رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ثوابت مصرية فى بناء «العلاقات الإفريقية»


7-10-2026 | 14:37

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

«التقارب المصرى الافريقي» استراتجية مصر أكدت عليها التحركات الخارجية المصرية بتوجيهات واضحة ومحددة من الرئيس عبد الفتاح السيسى لاستعادة مصر لمكانتها داخل القارة السمراء وقيادة تطلعات ابنائها لتحقيق طموحات الشعوب الافريقية الناشدة لتنمية مستدامة تليق بقدرارت وموارد القارة الافريقية، ومنذ تولّى الرئيس «السيسي» المسؤولية فى 2014، بدا واضحًا أن القاهرة قررت إعادة تموضعها الإفريقى على أسس جديدة، لا تقوم فقط على استدعاء التاريخ، بل على تحويل الانتماء الإفريقى إلى مسار عمل سياسى واقتصادى وأمنى وتنموى متكامل، فلم تعد إفريقيا فى الخطاب المصرى مجرد زاوية من زوايا السياسة الخارجية، لكنها أصبحت أحد ثوابت الأمن القومى المصري، ومجالًا لتوسيع المصالح، وبناء الشراكات، وتكريس مبدأ «التنمية والتكامل الإقليمي» كعنوان رئيسى للحركة المصرية فى القارة.

 

وتبلور هذا التحول عبر الزيارات الرئاسية المكثفة، واستقبال القادة الأفارقة فى القاهرة، وظهر بوضوح من خلال مشاركات الرئيس «السيسي» فى قمم الاتحاد الإفريقي، وقمم الكوميسا، والمنتديات الإفريقية التى استضافتها مصر؛ حيث جرى الربط بين السلم والأمن، وإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والتجارة البينية، وتمكين الشباب والمرأة، بوصفها مكونات مترابطة لمقاربة مصرية أوسع تجاه القارة، وخلال الايام الماضية انطلقت قمة «العلمين - إفريقيا» لتؤكد حرص مصر على تعزيز التضامن الإفريقى، وتشير إلى رغبة فى تحقيق شراكة متكاملة فى قضايا الأمن والسلام والتنمية وهو ما أكد عليه الخبراء مشيرين إلى أن المنتدى يعد أكبر من كونه مؤتمر اقتصادى عادي، لأنه يتعامل مع فكرة احترافية للجهود الاقتصادية وتوفيق الملائمات التشريعية الممكنة فى الاستثمار فى التجارة البينية داخل القارة، خاصة وأن مصر تتطلع للانتقال من الحديث عن أولويات التنمية فى أفريقيا إلى حشد الموارد والاستثمارات والبدء الفعلى فى تنفيذ مشروعات ملموسة على أرض الواقع.

فى هذا السياق، قال السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشؤون الأفريقية، إن «مصر تعزز بشكل كبير ومتواصل التعاون مع أفريقيا لمواجهة تحديات القارة، والحضور الرئاسى المتواصل للقمم الافريقية أحد ملامح الوجود المصرى المميز بأفريقيا، والقمة الحالية فى مدينة العلمين ستركز على قضايا اقتصادية منها تسريع خطوات التكامل القارى وتعزز عمل منطقة التجارة الحرة الأفريقية التى لعبت مصر دوراً كبيراً فى تأسيسها ، كما أن الدولة المصرية تضع القارة الإفريقية على رأس أولوياتها فى إطار تحركها الاستراتيجى على كل المستويات».

«حليمة»، أضاف أن «مصر استطاعت، خلال السنوات القليلة الماضية، أن تحقق تقدما ملحوظًا فى علاقاتها مع القارة الإفريقية، على مختلف الأصعدة، خاصة فى الملفات المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية»، مشيرا إلى أن «القاهرة تعمل على تطوير شراكات استراتيجية شاملة مع الدول الإفريقية، تشمل الأبعاد الأمنية والسياسية، فى إطار مساعيها المستمرة لترسيخ الاستقرار، وبسط السلام فى أنحاء القارة، وحل النزاعات من خلال الطرق السلمية والدبلوماسية، مع التمسك بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول وهو ما أكد عليه الرئيس السيسى خلال كلمته فى افتتاح قمة العلمين - افريقيا».

وتابع: مصر على مدار السنوات الماضية اتخذت خطوات ملموسة لتعزيز التعاون الاقتصادى الإفريقي، من أبرزها إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو المشروع الذى يُنظر إليه كحجر الزاوية فى نهضة القارة اقتصاديًا، ويعكس إدراك مصر لأهمية التكامل الاقتصادى الإقليمي، ومصر تتولى حاليًا ملف الزراعة كأحد أعمدة التنمية المستدامة فى القارة الإفريقية، وهناك رؤية شاملة لدى الدولة المصرية تتقاطع مع أهداف أجندة إفريقيا 2063، والتى تعد خارطة طريق لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة والطموحة فى القارة».

نائب رئيس المجلس المصرى للشؤون الأفريقية، أشار إلى أن «مصر تسعى بقوة نحو تعزيز البنية التحتية على مستوى القارة، من خلال مشروعات الربط الكهربائي، وإنشاء الطرق البرية والنهرية والبحرية، لربط القارة ببعضها بعضًا بخطوط طولية وعرضية، وفق برنامج التنمية المستدامة الإفريقي»، مضيفًا أن «هذه المشروعات ستسهم فى توطيد أواصر التعاون وتسهيل حركة البضائع والخدمات بين الدول الإفريقية».

من جهته، قال السفير أبو بكر حفنى محمود، مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون الأفريقية، إن «القيادة السياسية المصرية نجحت بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير فى استرجاع دورها الريادى ونفوذها السياسى والاقتصادى داخل القارة الأفريقية على كافة المستويات، والسياسة الخارجية المصرية صاغت استراتيجية متكاملة مكنتها من العودة القوية إلى الساحة الأفريقية وتصدر المشهد الإقليمي، وهناك مؤشرات بارزة تعكس نجاح مصر فى استعادة مكانتها وفى مقدمتها رئاستها للاتحاد الأفريقى وتوليها رئاسة تجمع الكوميسا فضلا عن رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقى لدورتين متتاليتين ورئاسة بعض المؤسسات الفرعية التابعة للاتحاد مثل وكالة التنمية الأفريقية «النيباد» مما يبرهن على الثقة الدولية فى القدرات المصرية».

وأضاف أن «استعادة الدور المصرى برزت بشكل خاص فى منطقتى دول حوض النيل والقرن الأفريقى والبحر الأحمر وهو ما تُرجم إلى توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون شملت المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والعلمية»، مستشهدا بالاتفاقيات المبرمة مؤخرا مع إريتريا لتعزيز التعاون فى مجالات الطاقة المتجددة.

مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون الأفريقية، أكد أن «تعزيز الوجود الاقتصادى المصرى فى القارة الأفريقية يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص»، مشددًا على أن الحكومات وحدها لا تستطيع تنفيذ الاستثمارات المطلوبة داخل القارة، ومشيرا الى أن «الجهود التى تبذلها الدولة فى أفريقيا ملموسة وواضحة فى عديد من الدول إلا أنها تحتاج إلى دعم أكبر من القطاع الخاص، الذى يجب أن يؤدى دورًا رئيسيًا ومحوريًا فى دفع الاستثمارات وتحقيق التنمية الاقتصادية».

«أبو بكر»، لفت إلى أن «الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على إنشاء وتطوير الممرات التجارية والاقتصادية داخل القارة الأفريقية، باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز حركة التجارة والاستثمار، وزيادة التكامل الاقتصادى بين الدول الأفريقية».

من جانبه، أكد السفير الدكتور محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق ، أن «العلاقات المصرية الإفريقية تشهد مرحلة تتطلب الانتقال من مفهوم التعاون التقليدى إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية المتكاملة، التى تجمع بين الأمن والسلام والتنمية والتكامل الاقتصادى وبناء القدرات، ومصر بحكم موقعها وتاريخها ودورها داخل القارة لديها مسئولية مهمة فى دعم الاستقرار الإفريقى وتعزيز الحلول الإفريقية للأزمات التى تواجه دول القارة».

وأضاف أن «مصر لا تنظر إلى قضايا الأمن والتنمية باعتبارهما مسارين منفصلين، فالتجارب الإفريقية تؤكد أن النزاعات المسلحة والفقر وضعف المؤسسات والتهميش وغياب فرص العمل ترتبط بصورة وثيقة، ولذلك فإن تسوية النزاع لا تكتمل بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما تحتاج إلى عملية متكاملة لبناء السلام وإعادة الإعمار ودعم مؤسسات الدولة وتوفير فرص اقتصادية واجتماعية للسكان، وهو النهج الذى تعكسه خبرة مركز القاهرة الدولى لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، الذى تأسس عام 1994 وتوسع دوره ليشمل بناء القدرات والوقاية من النزاعات وحفظ وبناء السلام».

مساعد وزير الخارجية الأسبق، أشار الى أن «مصر تمتلك خبرة مهمة فى مجال الوساطة وتسوية النزاعات، فضلاً عن مشاركتها فى عمليات حفظ السلام ودعم القدرات الإفريقية، كما أن عضوية مصر فى مجلس السلم والأمن الإفريقى خلال الفترة 2024–2026 أتاحت لها مواصلة الإسهام فى مناقشة أزمات القارة، وتعزيز التعاون بين الاتحاد الإفريقى والأمم المتحدة، ودعم بناء القدرات الإفريقية فى مجالات منع النزاعات ومكافحة الإرهاب وحفظ السلام».

وأوضح «حجازي»، أن «المرحلة المقبلة تتطلب تطوير هذا الدور بحيث لا يقتصر على التعامل مع الأزمات بعد اندلاعها، وإنما يمتد بصورة أكبر إلى الإنذار المبكر والوقاية من النزاعات والوساطة المحلية وبناء السلام من القاعدة إلى القمة، مع إشراك المجتمعات المحلية والمدن والأقاليم والقطاع الخاص والشباب والمرأة فى عمليات بناء السلام والتنمية»، لافتًا إلى أن «التنمية تمثل فى حد ذاتها أداة من أدوات منع النزاعات، ولذلك فإن تعزيز التعاون المصرى الإفريقى يجب أن يركز على مشروعات البنية الأساسية والطاقة والربط الكهربائى والنقل والرقمنة والصحة والتعليم والزراعة وإدارة المياه، إلى جانب نقل الخبرات وبناء الكوادر والمؤسسات الإفريقية. وتؤكد السياسة المصرية الحالية أهمية الجمع بين الأمن والتنمية وبناء القدرات الإفريقية وهى رسائل اكد عليها الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال كلمته بقمة العلمين - افريقيا».

«د. محمد»، فى سياق حديثه، لفت إلى أهمية إعطاء المدن والحكومات المحلية دورًا أكبر فى التعاون المصرى الإفريقى، باعتبار أن كثيرًا من تحديات القارة تظهر على المستوى المحلى، من توفير الخدمات وفرص العمل والإسكان وإدارة الهجرة واللاجئين إلى مواجهة تغير المناخ والتوسع الحضرى. ومن هنا يمكن أن تتحول المدن الإفريقية إلى منصات عملية للتعاون وتبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات التنمية المستدامة، موضحا أن «مصر تستطيع خلال المرحلة المقبلة أن تطرح مبادرة متكاملة للسلام والتنمية فى إفريقيا تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: الوقاية من النزاعات والوساطة وتسوية الأزمات، ثم دعم عمليات حفظ وبناء السلام، وأخيرًا ربط السلام بمشروعات التنمية وإعادة الإعمار، بحيث يصبح تحقيق الاستقرار مدخلًا للتنمية، وتصبح التنمية نفسها أداة للوقاية من النزاعات».

كما شدد على أن «مستقبل العلاقات المصرية الإفريقية لن تحدده فقط الاتصالات السياسية والزيارات الرسمية، وإنما قدرة مصر وشركائها الأفارقة على تحويل الروابط التاريخية والجغرافية إلى مشروعات مشتركة ومؤسسات فاعلة وشراكات اقتصادية وتنموية مستدامة، بما يعزز قدرة القارة على مواجهة تحديات الأمن والتنمية وتحقيق «حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية».

الدكتور رمضان قرني، الخبير فى الشؤون الأفريقية، أوضح أن «استضافة مصر لمنتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» تأتى فى إطار استمرار وتأكيد الدور المصرى تجاه القارة الأفريقية، موضحًا أن التنمية تمثل المحور الرئيسى لهذه الرسالة»، مشيرًا إلى أن المتابع للخطاب السياسى المصرى خلال السنوات الأخيرة، بمختلف مؤسسات الدولة يلاحظ أن ملف التنمية أصبح قضية محورية وركيزة أساسية فى تحرك السياسة الخارجية المصرية تجاه القارة الأفريقية.

وأضاف: مصر لم تقتصر على طرح قضية التنمية أو الدعوة إليها، وإنما عملت بالتعاون مع شركائها الأفارقة والمانحين الدوليين على إنشاء آليات تنفيذية تساعد فى دفع عملية التنمية داخل القارة، ومن أبرز المبادئ التى رسختها مصر فى تحركها الخارجى مبدأ الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية، إلى جانب العمل على إنشاء آليات تنفيذية مصرية للتعاون مع الشركاء، وفى مقدمتها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، واستضافة مصر مركز الاتحاد الأفريقى لإعادة الإعمار والتنمية فى مرحلة ما بعد النزاعات، فضلًا عن تنظيم عدد من المنتديات السنوية التى تستهدف دعم مسار التنمية.

وأشارإلى نماذج عملية لجهود مصر فى طرح مشروعات كبرى لدعم مسار التنمية، موضحًا أن من أبرزها استضافة مصر عام 2015 القمة الثلاثية للتكتلات الأفريقية الثلاثة «الكوميسا» و«السادك» و«تجمع شرق أفريقيا»، والتى اعتبرها تمهيدًا لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التى يجرى حاليًا العمل على تطوير آلياتها التنفيذية.

كما لفت إلى أن التحرك المصرى فى أفريقيا يقوم كذلك على ثلاثية الأمن والسلام والتنمية، باعتبارها ركائز أساسية للحفاظ على مسار التنمية داخل القارة، مشددًا على أن من أهم المواقف المصرية المتكررة فى مختلف المنتديات والمنصات الدعوة إلى الحفاظ على الدولة الوطنية فى أفريقيا، باعتبار أن الاستقرار يمثل حجر الزاوية لتحقيق التنمية فى القارة.

فى حين أكد الدكتور رامى زهدي، الخبير فى الشأن الأفريقي، أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة تحول محورية فى توجه السياسة الخارجية المصرية نحو القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أنها لم تكن مجرد تغيير سياسى داخلي، بل إعادة ضبط شاملة لمسار الدولة على مختلف المستويات، وموضحا أن العلاقات المصرية الأفريقية بعد عام 2013 أصبحت أكثر اتزانًا وفاعلية، وقائمة على مبادئ الندية والتكافؤ والمصالح المشتركة، مع فهم أعمق لاحتياجات الدول الأفريقية وإمكاناتها. وتابع أن «مصر نجحت خلال نحو 13 عامًا فى بناء نموذج جديد للتعاون مع دول القارة، من خلال علاقات ثنائية شاملة شملت جميع الدول الأفريقية دون استثناء، بما يعكس عودة قوية للدور المصرى داخل القارة، والزيارات الرئاسية والقمم الأفريقية شكلت عنصرًا رئيسيًا فى تعزيز الحضور المصري، حيث زار الرئيس 22 دولة أفريقية، واستقبل عشرات القادة، إلى جانب مئات الاتصالات واللقاءات على المستويات المختلفة، بما يعكس حجم التفاعل الدبلوماسى غير المسبوق».

وأضاف أن «هذا النشاط أسهم فى تعزيز الثقة المتبادلة بين مصر والدول الأفريقية، ورسّخ مكانة القاهرة كطرف فاعل فى القضايا الإقليمية والدولية الخاصة بالقارة»، لافتا إلى أن السياسة المصرية ربطت بين مفاهيم السلام والتنمية باعتبارهما مسارين لا ينفصلان، وموضحًا أن «مصر لعبت دورًا مهمًا فى جهود حفظ السلام ودعم الاستقرار فى القارة دون التدخل فى الشؤون الداخلية للدول».

كما أكد أن مشاركة مصر فى الاتحاد الأفريقى والتجمعات الإقليمية مثل الكوميسا والنيباد عززت من مكانتها كدولة محورية فى صناعة القرار الأفريقي، مشددا على أن القاهرة أصبحت منصة رئيسية لصناعة القرار الأفريقي، من خلال استقبالها المستمر للوفود الرئاسية والمسؤولين الأفارقة، إلى جانب دورها المتنامى فى دعم الاستثمارات وتبادل الخبرات، بما يعزز مكانة مصر كبوابة رئيسية لأفريقيا على العالم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة