رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العبور والبقاء في النور (سلسلة أطياف النور 5)


6-10-2026 | 02:15

.

طباعة
بقلم: مستشار محمد منسي

انتهت حروب الرمال، وبدأت حروب الوعي. وما كان يدار في غرفة العمليات المركزية في أكتوبر 1973، هو نفسه ما يدار اليوم في غرف التخطيط للجمهورية الجديدة، بفارق واحد: العدو لم يعد دبابة على الضفة الأخرى، بل فكرة وجهود ومؤامرات خارجية تحاول أن تسقط الثقة.

إن أهم كواليس أكتوبر لم تكن خطة العبور نفسها، بل قرار تحديد سقف العبور. فالتوجيه الاستراتيجي الذي صدر يوم 5 أكتوبر حدد الهدف بتحرير شريط 10-12 كيلومترا فقط، لتحريك الموقف السياسي وليس للتحرير الشامل. هذا السقف المنخفض ظاهريا هو الذي صنع السلام والاقتصاد وقناة السويس وكل ما نعيشه اليوم. لقد حول الحرب من غاية فناء إلى وسيلة بناء.

وهذا هو جذر عقيدتنا اليوم: حماية الإنجاز.

أولا: معادلات الاستمرار المرتبطة سيكولوجيا.. كيف لا يزال أكتوبر حيا فينا؟

إن أكتوبر لم ينته كحدث، بل تحول إلى كيمياء مستمرة في الجسد المصري والعربي على ثلاثة مستويات.

المستوى القيادي - البعد النفس عقلي:
 ما قبل أكتوبر كان القرار يساوي رد فعل وخوف من الفشل. وما بعد أكتوبر أصبح القرار يساوي رؤية مستقلة مضروبة في حساب دقيق للقدرة. القيادة التي ذاقت مرارة 67 ونشوة 73 تعلمت معادلة جديدة: النصر ليس أن تفني عدوك، بل أن تجبره على الجلوس معك. ومن هنا ولدت معادلة الاستمرار القيادي: حكمة حماية الإنجاز تساوي حاصل جمع ذاكرة الهزيمة ونشوة النصر، مقسوما على شهوة المغامرة. وكلما زادت حكمة حماية الإنجاز، قلت شهوة المغامرة غير المحسوبة.

المستوى المؤسسي - البعد النفس عضوي: (جسد الدولة ) نفسه تغير. فالدولة التي كانت تعاني من كورتيزول الهزيمة المزمن، توتر وبيروقراطية واعتماد على الخارج، أصبحت بعد العبور تدمن الدوبامين، هرمون الإنجاز الصغير المتتالي. فالدولة التي عبرت القناة في ست ساعات هي نفسها التي تحفر اليوم خمسة أنفاق وتبني 24 مدينة جديدة في عشر سنوات. معادلتها: استمرار النماء يساوي إنجاز صغير يومي مضروب في ثقة مؤسسية، مقسوم على بيروقراطية التوتر.

المستوى الشعبي والإقليمي - البعد النفس اجتماعي: 
كان أكتوبر أكبر جرعة أوكسيتوسين، هرمون الثقة الجماعية، للمنطقة. فالشعوب لا تعمر بالخرسانة وحدها، بل بالثقة. حين تنهار الثقة بين الناس وبين قيادتها، كما حدث في 2011، يتوقف العمران مهما كانت الأموال موجودة. وحين تعود الثقة، يعود العمران. ولذلك فإن معادلة الاستمرار الشعبي هي: ثقة الناس في بعضها مضروبة في ثقة الناس في قيادتها، مقسومة على شائعات الخوف. وهي المعادلة التي تفسر لماذا تستهدف الشائعات دائما الثقة، لأنها تعلم أن إسقاط الثقة يساوي إيقاف النماء.

ثانيا: الإنجاز بمعاملات القيمة.. فليس كل بناء سواء

إن الدولة الآمنة المستقرة التي تعمر وتنمو لم تبن بشكل عشوائي، بل بترتيب معاملات خطية يفسر أولويات القيادة.

المعامل الاول هو إنجازات سد الفراغ: 
وهي المشروعات التي تمنع تكرار ثغرة 73. شبكة الطرق القومية 7000 كم، ومحاور النيل، والأنفاق الخمسة تحت قناة السويس، والمدن الجديدة في سيناء. هذه ليست طرقا، هذه عملية سد للفراغ الجغرافي الذي كان يسمح بالاختراق. قيمتها ليست اقتصادية فقط، بل أمن قومي. فالفراغ هو الذي يصنع الثغرة، والعمران هو الذي يسدها.

المعامل الثاني هو إنجازات تأمين البقاء: محطات الكهرباء العملاقة التي أضافت 28 ألف ميجاوات، ومشروعات توشكى ومستقبل مصر والدلتا الجديدة، ومحطات تحلية المياه. هذه مشروعات حولت مصر من دولة مهددة بالظلمة والعطش إلى دولة لديها فائض نور وفائض غذاء. وهذا هو تعريف الأمان في القرن الحادي والعشرين. فالدولة التي لا تملك كهرباءها وخبزها، لا تملك قرارها.

المعامل الثالث هو إنجازات بناء الوعي: الجامعات الأهلية والتكنولوجية، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، ومنظومة التأمين الصحي الشامل. هذه هي مقومات الاستثمار في مصنع النور نفسه، أي الإنسان. فقيمتها أنها تحول المواطن من متلقي دعم إلى منتج نور، ومن عبء على الدولة إلى شريك في حماية الإنجاز.

القارئ الكريم،  ان المعادلة الكلية للإنجاز تساوي مجموع هذه المشروعات مضروبة في معاملاتها، مقسومة على الزمن.. والتحدي الآن هو كيف نحمي هذه المعادلة من التآكل.

ثالثا: من حماية الإنجاز إلى توسيع دائرة النور.. 
وهنا يأتي التحول الذكي في التوجهات الرئاسية الحالية. فالدولة التي أتمت بناء الحجر، تدرك أن الحجر بلا وعي يحرسه، سيسقط. ومن هنا جاءت فكرة المنتديات لا كاحتفالات، بل كآليات حماية.

منتدى مصر 2026.. توسيع نطاق المشاركة
ذلك لإن فكرة منتدى مصر 2026 ليست مجرد مؤتمرا جديدا، بل هي تطبيق عملي لمعادلة الأوكسيتوسين التي تحدثنا عنها من قبل. فالدولة التي تريد أن يستمر نماؤها، يجب أن تشرك كل الفئات في حماية ما بنته.

التوجيه الرئاسي واضح: لا تنمية مستدامة بدون مشاركة واسعة. شباب ومرأة ورجال أعمال وعمال وفلاحون ومثقفون وأهل فكر وخبرة. المنتدى هو منصة إصغاء حقيقي وليس منصة إلقاء خطب. فالدولة تسأل: ما هي خرائطكم لتحويل القيم إلى طاقة إيجابية حية في الشارع؟ كيف نحول معادلة الثقة من شعار إلى سلوك يومي في المصنع والمدرسة والحي؟

إنها نقلة من منطق الدولة التي تبني للناس، إلى منطق الدولة التي تبني بالناس. وهذا هو أقوى تأمين على الإنجاز.

 تصدير النور بدلا من استيراد الظلام
وهنا يأتي دور المنتدى الثاني، منتدى العلمين أفريقيا، فهو الأكثر ذكاء من الناحية الجيوسياسية.

مدينة العلمين نفسها هي الرسالة. كانت حقل ألغام من مخلفات حرب عالمية ورمزا للظلام والموت، حولناها إلى مدينة نور ومهرجانات وسلام. فإذا استطعنا تحويل حقل ألغام إلى مدينة حياة، نستطيع أن نقدم النموذج لأفريقيا.

ورغم ما يشهده الإقليم من خلافات رؤوية حادة، كما نرى ما يدور سجالا ورجالا ورحالا مع إثيوبيا والصومال وإريتريا، جاءت الرؤية المصرية لتقول: لن نتحدث عن الظلام، سنتحدث عن النور. فالمنتدى لم ينعقد ليحل نزاعا حدوديا بعينه، بل ليطرح سؤالا آخر: ما هي المشروعات التي يمكن أن نبنيها معا بدلا من أن نختلف عليها؟

وكانت النواتج عملية: طرح ممرات النور، وهي ربط كهربائي ولوجستي بين مصر وأفريقيا، فمصر التي أصبحت مركزا للطاقة تستطيع أن تضيء لأشقائها. وتقديم مصر كدولة نور محايدة تملك ثقة كل الأطراف لأنها لا تبحث عن نفوذ، بل عن مصالح مشتركة. فالأمان لا يأتي من سلاح تحمله ضد جارك، بل من مشروع تبنيه مع جارك.

لقد اختارت الدولة المصرية ( دولة النور ) الجديدة أن تتحدث عن المشترك المنير، لأنها تدرك قاعدة النور: إذا تحدثت عن الظلام كثر الظلام، وإذا تحدثت عن النور اتسع النور.

إننا أمام انتقال تاريخي. من عبور قناة السويس في 1973 إلى عبور فجوة الثقة في 2026. الأول حرر الأرض، والثاني يحمي الإنجاز ويصون ما تم بناؤه وينميه ليبقى.

وكلنا جاهزون وفي خدمة وطننا وأمانه ونمائه في أي لحظة.

السادة المواطنون ، إنها معادلات دولة النور

    كلمات البحث
  • العبور
  • البقاء
  • النور
  • سلسلة
  • أطياف

أخبار الساعة

الاكثر قراءة