«فرص واعدة.. موارد ضخمة.. وقوة بشرية شابة».. ثلاثية تنفرد بها القارة الإفريقية دون غيرها من قارات العالم، الأمر الذى جعلها تتحول فى غضون السنوات القليلة إلى ما يمكن وصفه بـ«أرض الفرص الواعدة»، ولم تكن مصر بعيدة عن هذا الأمر، فالقارة السمراء لم تعد بالنسبة للقاهرة مجرد عمق جغرافى واستراتيجي، بل أصبحت بوابة لـ «التنمية والاستثمار»، وبين رصيد العلاقات التاريخية والموقع الجغرافى المتميز وقناة السويس، تمتلك مصر مقومات تؤهلها لتعزيز حضورها الاقتصادى داخل القارة، إلا أن تعظيم هذه الفرص يتطلب الانتقال من التبادل التجارى التقليدى إلى شراكات تقوم على الاستثمار والإنتاج والتكامل، وتطوير أدوات التمويل والنقل واللوجستيات، بما يحقق مصالح مشتركة ويفتح آفاقا أوسع للتنمية المصرية والإفريقية.
وقالت الدكتورة سالى فريد، أستاذ الاقتصاد بكلية الدراسات الإفريقية العليا بجامعة القاهرة، إن «العلاقات الاقتصادية المصرية - الإفريقية تشهد خلال الفترة الحالية حراكا متزايدا ونموا ملحوظا، إلا أن هذا النمو لا يزال يتحرك بوتيرة أقل من مستوى الطموحات والإمكانات المتاحة أمام الجانبين، حيث حجم التبادل التجارى بين مصر ودول القارة الإفريقية يقترب من 9.6 مليار دولار، بينما تقدر الاستثمارات المصرية المتبادلة بنحو 15 مليار دولار، وهذه المؤشرات تعكس وجود قاعدة يمكن البناء عليها، لكنها فى الوقت نفسه تكشف عن مساحة واسعة لمزيد من التوسع فى التجارة والاستثمار».
«د. سالى»، أشارت إلى وجود إرادة سياسية واضحة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، إلى جانب تنامى حضور الشركات المصرية الكبرى فى تنفيذ مشروعات استراتيجية داخل القارة، خاصة فى مجالات البنية التحتية والطاقة، مستشهدة بمشاركة الشركات المصرية فى تنفيذ مشروع «سد جوليوس نيريري» فى تنزانيا.
وأضافت أن «هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال فى حاجة إلى مزيد من التنسيق والربط المؤسسي، بحيث تنتقل العلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية من مجموعة من المشروعات والمبادرات المتفرقة إلى إطار مؤسسى متكامل يقوم على شراكة اقتصادية طويلة الأجل، بما يسمح بتعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة وتحقيق مصالح متبادلة لمصر والدول الإفريقية».
كما أوضحت أن «تعظيم هذا المسار يواجه عددا من التحديات، من بينها البيروقراطية ونقص المعلومات الدقيقة حول الأسواق الإفريقية، وهو ما قد يحد من قدرة الشركات المصرية على التعرف إلى الفرص المتاحة واتخاذ قرارات استثمارية وتجارية مبنية على معلومات كافية، حيث تجاوز هذه التحديات يتطلب تطوير آليات أكثر كفاءة لجمع وتوفير المعلومات التجارية والاستثمارية، وتيسير الإجراءات أمام الشركات، بما يساعد على تحويل الرصيد السياسى والعلاقات التاريخية التى تتمتع بها مصر فى القارة إلى حضور اقتصادى أكثر اتساعا واستدامة».
ولفتت إلى أن «هناك عددا من القطاعات التى تمتلك فيها مصر فرصا واسعة للتوسع داخل الأسواق الإفريقية، مستفيدة من الخبرات المتراكمة للشركات المصرية واحتياجات دول القارة فى هذه المجالات، حيث قطاع التشييد والبناء والبنية التحتية يأتى فى مقدمة هذه المجالات، فى ظل الخبرة المصرية فى تنفيذ مشروعات الطرق والسدود والمدن الجديدة ومحطات إنتاج الطاقة، وهى قطاعات تمثل أولوية تنموية فى العديد من الدول الإفريقية، كما أن الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية تمثل مجالا آخر يمكن للشركات المصرية تعزيز حضورها فيه».
كما شددت «سالى» على أهمية قطاعى الزراعة والصناعات الغذائية، موضحة أن «الفرص لا تقتصر على تصدير المنتجات الزراعية والغذائية، وإنما تمتد إلى التصنيع الغذائى وإقامة مشروعات مشتركة، إلى جانب قطاعات مثل الصناعات الكيماوية والأسمدة، بما يساهم فى تلبية احتياجات الأسواق الإفريقية وتعزيز القيمة المضافة، كما أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة المتجددة تمثلان كذلك مجالين واعدين للتوسع، فى ظل الطلب المتزايد فى العديد من الأسواق الإفريقية على الحلول الرقمية والخدمات التكنولوجية، بالتوازى مع الحاجة إلى مصادر طاقة نظيفة وحلول تتناسب مع طبيعة واحتياجات دول القارة».
وأكدت أن «الانتقال بالعلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية من نموذج التصدير إلى إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة يتطلب تبنى مجموعة من الآليات التى تعزز التكامل الاقتصادى وتدعم وجود الشركات المصرية داخل الأسواق الإفريقية على المدى الطويل، حيث إن التكامل الصناعى الإقليمى يأتى فى مقدمة هذه الآليات، من خلال الاستفادة من الموارد والمواد الخام التى تتمتع بها الدول الإفريقية، والعمل على تصنيعها جزئيا أو كليا داخل دول القارة، عبر إقامة شراكات بين الشركات المصرية ورجال الأعمال المحليين».
وتابعت «د. سالى»، أن «تعزيز الوجود المصرى فى القارة يحتاج كذلك إلى الاستثمار فى البنية اللوجستية ومراكز التوزيع، من خلال إنشاء مراكز تخزين وتوزيع بالقرب من المحاور والأسواق الرئيسية فى شرق وغرب وجنوب إفريقيا، بما يسهم فى خفض تكاليف النقل وتحسين سرعة وصول المنتجات المصرية إلى المستهلكين»، مؤكدة أن «تعزيز قدرة الشركات المصرية على المنافسة داخل الأسواق الإفريقية يتطلب توفير مجموعة من الأدوات والآليات التى تساعدها على مواجهة المخاطر والتعامل مع خصوصية كل سوق»، وموضحة أن «النجاح فى إفريقيا لا يعتمد على جودة المنتج وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من التمويل والمعلومات والتوزيع».
وأوضحت أن «الشركات المصرية تحتاج كذلك إلى فهم دقيق لخصوصية كل سوق إفريقية، سواء من حيث القوانين واللوائح الضريبية والجمركية أو طبيعة المستهلك والثقافة المحلية»، مؤكدة أن «التعامل مع القارة باعتبارها سوقا واحدة لا يعكس التنوع الكبير بين دولها واختلاف بيئاتها الاقتصادية والتشريعية».
وأشارت إلى أن «التحدى الرئيسى أمام تعزيز العلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية لا يرتبط بضعف الفرص المتاحة داخل القارة، وإنما بمدى كفاءة أدوات الوصول إليها والاستفادة منها، حيث إن القارة الإفريقية تمثل واحدة من أكبر الأسواق الواعدة عالمياً، فى ظل تجاوز عدد سكانها 1.3 مليار نسمة، إلى جانب ما تتمتع به من موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية كبيرة، وهو ما يوفر مساحة واسعة أمام الشركات المصرية للتوسع فى التجارة والاستثمار».
كما لفتت إلى أن «العقبات الحقيقية تتمثل فى محدودية أدوات التمويل المباشر، وعدم انتظام خطوط الملاحة والنقل البحرى والبرى المباشرة بين مصر وعدد من الأسواق الإفريقية، فضلاً عن تحديات تحويل العملات الأجنبية بين الدول الإفريقية، وهى عوامل ترفع تكلفة التجارة والاستثمار وتحد من قدرة الشركات على التوسع»، مشيرة إلى أن «معالجة هذه التحديات تتطلب تطوير منظومة متكاملة للوصول إلى الأسواق الإفريقية، تشمل توفير التمويل والضمانات، وتحسين الربط اللوجستى والنقل، وتطوير آليات المدفوعات والتسويات المالية، بما يسمح بتحويل الإمكانات الكبيرة التى تتمتع بها القارة إلى فرص تجارية واستثمارية فعلية أمام الشركات المصرية».
من جانبه، قال الدكتور ماهر حامد سعداوى، مدير مركز تنمية الموارد الطبيعية والبشرية بكلية الدراسات الإفريقية العليا، إن «تعظيم الاستفادة من العلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية يجب أن يرتبط بأهداف التنمية التى حددتها أجندة إفريقيا 2063، باعتبارها الإطار التنموى الذى اتفقت عليه الدول الإفريقية لتحقيق التنمية المستدامة بالقارة، حيث إن توجيه التعاون الاقتصادى المصرى الإفريقى نحو الأولويات التى حددتها الأجندة يمكن أن يحقق مردودا أكبر على شعوب القارة، خاصة فى القطاعات الحيوية، وفى مقدمتها التعليم والصحة والطاقة، إلى جانب دعم مشروعات التنمية التى تستهدف بناء القدرات البشرية وتعزيز الموارد الطبيعية، بما يحقق مصالح مشتركة بين مصر والدول الإفريقية».
«د. ماهر»، أضاف أن «الأسواق الإفريقية تمتلك احتياجات متزايدة يمكن للشركات المصرية أن تسهم فى تلبيتها من خلال توسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وفى مقدمتها مجال إنتاج الطاقة الكهربائية، والصناعات التحويلية، والزراعة الذكية، حيث التوسع فى هذه المجالات لا يمثل فقط فرصة أمام الشركات المصرية لزيادة استثماراتها ونشاطها فى القارة، وإنما يساهم كذلك فى دعم مسارات التنمية الإفريقية، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتأثيرها على الإنتاج الزراعي، وهو ما يجعل تبنى تقنيات الزراعة الذكية والحلول الحديثة لإدارة الموارد الزراعية أمراً أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة، حيث تمتلك مصر خبرات واسعة فى هذه القطاعات، ويمكن توظيفها فى إقامة مشروعات مشتركة تحقق مصالح متبادلة، لافتاً إلى أن التجربة المصرية فى تنفيذ مشروع “سد جوليوس نيريري” لتوليد الكهرباء فى تنزانيا يمثل نموذجاً عملياً على قدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية داخل القارة».
كما أكد أن «توجيه الاستثمارات المصرية إلى القارة الإفريقية يجب أن يحظى بأولوية، خاصة فى قطاع الزراعة والطاقة، موضحاً أن الاستثمار الزراعى يمثل أحد أهم المجالات التى يمكن لمصر التوسع فيها داخل الأسواق الإفريقية، لما له من ارتباط مباشر بتحقيق الأمن الغذائى وتعزيز القدرات الإنتاجية لدول القارة، حيث إن القارة الإفريقية تمتلك إمكانات كبيرة فى مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يظهر فى تجارب عدد من الدول، من بينها المغرب وجنوب إفريقيا وكينيا، حيث مصر تمتلك بدورها خبرات متراكمة وقدرات فنية يمكن توظيفها فى تنفيذ مشروعات مشتركة بمجال الطاقة النظيفة».
«ماهر»، أوضح أن «تحقيق استفادة إفريقية حقيقية من الاستثمارات المصرية يتطلب توفير بيئة أكثر جذباً ومرونة أمام المستثمرين المصريين، من خلال منح الاستثمارات مساحة أكبر للعمل داخل الأسواق الإفريقية، وتقديم حوافز تشجع الشركات على ضخ رءوس أموالها وإقامة مشروعات إنتاجية طويلة الأجل، كما يمكن أن تشمل هذه الحوافز تيسير إجراءات تملك الأراضى الزراعية أو الانتفاع بها وفقاً للقوانين الوطنية لكل دولة، وخفض الرسوم الجمركية والضرائب على الشركات المصرية الراغبة فى الاستثمار، إلى جانب توفير حماية أكبر للشراكات والاستثمارات المصرية، بما يضمن استقرار المشروعات ويشجع المستثمرين على التوسع».
وتابع أن بناء شراكات أكثر فاعلية بين القطاع الخاص المصرى ونظيره الإفريقى لا يبدأ من الصفر، وإنما يستند إلى تجارب مصرية قائمة بالفعل داخل عدد من دول القارة، يمكن البناء عليها وتوسيع نطاقها خلال المرحلة المقبلة، حيث إن شركة «المقاولون العرب» تمثل أحد أبرز النماذج المصرية الموجودة فى الأسواق الإفريقية منذ سنوات طويلة، ولها حضور فى عدد من دول غرب إفريقيا، من بينها غينيا ونيجيريا، إلى جانب مشروعات واستثمارات فى أوغندا، كما تمتد أنشطة شركة «السويدى للكهرباء والطاقة» إلى عدد من الدول الإفريقية، من بينها أوغندا وتنزانيا وكينيا، فضلاً عن وجود شركات مصرية تعمل فى مجال الطاقة المتجددة داخل جنوب إفريقيا.
وأضاف أن «هذه التجارب تؤكد وجود فرص حقيقية أمام القطاع الخاص المصرى للتوسع داخل القارة، إلا أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب توفير بيئة استثمارية أكثر ملاءمة من جانب الحكومات الإفريقية، بما يشمل الاستقرار والأمن، ووضوح الأطر الاقتصادية والتشريعية، وتيسير الإجراءات، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية»، لافتًا إلى أن «التحرك الاستثمارى المصرى فى القارة الإفريقية يمكن أن يقوم على ثلاث دوائر رئيسية، تبدأ بالدائرة العربية، وفى مقدمتها تعزيز الاستثمارات المصرية فى ليبيا باعتبارها تمثل الجوار الغربى المباشر لمصر، وتمتلك احتياجات كبيرة فى مجالات إعادة الإعمار والبنية الأساسية والطاقة وغيرها من القطاعات»، و«الدائرة الثانية هى الدائرة الإقليمية، وتتمثل فى توسيع الاستثمارات المصرية فى دول حوض النيل، خاصة فى قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة المتجددة»، لافتاً إلى أن هذه الدول تمتلك احتياجات تنموية وفرصاً استثمارية يمكن للشركات المصرية المشاركة فيها، مستشهداً بالتجربة المصرية فى تنزانيا كنموذج للتعاون فى تنفيذ المشروعات الكبرى».