رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

نظرة إلى مُدرسى الحصة


7-10-2026 | 14:38

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

بداية .. أتصور أن توجُّه وزارة التربية والتعليم نحو سد العجز الواضح والكبير فى أعداد المدرسين والمدرسات، من خلال توقيع عقود موسمية «غير مُنصفة» لمعلمى الحصة البالغ عددهم نحو 133 ألفاً، مقابل أجور زهيدة لا تتجاوز الـ 50 جنيها للحصة الواحدة وبحد أقصى 4800 جنيه شهرياً ليس إلا حلاً أو علاجاً مسكناً ومؤقتاً لمشكلة مزمنة تهدد استقرار عملية التعليم ما قبل الجامعى فى مصر .

هذه العقود الجديدة تتضمن تطبيق أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 فى حالات إصابة العمل خلال فترة التعاقد فقط، كما تتضمن ضوابط سلوكية ومهنية، إلا أنها لا تزال «غير مُنصفة»، فهى عقود محددة المدة، ترتبط بالموسم الدراسى فقط، تبدأ فى أول سبتمبر وتنتهى مع نهاية شهر يونيو، ولا تجدد إلا إذا دعت الضرورة لذلك، ومن ثم فإنها لا توفر راحةً أو استقراراً للمعلمين أثناء أداء مهامهم، فضلاً عن أنهم يصبحون عاطلين دون عمل أو دخل مادى طوال 3 أشهر كاملة، كما أن تلك العقود الموسمية لا تعنى أبدا أحقيتهم فى التعيين أو المطالبة به، أو فى الحصول على أية مزايا مادية أو مكافآت أو علاوات أو تعويضات حال تعرضهم للإصابة أو الوفاة، وتحظر عليهم إعطاء دروس خصوصية أو قبول هدايا أو مزايا نقدية أو عينية، وتُطبّق عليهم لائحة الجزاءات والعقوبات حال ضبطهم بالجرم المشهود، أى أنهم محرومون من زيادة دخولهم!.

الأمر المحزن أن مُدرسى الحصة لا يصرفون تلك المكافأة المالية الزهيدة بشكل منتظم شهرياً، بل كثيراً ما تُدفع مجمَّعة كل ثلاثة أو أربعة أشهر، والأغرب أن مقابل الحصة الفعلى ليس 50 جنيهاً بل يهبط إلى 36 جنيهاً بعد خصم الضرائب والذى منه!.

وفى أحيان كثيرة يضطر المدرس الموسمى إلى القيام بـ30 حصة أسبوعياً بدلاً من نصابه القانونى الذى يتراوح بين (22و24 حصة) وبحد أقصى 96 حصة شهرياً، دون أن يتقاضى أجراً عن الحصص الزائدة، حتى الوصول إلى ذلك الحد الأقصى ليس متاحاً بالضرورة لجميع المدرسين، فعدد الحصص مُرتبط باحتياجات المدرسة والإدارة التعليمية، الأمر الذى يجعلنا نتساءل : ما الذى سيحصل عليه مدرس الحصة إذا لم يتوفر له الحد الأقصى البالغ 96 حصة؟ وهل ذلك العائد الضئيل يُمكِّنه من ضمان دخلٍ مادى مستقرٍ له؟

بالفعل نحن أمام معادلة مغلوطة، فهؤلاء المدرسون المؤقتون الذين يعانون غُبناً فى الأجور وإذعاناً فى العقود، مطالبون بسد العجز وضمان استمرار الدراسة واستقرار العملية التعليمية، وهم الذين أدوا ذلك الواجب على الوجه الأكمل طوال السنوات الماضية، ونجحوا فيه بكفاءة والتزام رغم التحديات المهنية والمعيشية التى واجهوها، وعلى رأسها عدم حصولهم على ضمانات توفر الاستقرار المادى والمعيشى، ولولا التدخل الحميد لنقابة المهن التعليمية التى منحتهم حق العضوية المؤقتة وسمحت لهم بكافة حقوق الأعضاء الدائمين «عينية ومادية»، لساءت أحوالهم أكثر وأكثر! بل إن النقابة مشكورة غالباً ما تقوم بصرف إعانات عاجلة لأسر معلمى الحصة فى حالة العجز أو الوفاة كما حدث مع أحد المدرسين عندما توفاه الله أثناء عمله بمحافظة البحيرة!.

إذن .. السؤال الذى يطرح نفسه: كيف يمكن لنظام العقود الموسمية المرتبطة بالعام الدراسى فقط وبالمقابل المادى الهزيل الذى لا يرقى إلى الحد الأدنى للأجور المقدر بـ8 آلاف جنيه شهرياً، أن يبنى استقرارًا مهنيًا؟، ليس للمعلم الذى يتغير وضعه من عام لآخر ومن ثم لا يضمن أن يُعاد التعاقد معه فقط، بل للمدرسة التى قد تضطر إلى البحث عن بديل ربما لا يكون متاحاً !.

وعلى الرغم من أن عدد مُعلمى التعليم قبل الجامعى، العام والفنى والأزهرى المعينين تعييناً دائماً وفق أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء قد تجاوز المليون معلم خلال العام الدراسى 2024/2025، منهم 798.4 ألف بالتعليم العام و110.9 ألف بالتعليم الفنى و124.5 ألف بالتعليم الأزهرى، فإن العجز فى أعدادهم التى تتراوح بين 500 إلى 600 ألف، بحسب تصريح منسوب لمحمد عبدالله الأمين العام لنقابة المهن التعليمية لم يجد حلاً ولم يوضع له حدٌ، بل إنه يتفاقم على خلفية خروج نحو 50 ألف معلم سنوياً إلى المعاش بمعدل شهرى يصل إلى 4000 معلم.

قطعاً .. هذه الأزمة ليست وليدة اليوم أو الأمس بل إن جذورها تعود إلى عام 1998 عندما توقف العمل بالتكليف المباشر لخريجى كليات التربية، وإلى الآن لم يُتّخذ قرار بالعدول عن ذلك القرار، أى أننا أمام أزمة يقترب عمرها من 30 عاماً، وأن عدداً كبيراً من مدرسى الحصة قد تجاوزت أعمارهم الأربعين وربما الخمسين سنة وبالتالى ضاعت عليهم فرص التقدم للمسابقات التى تعلنها وزارة التربية والتعليم لتعيين 30 ألف معلم سنوياً، أى أنهم أصبحوا بلا مستقبل وتلك أكبر الخسائر!.

فضلاً عن أن تعيين ذلك العدد سنوياً لا يعنى وضع حل سريع وجذرى لمشكلة كبيرة أو يحل عجز مدارس تحتاج إلى مدرسين اليوم وليس غداً !.

ختاماً أقول: إذا كانت الرؤى كلها تصب فى ضرورة الاهتمام بإصلاح وتطوير منظومة التعليم، فلا يمكن اختزال ذلك التطوير فى تحديث المناهج أو التوسع فى إنشاء المدارس فقط، بل لابد أن يوجه الاهتمام الأكبر نحو المعلم الذى سيظل أهم عنصر فى نجاح أى خطة للإصلاح والتطوير، وأن نضمن توفير معلم مؤهل ومستقر داخل الفصل، وأن تحسين أوضاعه المالية والمعيشية يعتبر الخطوة الأساسية نحو تحقيق تعليم أكثر جودة، وإذا كنا ننشد تعليماً مستقراً، فكيف يتحقق ذلك بدون معلم مستقر مهنيًا ونفسيًا وماديًا؟!.

ولأن العقود الموسمية ليست هى الحل .. أتمنى أن يعمل د.محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم على تخطى العقبات اللائحية والمالية وإنصاف هؤلاء المعلمين بوصفهم الممارسين الحقيقيين للمهنة، حفاظاً على استقرار العملية التعليمية حتى لا نصحوا على مدارس من دون معلم .

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة