رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تعمير «أرض الفيروز».. سنوات التنمية الشاملة


6-10-2026 | 13:31

.

طباعة
تقرير: نور عبد القادر

خلال السنوات الأخيرة شهدت أرض الفيروز توسعًا فى مشروعات البنية الأساسية والخدمات والإسكان، بالتوازى مع السعى إلى خلق أنشطة اقتصادية وزراعية وصناعية وسياحية قادرة على جذب السكان والاستثمارات، وفى هذا السياق، تطرح التنمية نفسها باعتبارها أكثر من مجرد مشروعات اقتصادية فهى جزء من معادلة الأمن القومي، وترسيخ الوجود المصرى وتهيئة الأرض لمجتمع مستقر ومنتج، فبعد أن كانت معركة الأمس هى استرداد الأرض تبدو معركة اليوم هى تعميرها وحمايتها بالتنمية والاستقرار.

 

وأكد الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس والمفكر السياسي، أن «شبه جزيرة سيناء تمثل جزءا أصيلا لا ينفصل عن جغرافية الدولة المصرية، فضلًا عن أهميتها الاستراتيجية والجيوسياسية البالغة بالنسبة للأمن القومى المصري، فموقعها جعلها على مدار التاريخ هدفًا لأطماع وقوى متعددة، وكانت سيناء دائمًا فى قلب الصراعات الإقليمية والدولية بداية من الصراعات القديمة، مرورًا بالعصور الوسطى، وصولًا إلى الصراعات الحديثة، فموقعها كبوابة مصر الشرقية جعلها منطقة ذات أهمية خاصة فى حسابات القوى المتنافسة على المنطقة».

وقال إن «التنمية يمكن أن تتحول إلى سلاح رادع، لأن سيناء كلما أصبحت أكثر عمرانًا واستقرارا وارتباطا بباقى أنحاء الجمهورية، أصبحت أكثر قدرة على مقاومة أى محاولات لاختراقها، فالدولة بعد 30 يونيو وضعت تصورا متكاملا لتنمية سيناء يختلف عن محاولات التنمية السابقة من حيث اتساع نطاقه وتعدد قطاعاته، والأمر لم يعد قائمًا على مشروع منفرد أو قطاع واحد وإنما على منظومة متكاملة من البناء والتنمية والتحديث».

وأوضح أن «هذه الرؤية تستهدف تحقيق هدفين متلازمين: استكمال القضاء على الإرهاب وترسيخ الأمن، بالتوازى مع بناء قاعدة تنموية وعمرانية تجعل سيناء أكثر ارتباطًا بالدولة المصرية وأكثر قدرة على استيعاب السكان والأنشطة الاقتصادية، فحجم الجهود والاستثمارات التى وُجهت إلى سيناء شمل قطاعات متعددة، ولم يقتصر على مجال بعينه، وإنما امتد إلى البنية الأساسية والخدمات والنقل والمواصلات والطاقة والكهرباء والغاز الطبيعي، إلى جانب التنمية البشرية والعمرانية.

وأوضح الدكتور محمد أبو سمرة، خبير التخطيط والتنمية العمرانية أن التنمية المستدامة فى سيناء تحتاج إلى مراعاة خصوصية كل منطقة وطبيعتها الجغرافية والبيئية، خاصة فى المجال السياحي، وسيناء لا يمكن أن تخضع لنموذج سياحى واحد فشرم الشيخ ودهب لديهما مقومات تسمح باستيعاب أنماط متعددة من السياحة، بينما تحتاج سانت كاترين إلى نمط سياحى أكثر انضباطا ومحدودية يحافظ على طبيعتها الجبلية وخصوصية المكان وقيمته التاريخية والبيئية».

وأكد على ضرورة أن تتوافق المشروعات، خاصة فى المناطق الحساسة بيئيًا مع طبيعة المكان وتراثه المحلي، ويجب استخدام خامات وأساليب بناء تنسجم مع البيئة الجبلية ولا تؤدى إلى تشويهها، معتبرًا أن الحفاظ على البيئة والتراث ليس عائقًا أمام التنمية، وإنما شرط من شروط استدامتها، كما أن تحسين الاتصال وسرعة الانتقال بين الوادى وسيناء يمكن أن يمثل عاملًا مهمًا فى دعم السياحة الداخلية والوافدة، والهدف النهائى يجب ألا يكون مجرد الوصول إلى سيناء، وإنما جعل الانتقال إليها والإقامة فيها والاستثمار بها أمرا طبيعيا وسهلاً.

كما لفت إلى أنه «من هنا يمكن القول إن الدولة تعمل على الانتقال من تعمير منفصل للمناطق فى سيناء إلى إنشاء منظومة عمرانية مترابطة من طرق تربط، ومياه توفر مقومات الحياة، وزراعة وصناعة توفر النشاط الاقتصادي، ومدن وتجمعات تستوعب السكان، وموانئ ومحاور تفتح المجال أمام التجارة والاستثمار، ومن منظور الأمن القومى فإن وجود مجتمع مستقر ومنتج ومترابط عمرانيًا واقتصاديًا على أرض سيناء يمثل أحد عناصر القوة الشاملة للدولة، فالأمن لا يعتمد فقط على حماية الحدود وإنما أيضًا على قدرة الدولة على إعمار الأرض ودمجها فى الاقتصاد الوطنى وجعلها جزءًا حيًا وفاعلًا من جسد الدولة».

أما الدكتور عادل عامر، أستاذ الاقتصاد الدولى وخبير الاقتصاد، فأكد أن «شبه جزيرة سيناء شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا فى طبيعة الاستثمارات والمشروعات، انتقلت معه الدولة تدريجيًا من التركيز على إنشاء البنية الأساسية وتوفير الخدمات إلى تهيئة بيئة اقتصادية قادرة على جذب القطاع الخاص، وتحويل سيناء إلى مركز للإنتاج والاستثمار والتوطين، فتقييم حجم الاستثمارات فى سيناء يحتاج إلى التعامل بحذر مع الأرقام المعلنة، نظرًا لاختلاف الفترات الزمنية والنطاق الجغرافى وطريقة احتساب المشروعات، وبالتالى لا يمكن جمع هذه الأرقام أو مقارنتها بصورة مباشرة».

وتابع: من ذلك نجد أن فلسفة التنمية الاقتصادية فى سيناء مرت بثلاث مراحل رئيسية؛ بدأت المرحلة الأولى بإنشاء البنية الأساسية، من طرق ومحاور وكهرباء ومياه وتحلية وصرف صحى واتصالات وإسكان ومطارات وموانئ، بهدف خفض تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادى وتهيئة البيئة أمام المستثمرين. أما المرحلة الثانية فتمثلت فى تعزيز الربط واللوجستيات، من خلال ربط سيناء بشبكة الطرق القومية والموانئ والأسواق، وتطوير ميناء العريش والمطارات، وإعادة إنشاء خط السكك الحديدية، بما يسهم فى تحويل سيناء من منطقة بعيدة عن مراكز النشاط إلى منطقة مرتبطة بشبكة النقل والتجارة، وتأتى المرحلة الثالثة، وهى الأهم اقتصاديًا، فى تحويل هذه البنية الأساسية إلى اقتصاد إنتاجى واسع يقوده القطاع الخاص، من خلال مشروعات زراعية وصناعية وسياحية ولوجستية تولد فرص العمل والدخل والاستثمارات والصادرات.

وأضاف أن «الاستثمار فى الإسكان بسيناء لا ينبغى النظر إليه باعتباره مجرد إنشاء وحدات سكنية، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف استقرار السكان وتوطين النشاط الاقتصادي، فمشروعات الإسكان ارتبطت بإنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والكهرباء والمياه والخدمات الحكومية، فضلًا عن توفير فرص العمل، بما يضمن تكامل منظومة الاستقرار العمرانى والاقتصادى».

ونوه إلى أن هيكل الاستثمارات يعكس استمرار الإنفاق على البنية العمرانية والخدمية؛ ففى شمال سيناء استحوذ الإسكان والنقل والرى على نسب كبيرة من الاستثمارات العامة، بينما تركزت الاستثمارات فى جنوب سيناء أيضًا على الإسكان والصحة والنقل، وهو ما يعكس أن سيناء لم تنتقل بصورة كاملة بعد إلى مرحلة الاقتصاد الإنتاجي، والدولة لا تستهدف أن تصبح المستثمر والمشغل الوحيد، وإنما يتمثل دورها فى إنشاء البنية الأساسية وتهيئة البيئة الاستثمارية، ثم يأتى القطاع الخاص لتحويل هذه البنية إلى مصانع ومزارع وفنادق وشركات ومشروعات إنتاجية توفر فرص العمل، وتزيد الصادرات، وتولد الإيرادات.

وتابع: هناك عائد أمنى واستراتيجي، وعائد اجتماعي وخدمي، إلى جانب العائد الاقتصادى والمالى المباشر، مع الأخذ فى الاعتبار أن الطريق أو محطة المياه قد لا تحقق أرباحًا مباشرة للدولة، لكنها يمكن أن ترفع قيمة الأراضي، وتخفض تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي، وتجذب مشروعات جديدة، وتوفر فرص عمل، بما ينعكس فى النهاية على القيمة الاقتصادية للمنطقة، ونجاح التنمية فى سيناء خلال المرحلة المقبلة سيقاس بقدرتها على الانتقال من الإنفاق على البنية الأساسية إلى توليد نشاط اقتصادى مستدام يقوده القطاع الخاص، ويخلق فرص العمل، ويرفع القيمة المضافة، ويزيد الإنتاج والصادرات، ويعزز فى الوقت نفسه استقرار السكان وتوطين النشاط الاقتصادى.

فيما قال الدكتور أحمد المحجوب عميد كلية الزراعة والخبير الزراعي: سيناء منذ عام 2014 شهدت تحولًا كبيرًا فى ملف التنمية الزراعية، انتقلت معه الدولة من مشروعات زراعية محدودة ومتفرقة إلى منظومة متكاملة تستهدف استصلاح الأرض وتوفير المياه وإنشاء تجمعات زراعية وربطها بالسكان والخدمات والإنتاج، ويأتى فى مقدمة هذه المشروعات مشروع تنمية شمال ووسط سيناء لاستصلاح وزراعة نحو 456 ألف فدان، مع تنفيذ مسارين لنقل المياه بطول 105 كيلومترات و18 محطة رفع، بما يوفر البنية المائية اللازمة للتوسع الزراعي، وفى إطار تحويل الزراعة إلى أداة للتوطين والاستقرار شهدت سيناء إنشاء تجمعات زراعية وتنموية متكاملة تجمع بين الأرض والمسكن والخدمات وفرص العمل، ووفق البيانات الرسمية، استفادت أكثر من 2100 أسرة من 18 تجمعًا زراعيًا على مساحة تصل إلى 11 ألف فدان خلال 2025–2026، فيما تم تنفيذ 13 تجمعًا زراعيًا بشبكات رى وصوب زراعية بتكلفة بلغت 1.706 مليار جنيه، وبذلك لم تعد الزراعة فى سيناء مجرد زيادة فى الرقعة الخضراء، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تستهدف خلق مجتمعات مستقرة ومنتجة، وتعزيز الأمن الغذائي، وربط السكان بالأرض، وتحويل التنمية الزراعية إلى أحد عناصر القوة والاستقرار فى سيناء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة