ فهناك شخصيات إعلامية شاركت فى هذا الأمر.
وأيا كان مدى انتشار فيديوهات زراعة النخيل على وسائل التواصل الاجتماعى، فإننا إزاء حالة هرولة تشهدها الزراعة المصرية الآن فى زراعة النخيل ولا أحد يعرف سوف يصل مداها.
وهل آن الأوان من وزارة الزراعة من خلال الإرشاد الزراعى أن تتدخل بكافة الوسائل، لتقول لنا إلى أى مدى يجب التوسع فى زراعة النخيل؟ وهل هناك دراسات أو أرقام عن حجم هذه الزراعة الآن وبعد سنوات؟ وما حقيقة هذه المشروعات التى تزعم أنها حصلت من الدولة على مساحات ضخمة لزراعتها بالنخيل؟ وهل كانت ضخمة لزراعتها بالنخيل؟ وهل كان من الأفضل أن يتم توجيه هذه المساحات لزراعة محاصيل بديلة نحتاج إليها مثل المحاصيل الزيتية؟
وهل من مراكز بحثية لتطوير سلالات النخيل التى ينبغى أن نركز على زراعتها؟ أم يتم ترك الأمر لمزارع خاصة لإنتاج السلالات دون أدنى رقابة من وزارة الزراعة؟
ومتى يكون للإرشاد الزراعى دور كبير فى توفير المعلومات وتوجيه المزارعين بعيدًا عن سياسة القطيع والعشوائية؟
ففى جميع الأحوال لسنا ضد زراعة النخيل، ولكننا نريد رؤية وسياسة واضحة لزراعة النخيل فى مصر، حتى لا نُفاجأ بعد سنوات أن زراعة النخيل والتوسع فيها سوف يلحق بها الذى سبق أن لحق من بوار فى زراعة الفراولة والبصل والبطاطس فى بعض المواسم.
كما ينبغى أن يتم توجيه المزارعين إلى السلالات الأفضل فى الزراعة، للأسواق العالمية، لأننا نشهد وفقا للعشوائية أن التركيز يتم الآن على النخيل الذى ينتج التمر البرحى، فى حين أن أسعاره بدأت فى الانخفاض مع ارتفاع سعر النخلة الواحدة إلى نحو أربعة آلاف جنيه.
إننا نطالب أن نسمع من وزير الزراعة رؤية الوزارة فى العشوائية التى نشهدها الآن فى زراعة النخيل ورؤيتها فى تطوير سلالات النخيل، إذا كنا إزاء التخطيط لزراعة مساحات كبيرة معلومة بالنخيل، وأن تكون هناك ضوابط لمنع استغلال زراعة النخيل كبديل لتوظيف الأموال فى جمع مدخرات المصريين.
لا ننكر أهمية أن تكون لدينا ثروة قومية من النخيل، لكن دون عشوائية، ووفقًا لرؤية مستقبلية.