نريد تفسير القرار رقم 480 لسنة 2026 والهدف منه، وكيف سيخدم سوق الدواء؟
القرار رقم 480 لسنة 2026 هو تحديث شامل لمنظومة تسعير المستحضرات الدوائية، بعد مرور نحو 14 عامًا على آخر إطار منظم للتسعير الصادر عام 2012، والهدف الأساسى منه ليس مجرد تحديد سعر الدواء، وإنما وضع منظومة متكاملة تحقق توازنًا بين عدة أهداف فى وقت واحد، وهى «حماية حقوق المريض، وضمان الأمن الدوائى واستدامة توافر المستحضرات، وتحقيق التوازن الاقتصادى بين أطراف المنظومة، وتشجيع الاستثمار، وحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ووضع سوق الدواء المصرى ضمن الأسواق التنافسية عالميًا»، وهذا منصوص عليه صراحة فى المادة الأولى من القرار.
والجديد هنا أن التسعير لم يعد قائمًا على آلية واحدة؛ فالقرار أدخل آليات أكثر تطورًا تشمل التسعير المرجعى الخارجى، والتسعير المبنى على القيمة، ودراسات التقييم الاقتصادى، واتخاذ القرار المبنى على عدة معايير، مع مراعاة طبيعة المستحضر ودرجة الابتكار وشدة وندرة المرض والفاعلية والمأمونية.
وما أهم البنود التى جاءت بالقرار؟
هناك مجموعة من النقاط الرئيسية، من أبرزها، أولًا: تعدد آليات التسعير؛ فالمستحضرات الأصلية تُسعّر وفق السعر المرجعى الخارجى فى الحالات المحددة، بينما توجد آليات قائمة على القيمة والتقييم الاقتصادى للمستحضرات ذات الفئات السعرية المحددة، وكذلك آلية متعددة المعايير لبعض المستحضرات، ثانيًا: دعم المنافسة والبدائل، حيث وضع القرار نسبًا متدرجة لتسعير المستحضرات الجنيسة والحيوية المماثلة، بحيث يرتبط السعر بعدد البدائل الموجودة فى السوق، وهو ما يدعم المنافسة وإتاحة خيارات علاجية متعددة، ثالثًا: مراعاة التوطين الكامل؛ ففى حالة توطين المستحضر الأصيل وتصنيعه محليًا، لا يتم خفض سعره لمدة لا تقل عن خمس سنوات من تاريخ تداول العبوات المصنعة محليًا، وفق النص المحدد بالقرار، رابعًا: وجود آلية لمراجعة الأسعار صعودًا وهبوطًا، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ فالقرار لا يتحدث عن الزيادة فقط، وإنما يضع أيضًا آلية واضحة لتخفيض الأسعار عندما تتحقق الشروط المحددة. خامسًا: تنظيم المرتجعات منتهية الصلاحية، كما حدد القرار إطارًا لاسترداد قيمة المستحضرات منتهية الصلاحية المرتجعة وفق النسب والضوابط الواردة به، مع عدم الإخلال بالقرارات التنظيمية الأخرى المنظمة لعمليات المرتجعات.
هل تم عرض البنود ومناقشتها مع المجتمع الصيدلى؟
حرصت هيئة الدواء المصرية خلال إعداد وتطوير منظومة التسعير الجديدة على الاستماع إلى مختلف أطراف المنظومة الدوائية ومناقشة التحديات والملاحظات المرتبطة بالتسعير والتداول والتصنيع والاستيراد والتوزيع، والهدف من هذا الحوار كان الوصول إلى منظومة قابلة للتطبيق وتراعى استدامة حصول المريض المصرى على الدواء فى الأساس، وهنا من المهم التمييز بين أمرين: الحوار المجتمعى عملية إعداد وتطوير للسياسة التنظيمية، أما القرار النهائى فهو الإطار القانونى الملزم الذى تم اعتماده وإصداره رسميًا.
هناك تخوف من ربط السعر بالتضخم وسعر الصرف كل ستة أشهر، فهل هذا يعنى أننا سنشهد زيادات متتالية كل ستة أشهر؟
لا.. لن نشهد زيادات متتالية كل ستة أشهر، وهذه من أهم النقاط التى تحتاج إلى توضيح. القرار لا يقول إن «أسعار الأدوية سترتفع تلقائيًا كل ستة أشهر»، وما ينص عليه القرار هو أن المعادلة الاقتصادية يتم احتسابها للمراجعة كل ستة أشهر، وتضم ثلاثة عناصر: تغير سعر الصرف بنسبة 60 فى المائة، والتضخم بنسبة 30 فى المائة، وتغير سعر الفائدة بنسبة 10 فى المائة، لكن احتساب المعادلة لا يعنى تلقائيًا تحريك السعر، وإنما يعنى أنه سيتم اتخاذ القرار بالمراجعة من عدمه؛ فالزيادة لا يتم إقرارها إلا إذا نتج عن المعادلة تغير لا يقل عن 10فى المائة واستمرت المتغيرات الاقتصادية لمدة لا تقل عن 45 يومًا، كما أن تحريك السعر بالزيادة يتم بناءً على طلب صاحب تسجيل المستحضر ووفق الشروط المحددة بالقرار.
وفى الاتجاه المقابل، إذا أدت المتغيرات إلى انخفاض لا يقل عن 10فى المائة واستمرت لمدة 45 يومًا، ينص القرار على تخفيض أسعار المستحضرات المتداولة تلقائيًا وفق الضوابط المحددة، إذن نحن أمام آلية مراجعة وليس آلية زيادة تلقائية.
لماذا تم ربط السعر بهذه المتغيرات الاقتصادية من الأساس؟
لأن تكلفة الدواء لا تتكون من عنصر واحد. القرار نفسه يُعرّف «المتغيرات الاقتصادية» بأنها تغير أسعار صرف العملات الأجنبية، ومعدل التضخم، وسعر العائد، مع الاعتماد على البيانات الصادرة من البنك المركزي، كما أن قائمة التكلفة التى تقدمها الشركات تشمل المواد الخام، ومواد التعبئة والتغليف، والمصروفات المباشرة وغير المباشرة، وتكاليف التصنيع أو الاستيراد. بالإضافة إلى الاعتداد بتكاليف الاستثمار وخطوط الإنتاج وتكلفة التكنولوجيا الحديثة فى التصنيع، لذلك فالهدف من المعادلة هو وضع مؤشر قابل للقياس لأثر المتغيرات الاقتصادية بصورة موحدة ومنهجية، بدلًا من ترك مراجعة الأسعار لتقديرات غير موحدة.
لماذا تم تحديد نسبة المرتجعات منتهية الصلاحية بحد أقصى 3 فى المائة، ألا يؤدى ذلك إلى تحميل الصيدلى خسائر الأدوية المنتهية؟
هذه نقطة مهمة، وهنا يجب توضيح أن المادة الخاصة بالمرتجعات فى قرار التسعير تمثل بداية لإطار تشريعى وتنظيمى أكثر تكاملًا للتعامل مع المستحضرات منتهية الصلاحية، فالقرار وضع لأول مرة ضمن هذا الإطار التزامًا واضحًا من المنتج والمستورد والموزع بآلية التعامل مع المستحضرات منتهية الصلاحية وحق الصيدلية فى إرجاعها واسترداد قيمتها وفق الضوابط المحددة، وتنص المادة على آلية الاسترداد للمستحضرات منتهية الصلاحية المرتجعة، مع الإشارة صراحة إلى عدم الإخلال بالقرارات التنظيمية بالسوق ووجود فواتير للارتجاع، والهدف فى النهاية هو الوصول إلى منظومة واضحة لا تترك الصيدلى أمام عبء التخلص من المستحضرات منتهية الصلاحية بمفرده، وإنما ضمان التكامل لجميع الأطراف فى تنفيذ عملية المرتجعات، وفى الوقت نفسه تضمن عدم إعادة تداول أى مستحضر منتهى الصلاحية وحماية المريض وسلامة سلسلة الإمداد.
ماذا سيعود على المواطن من هذا القرار؟
المريض أحد المحاور الأساسية التى بُنى عليها القرار، فالمادة الأولى تبدأ صراحة بضمان حقوق المريض المصرى وحماية الأمن الدوائي، إلى جانب التوازن الاقتصادى وحماية المنافسة. ومن منظور المريض هناك عدة آليات مهمة فى القرار، وجود شفافية وحوكمة لمنظومة التسعير تعمل على جذب الأدوية الحديثة والعلاجات المبتكرة فى العالم وإتاحتها محليًا، ووجود آلية تسمح بتخفيض الأسعار عندما تحقق المتغيرات الاقتصادية شروط التخفيض، وتخفيض سعر المثائل إلى 50 فى المائة ابتداءً من المستحضر الجنيس السادس وما بعده، وكذلك وجود قواعد لتسعير البدائل الجنيسة والحيوية المماثلة بصورة متدرجة مع زيادة عدد البدائل، بما يدعم المنافسة، وكذلك إدخال التقييم الاقتصادى والقيمة العلاجية فى بعض فئات المستحضرات، وعدم تطبيق القرار بأثر رجعى على كل المستحضرات المتداولة، لذلك لا يمكن اختزال القرار فى عبارة «أسعار ستزيد كل ستة أشهر».
وهل ستكون هناك زيادات فى أسعار المستحضرات المتداولة حاليًا؟
هناك ثلاثة حواجز مهمة قبل الزيادة: لا توجد زيادة تلقائية لمجرد مرور ستة أشهر، ويجب أن تحقق المعادلة تغييرًا لا يقل عن 10 فى المائة، وأيضًا يجب أن تستمر المتغيرات الاقتصادية لمدة لا تقل عن 45 يومًا، والزيادة تكون وفق الضوابط، والأهم هو أنها لن تتم إلا بعد تقديم طلب من صاحب التسجيل ويتم دراسته. وفى المقابل، وضع القرار آلية للتخفيض إذا تحققت شروط الانخفاض، إذن الستة أشهر هى دورية احتساب ومراجعة لاتخاذ القرار فى إمكانية النظر من عدمه فى مراجعة الأسعار، وليست موعدًا ثابتًا لزيادة الأسعار.
لماذا تم تخفيض عدد الدول المرجعية من 36 إلى 15، ألا يمثل فارق الدخول والمرتبات بين مواطنى هذه الدول ومصر مشكلة؟
القائمة الجديدة الواردة فى القرار تضم 15 دولة هي: بولندا، اليونان، المجر، إسبانيا، فنلندا، النرويج، رومانيا، بلجيكا، النمسا، المملكة المتحدة، السويد، الإمارات، كندا، ألمانيا، والدنمارك، وهنا يجب التفريق بين مقارنة دخل المواطن وبين التسعير المرجعى الدوائي، فالتسعير المرجعى الخارجى فى القرار لا يعنى أن دخل المواطن المصرى يساوى دخل المواطن فى هذه الدول، وإنما يعتمد على سعر بيع المصنع المرجعى للمستحضر فى الدول المحددة، قبل إضافة هوامش ربح الموزع والصيدلي.
هل كانت هناك آليات محددة فى اختيار هذه الدول؟
اختيار تلك الدول المرجعية كان بناءً على دراسة مستفيضة شملت تجارب الدول الأخرى واتباع المعايير المثلى للتسعير المرجعي، حيث إن العدد الأمثل للدول يتراوح من 5 إلى 10 دول فى السلة، ولكن نظرًا لأن عدد الدول فى السلة سابقًا، وفق قرار 499، كان يشتمل على 36 دولة، فقد تم تقليص العدد إلى 15 دولة، مع الحفاظ على التسعير طبقًا لأقل سعر بيع مصنع بتلك الدول، وليس المتوسط ولا الوسيط الحسابي، كما هو متبع بالدول الأخرى، وذلك تجنبًا لرفع الأسعار على المريض المصرى وعلى كاهل ميزانية القطاع الصحى ككل. ففى القائمة السابقة كانت هناك دول متقاربة اقتصاديًا مع مصر، إلا أن عددًا منها لم يعد يمثل مرجعية عملية للمستحضرات الحديثة؛ نظرًا لتأخر إتاحة بعض هذه المستحضرات فيها مقارنة بالسوق المصري، أو لعدم وجود بيانات سعرية حديثة وفعالة يمكن الاستناد إليها عند تسعير المستحضرات الجديدة.
منظومة التسعير الجديدة تستهدف بصورة أساسية المستحضرات الجديدة التى لم يسبق تداولها فى السوق المصري، والمستحضرات المبتكرة، والمستحضرات التى يحتاج السوق المصرى إلى إتاحتها؛ ولذلك فإن اختيار الدول المرجعية يرتبط بطبيعة المستحضرات التى يتم تسعيرها ومدى تداولها وتوافر بياناتها السعرية فى هذه الدول، وليس بمقارنة عامة بين مستوى أسعار الدواء أو دخول المواطنين فى مصر وهذه الدول.
كما أن السعر المرجعى الخارجى ليس الأداة الوحيدة التى يعتمد عليها القرار؛ فالمنظومة الجديدة تتيح الاستناد إلى البدائل العلاجية المتاحة، وإجراء دراسات التقييم الاقتصادى المناسبة، والتسعير المبنى على القيمة، إلى جانب عدد من المعايير الأخرى بحسب طبيعة المستحضر. وبالتالى نحن لا ننظر إلى السعر بمعزل عن القيمة العلاجية والبدائل واحتياجات السوق.
أما وجود عدد من الدول ذات مستويات الدخل المرتفعة ضمن قائمة الدول المرجعية، فله اعتبارات تنظيمية مهمة؛ فبعض هذه الدول تُعد من الأسواق التى تشهد إتاحة مبكرة وسريعة للمستحضرات والعلاجات الحديثة، وبالتالى فإن وجودها ضمن السلة يوفر مرجعية سعرية عند تداول المستحضر الجديد فيها، بدلًا من أن ننتظر سنوات حتى تتوافر له مراجع سعرية فى أسواق أخرى.
فالمنظومة الجديدة تتجه بصورة أكبر إلى الاستفادة من المعلومات المرتبطة بالتجارب والدراسات الإكلينيكية فى الدول التى يتم الاستناد إليها عند تقييم المستحضرات الجديدة، بما يعزز قدرة الهيئة على إجراء تقييم أكثر شمولًا للمستحضر الجديد، وليس مجرد مقارنة رقمية للأسعار، والأهم أن هذه الدول ليست معيارًا لمقارنة أسعار الأدوية المصرية المتداولة حاليًا. فالمستحضر المتداول بالفعل فى السوق المصرى لا تتم إعادة تسعيره لمجرد وجود سعر مختلف له فى إحدى هذه الدول؛ فالقرار يطبق على المستحضرات التى يتم تسعيرها أو إعادة تسعيرها وفق الضوابط المحددة بعد صدوره، وبالتالي، فاختيار 15 دولة ليس تقليصًا لمجرد تقليص عدد الدول، وإنما هو إعادة تصميم للسلة المرجعية لتكون أكثر ارتباطًا بالمستحضرات الجديدة والمبتكرة، وبالأسواق التى تتوافر فيها مراجع سعرية وبيانات حديثة يمكن الاستفادة منها فى اتخاذ القرار بشكل عملي، لكن من الناحية التنظيمية، من المهم الإشارة إلى أن السعر المرجعى ليس الآلية الوحيدة فى القرار؛ فهناك أيضًا التسعير المبنى على القيمة، ودراسات التقييم الاقتصادي، والأسعار المحلية للمثائل والبدائل، وقائمة التكلفة فى الحالات التى حددها القرار.
هل القرار فى النهاية لصالح الشركات أم الصيدليات أم المريض؟
القرار لصالح طرف واحد وهو المريض، كما يضمن التوازن بين أطراف المنظومة من الشركات والتوزيع والصيدليات، بما يحافظ على الهدف الأساسي: توافر دواء آمن وفعال ومستدام للمريض. فالقرار نفسه يضع ضمن أهدافه الأربعة الرئيسية: حقوق المريض، والأمن الدوائي، والتوازن الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار وحماية المنافسة، وأى تقييم حقيقى لنجاح القرار لن يكون من خلال النظر إلى سعر دواء واحد أو هامش طرف واحد، وإنما من خلال مؤشرات مثل: توافر الدواء، واستدامة الإنتاج والاستيراد، وعدد البدائل، ومستوى المنافسة، وسرعة إتاحة المستحضرات الجديدة، وأثر المتغيرات الاقتصادية، وحماية المريض من النقص أو الممارسات الاحتكارية، وهذه هى الصورة الأشمل التى ينبغى أن يُقرأ القرار فى إطارها.