رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| أشهر معارك الدبابات.. قائد دبابات أكتوبر: الغلاف الصلب لعين الجمل


6-10-2026 | 13:33

.

طباعة
تحقيق: حـمدى لطفـى عدسة: شوقى مصطفى

«كانت معارك الدبابات المصرية والإسرائيلية شديدة الضراوة ولم يتعود الإسرائيليون على خوض غمار مثل هذه الحروب، وقد أظهرت المعارك التى دارت فى القطاع الأوسط أن المصريين لم يكونوا على الإطلاق أقل مستوى من الإسرائيليين».

هذه سطور قليلة من دراسة صحفية عسكرية كتبها الصحفى البريطانى «شارلز ويكبردج» فى المجلة الأمريكية العسكرية «ناشيونال ديفنس» عدد يونيو 1975.

و«شارلز ويكبردج» خدم بالجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الثانية وقام بتغطية معظم الحروب التى نشبت منذ ذلك الحين..

ومن دراسة الصحفى البريطانى أعرض هذه السطور عن معارك الدبابات فى حرب أكتوبر المجيدة.

«أكثر من 2000 دبابة اشتركت فى هذه الحرب فوق صحراء سيناء عام 1973 ولا يعلم أحد على وجه الدقة كم كان عددها.. وهو عدد يزيد على عدد الدبابات التى اشتركت فى معركة العلمين حوالى 1518 دبابة، واستمرت معركة سيناء -دبابات أمام دبابات- ستة أيام عندما بدأت تهدأ وتخف حدتها نتيجة الإنهاك التام ونفاد الوقود والذخيرة كما - يقول الصحفى الإنجليزى- الذى بدأ يعانى منه كلا الجانبين بعد أن دار القتال بينهما فى منطقة القطاع الأوسط فوق رقعة من الأرض يبلغ طولها 40 ميلًَا وعرضها 25 ميلًا، وعلى الرغم من أن المصريين قد تجاوزوا نطاق الحماية الجوية التى توفرها لهم شبكة الصواريخ المضادة للطائرات مما ساعد الطيران الإسرائيلى على العمل ضدهم، إلا أن المدرعات الإسرائيلية لم تتمكن من السيطرة على الموقف حتى يوم 18 أكتوبر 1973».

لقاء مع القائد

وفى القاهرة التقيت برجل الدبابات المصرية، الأب المعلم لقطاع كبير من جيل النصر فى معارك المدرعات ومجدها البطولى فوق صحراء سيناء- الرجل الذى أعطى أحلى سنى العمر للدبابات ورصع جسده بثلاث إصابات خلال المعارك التى خاضها فوق دبابته- اللواء كمال حسن على- مدير المدرعات فى حرب رمضان المجيدة، وقائد معركة المدرعات فى مضيق الجدى عام 1967 واحدة من أشرف المعارك التى خاضتها قواتنا المدرعة فى حرب 1967، وحجبتها نتائج الجولة المشؤومة عن جماهير الشعب .

من مواليد 18/9/1921، تخرج فى الكلية الحربية عام 1942 وخدم بمنطقة القناة وبقى بها حتى عام 1943، التحق بمدرسة المدرعات بعد ذلك مدرسا للملاحة البحرية والإشارة، فى حرب 1948 كان أركان حرب الأورطة الخفيفة- وهى أورطة دبابات شكلت ودخلت إلى فلسطين، واشتركت فى العمليات الحربية بخان يونس، ومعركة التبة 86 ومعركة رفح، أصيب فى ذراعه اليسرى أثناء القتال وأعيد للوطن.

سافر إلى إنجلترا فى بعثة مصرية والتحق بمدرسة المدرعات الإنجليزية فى «برفنجن» عام 1949-1950 ثم عاد إلى مدرسة المدرعات المصرية، قامت الثورة فأسندت إليه العمل برئاسة سلاح المدرعات، التحق بكلية أركان حرب عام 1955 وتولى عام 1956 أركان حرب المدرعات لشئون التدريب إلى جانب الإشراف على عمليات الاحتياطى الاستراتيجى للقوات المسلحة، عمل بعد ذلك رئيسا لأركان المجموعة الثانية المدرعة ثم قضى عامى 1958-1959 فى بعثة قادة ألوية بالاتحاد السوفييتى وعاد إلى الوطن ليتولى أركان حرب المنطقة الشرقية بالقناة، حتى عام 1960 كان رئيسا لأركان «اللواء 70» المدرع فى بعثة بسوريا، وفى أول يونيو من نفس العام تولى قيادة اللواء فكان أول ضابط مصرى يقود تشكيلا سوريا على مستوى لواء- حتى قام الضباط السوريون فى ذلك الوقت بانقلابهم الانفصالى.

عاد ليعمل مدرسا بكلية أركان حرب حتى عام 63 ثم اختير مديرا للعمليات فى حرب اليمن وبقى هناك إلى يناير 1965 حيث أصيب للمرة الثانية فى يناير 1964، تولى بعد ذلك رئاسة مكتب قائد القوات البرية لمدة سنة، ثم عهد إليه بقيادة اللواء الثانى المدرع فى يونيو 1966ودخل به معاركه فى صحراء سيناء خلال عمليات 1967، وأصيب للمرة الثالثة يوم 8 tيونيو 1967 بعد معركة بارزة حدثت أمام مضيق الجدى وهى معركة المدرعات المصرية- التى اهتم بها المحللون العسكريون فى الغرب.

قال لى اللواء كمال حسن على:

صدر أمر التعبئة يوم 14مايو 1967 وتحركنا يوم 24 ضمن الفرقة الرابعة المدرعة إلى منطقة التحاقا يوافق المليز، وفى صباح يونيو التاسعة صباحا إلا خمس دقائق كنت أقوم بالمرور على كتيبة الدفاع الجوى باللواء وفوجئنا بدون سابق إنذار على الإطلاق بالطيران الإسرائيلى فوق المطار وأعطيت أوامر الاشتباك على الفور وأسقط الرجال ثلاث طائرات من الموجة الأولى فركز العدو طيرانه فوق اللواء الذى كان فى وضع ممتاز بالنسبة للحفر والخندق وإجراءات الدفاع الجوى فلم تصب لنا غير دبابة واحدة نتيجة التجهيز الهندسى الجيد فى انتشار دبابات اللواء، وخرجنا من خنادقنا حين صدرت الأوامر لنا بالتحرك إلى منطقة على مسافة 20 كيلومترا من الحدود الدولية وتحركنا ليلاً لمسافة مائة كيلو متر دون أى خسائر أو أعطال، واتخذنا مواقعنا حتى الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم 7يوليو وهنا صدرت إلينا الأوامر مرة أخرى بالعودة إلى نفس المكان السابق نهارا، وفى اليوم السادس من يوليو 67كان واضحا أن طيراننا اختفى من سماء المعركة فطُلبت بإشارة أن نتحرك ليلا بدلا من النهار، فى حين أن الأوامر جاءت وقرروا التنفيذ فى الموعد الأول أى نهارا.

وتحركنا 11ظهراً وبعد 20 دقيقة من التحرك ظهرت طائرة استطلاع إسرائيلية، وبعد 15دقيقة، كانت طائرات العدو فوقنا ولم يتوقف اللواء واستمرت الغارة الجوية ثمانى ساعات متصلة حتى 2 مساء كنا قد بلغنا منطقة التمركز مرة أخرى وخسائرنا نحو 40 فى المائة.

قصة أغرب من الخيال

فى «تمادا» وجدنا أن أوامر جديدة صدرت بالتحرك إلى مضيق الجدى واحتلاله حتى ظهر يوم 7يونيو، وقمنا بالمهمة وطوال الأيام الثلاثة لم نقابل ولم نشتبك إلا مع العدو الجوى ومع طائراته وحتى يوم 7يونيو لم يتوقف اشتباكنا مع الطائرات الإسرائيلية، صدرت الأوامر بعدها بالتحرك إلى غرب القناة وتحركنا وحرصت على أن تنتشر مدرعات اللواء شرقا وليس غربا، فجاءت أوامر جديدة بالعودة إلى مدخل مضيق الجدى شرقا بمنطقة تمادا، كانت الدبابات حتى ذلك الوقت قد قطعت أكثر من 300 كيلو متر على الجنزير دون إعادة تزويد بالوقود وقد بدا رجالى فى منتهى الصلابة والتماسك وتزودنا بالوقود وتحركنا صباح يوم 8 يونيو إلى مضيق الجدى، وتقدمت عناصر الاستطلاع إلى مخرج المضيق شرقا وأبلغت عن تقدم دبابات العدو وقد اشتبكت مع عناصر الاستطلاع بالفعل ثم بدأت الدبابات الإسرائيلية تنسحب داخل المضيق ولإيمانى بعدم وجود طيران لنا وحتى لا يصبح المضيق مصيدة لقواتى- أمرت رجالى باتخاذ مواقع على مخرج المضيق من الغرب، ثم استمر العدو فى التقدم حتى ظهر من المضيق وهنا وقعت معركة مدرعات أمام مدرعات، واستمر القتال 90دقيقة أو أكثر قليلا خسر العدو خلالها 8 قطع وأصيبت لنا قطعتان، وظهرت طائرات العدو لإنقاذ مدرعاتها، واستمر القصف الجوى حتى 3 ظهراً فتدمرت تقريبا جميع المدفعيات المضادة للطائرات، ثم جميع دباباتى وعربتى المدرعة- وقد أرسلت قيادة الفرقة عربة قيادة جديدة لى فدمرت هى الأخرى أثناء المعركة، انسحبت دبابات العدو داخل المضيق وتقدم خلفها ثلاث دبابات مصرية تكون فصيلة كان فى الدبابة الأولى ملازم أول لطفى وفى الثانية قائد الكتيبة رائد فوزى.

دبابات ضد دبابات

قال لى قائد دبابات أكتوبر:

رغم نتائج المعركة ككل إلا أن الصورة لم تكن قاتمة السواد كما كتب أحد الصحفيين فى الغرب عام 72 وكان يتحدث عن معارك قواتنا المسلحة فى سيناء عام 1967 ، رغم ذلك فقد استوعبنا الدرس جيداً، وكانت معارك الدبابات مع الجيش الثالث أو مع الجيش الثانى محصلة قائمة على الخبرة والتدريب والمعارف الميدانية، وإيمان الرجال بشرعية حربهم.

إن معارك عديدة قامت بها المدرعات المصرية فى حرب 1973 تعد من أرقى دروس حروب الدبابات، وقد تتبعها بالدراسة معلقون عسكريون من أنحاء الدنيا.

معركة البطل الشهيد جمال المهدى فى الجيش الثالث كانت قمة فى المناورة والنيران، وهى معركة كتيبة مدرعة مصرية ضد كتيبة مدرعة إسرائيلية بعدها استمرت المعارك التى تألقت فيها دباباتنا- خاصة فى صد هجمات العدو المضادة، حيث تدمرت مدرعاته، ومعاركنا حين ركز العدو على الحد الأيمن للجيش الثانى- قطاع الغرفة 16 و2مشاة، وهدفه خلق الظروف المواتية لكى يعبر إلى الغرب، ولذلك استخدم 2 لواءين مدرعة كانت تهجم بالتوالى، واستطاع مقاتلونا تكبيده أقصى الخسائر، فكانت الساحة رهيبة بالنيران حيث وجدنا دبابات إسرائيلية مدمرة على مسافة مائة متر من دباباتنا، ولذلك حصل كثير من ضباط المدرعات على وسام نجمة الشرف والنجمة العسكرية.

إن بين رجالى قائد سرية دمر 34 دبابة للعدو، دمرها بعشر دبابات مصرية أصيبت منها أربع دبابات فقط، لم تكن تلك المعارك بنتائجها العالية عفوية أو ضربة حظ، بل كانت حصيلة جهد وإيمان وكفاءة فى التدريب طوال سنوات الصبر والصمت.

لقد صمد جندى المشاة المصرى بصلابته واقتداره وبالمصاطب المصرية للدبابات حققنا أروع صور التلاحم الميدانى وأثناء توسيع رؤوس كبارى قواتنا فى سيناء قادت الدبابات الهجوم بحكم إمكانيات نيرانها وتدريعها وسرعتها، وقد حدث ذلك فى معظم مناطق توسيع رؤوس الكبارى.

فى الجيش الثالث وفى بعض المناطق قادت المشاة عمليات توسيع رؤوس الكبارى وذلك ليس مجافيا للتكتيك بل تقتضيه ظروف وطبيعة الأرض، حتى حطمت دباباتنا جميع الموجات المدرعة المضادة التى قام بها العدو.

غلاف عين الجمل

إن الدبابات بالنسبة للمشاة والمدفعيات كما يقول القادة القدامى هى الغلاف الصلب لعين الجمل.. ولذلك كانت دباباتنا هى الدرع التى تحطمت فوقها موجات الهجوم الإسرائيلى المضاد على طول الجبهة.

ولقد استمدت الدبابات المصرية عناصر تفوقها من خلال التعاون الراقى بينها وبين المشاة والمدفعية المضادة للدبابات والمدفعية وحققت الدبابات المصرية من خلال التنسيق مع الأسلحة الأخرى أعلى صور المناورة طبقا لحجم هجوم العدو.

هناك رجال كثيرون أظهروا من البطولات ما يفوق الخيال وأذكر على سبيل المثال البطل «القرش» غير دبابته ثلاثة مرات فى المرتين السابقتين على استشهاده كانت دبابته تصاب فيتركها ويستقل دبابة جديدة مستمرا فى القتال عبر معارك القطاع الأوسط وكان له شرف الاشتراك فى تدمير اللواء الإسرائيلى المدرع 190 بقيادة عساف ياجورى، ذلك اللواء الذى تجدد أيضا ثلاث مرات أثناء القتال وقد دمرته قوتنا مرتين، وأسرت قائده فى هجومه الأخير علينا.

لقد كان للدبابات المصرية دور قتالى متألق متميز فى معارك الدبابات ضد الدبابات وفى المعارك التصادمية التى خاضتها وفى تدمير اللواءات الإسرائيلية المدرعة المدعومة بالحماية الجوية.. ومن هنا نستطيع أن نقول بكل الرضى والإيمان إن المدرعات المصرية كانت فعلا وبحق «الغلاف الصلب لعين الجمل» .

المعركة غير المعلنة

إن البطل اللواء كمال حسن على مدير دبابات أكتوبر هو أحد نجوم معركة الصبر والصمت المعركة غير المعلنة التى قادها القائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس أنور السادات مع رجاله قادة قواتنا المسلحة، استعدادا لمعركة مصيرية هى الخلاص للشعب العربى من عار الهزيمة فى 1967، لقد نقل اللواء كمال حسن على بعد إصابته فى يونيو 1967 نائبا لمدير شئون الضباط بالقوات المسلحة، حتى التأمت الإصابة- فتولى رئاسة أركان إحدى الفرق المدرعة ثم تولى قيادتها.

وساهم بعد ذلك فى هيئة عمليات قواتنا المسلحة كمدير للعمليات وكان اللواء سعد مأمون محافظ مطروح حاليا هو أحد نجوم المدرعات المصرية رئيساً للعمليات فى تلك الفترة، وبعد معركة التصحيح عام 71 تولى اللواء كمال حسن على رئاسة أركان المدرعات، وفى يوليو 1972 عين مديرا للمدرعات المصرية، ثم تسلم أخطر تلقين من القائد العام المشير أحمد إسماعيل على بالاستعداد للحرب.. ومضى أكثر من عام حافل بالتفاصيل والمهام حتى بزغ فجر 6 أكتوبر وعبرت المدرعات المصرية إلى سيناء، فاتحة نيرانها مطورة هجومها، موسعة لرؤوس كبارى قواتنا ومحققة أرفع الأساليب فى إدارة معاركها التصادمية.

ولقد اختار الفريق أول محمد الجمسى القائد العام لقواتنا المسلحة وأحد أساتذة المدرعات فى الشرق الأوسط اللواء كمال حسن على فى مايو مساعدا له وكان أول لقاء لهما بالمدرعات فى بداية عام 1947 .

 

* نشر فى المصور 10 أكتوبر 1975

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة