رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أسطورة الحرب والسلام


6-10-2026 | 13:30

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

فى ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصرى الحديث حضورًا وتأثيرًا؛ صفحة كتبتها القوات المسلحة المصرية بدماء شهدائها، وبشجاعة جنودها، وبإرادة شعب آمن بأن الأرض لا تُسترد إلا بالعزيمة والعمل والتضحية. وفى قلب هذه الصفحة يقف الرئيس الراحل محمد أنور السادات، صاحب قرار العبور، الذى تحمّل مسئولية القرار المصيرى، وقاد مصر من لحظة كانت الهزيمة فيها جرحًا مفتوحًا إلى لحظة أعادت فيها القوات المسلحة المصرية الثقة والكرامة والقدرة على تغيير موازين القوى. وقد وصفته الرئاسة المصرية فى مناسبات متعددة بأنه «بطل الحرب والسلام» وصاحب القرار الجريء فى العبور.

 

لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما كانت نقطة تحول أعادت رسم الكثير من الحسابات فى المنطقة. ففى السادس من أكتوبر 1973، عبرت القوات المصرية قناة السويس، ونجحت فى اقتحام خط بارليف وفرض واقع عسكرى جديد، لتسقط بذلك الصورة التى كانت قد ترسخت عقب حرب يونيو 1967 حول استحالة تغيير الوضع القائم. وكان قرار العبور، كما تؤكد المصادر الرسمية المصرية، قرارًا تاريخيًا اتخذه السادات فى أكتوبر 1973، وتحمّل تبعاته السياسية والعسكرية.

ولم يتوقف أثر النصر عند حدود المعركة. فقد فتح أكتوبر الطريق أمام مسار سياسى انتهى باستعادة سيناء عبر مزيج من القوة العسكرية والتفاوض والدبلوماسية. وتؤكد الرئاسة المصرية أن استعادة الأرض مرت بمسارين متكاملين: حرب أكتوبر التى أعادت لمصر القدرة على التفاوض، ثم المفاوضات التى قادت فى النهاية إلى استعادة سيناء.

وفى هذا السياق، أعود إلى حديثى مع الرئيس السادات الذى أجريته عام 1974، حين سألته: إلى أى حد يمكن للعرب وإسرائيل أن يعيشوا فى سلام دائم على المدى الطويل؟

فأجابنى قائلاً: «سبق أن تحدثت حول هذا، فالأمر متوقف على الكثير، متوقف مثلاً على تغيير نظرة الإسرائيليين التى بنوها خلال الـ16 سنة الماضية تحت اسم «نظرية الأمن». لا بد أن يتخلوا عن هذه النظرة فى هذه المرحلة، وبصفة خاصة بعد 6 أكتوبر 73. أيضًا متوقف على استيعاب إسرائيل لحقيقة مفادها بأنها لا يمكن أن تستولى على أرض الغير وتظل آمنة مطمئنة. فلن يكون هناك أمن إطلاقًا حتى لو كان الاستيلاء على بوصة واحدة من الأرض. كما أن الأمر متوقف أيضًا على العرب بأن يروا إذا كانت إسرائيل ستغير من نظرتها ومفاهيمها وأسلوبها الذى استمر 26 سنة، ليقرروا بعدها ما يرونه. وبالتالى لن نستطيع أن نجيب الآن، حيث إن التعايش متوقف على عملية طويلة مقبلة».

وعندما سألته عن تصوره لما يعنيه السلام فى الشرق الأوسط، وهل هو مجرد وقف للحرب، أم يتعدى ذلك إلى إقامة علاقات وتبادل للمعاملات التجارية؟ قال: «إقامة العلاقات وتبادل المعاملات التجارية تعد بقايا من عقلية 5 يونيو 67، وهى دعوى تروجها إسرائيل كما روجت فى السابق نظرية الأمن. هذا كلام غير منطقى وغير عملي. تصورى للسلام واضح، وهو أن نجلس فى مؤتمر جنيف نتناقش، ليس على الانسحاب فالانسحاب غير قابل للنقاش، وإنما نتناقش حول نظرية الأمن مثلاً، وننتهى فى النهاية إلى هدفنا، وهو إنهاء حالة الحرب التى استمرت 26 عامًا. وعندما تنتهى حالة الحرب، فلا شك سيبدأ عهد جديد يتعين على جميع الأطراف أن تثبت إخلاصها له».

كان السادات يدرك أن الحرب، مهما كانت نتائجها، لا يمكن أن تكون قدرًا دائمًا للشعوب، وأن الانتصار العسكرى ينبغى أن يفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا. ومن هنا جاءت لاحقًا خطواته السياسية التى قادته إلى مسار السلام، وصولاً إلى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1978.

وحين سألته عن المستقبل الذى يتخيله لمصر على المديين القريب والبعيد، لا سيما مع ما تحمله الشعب المصرى عبر السنوات، قال: «لقد تحمل شعبنا الكثير، وأنا فخور بأننى أنتمى إلى هذا الشعب، وفخور بصمود كل فرد فيه. فى تصورى أن مصر وإخوتها العرب سيكونون جزيرة السلام والرخاء للمنطقة ولكل أصدقائنا فى العالم. ولا عداوة بيننا وبين أى إنسان إلا إذا بادرنا هو بالعداوة. علاقاتنا متوازنة مع الجميع لصالح مصر وصالح هذا الوطن الذى عانى الكثير. ويكفى أن نعلم بأن ما صرفه الشعب فى ست سنوات قبل معركة أكتوبر جاوز العشرة آلاف مليون جنيه، وكان من الممكن أن تحدث هنا معجزات».

ومن اللافت أن رؤية السادات لم تكن عسكرية فقط، وإنما ارتبطت أيضًا بفكرة إعادة بناء الاقتصاد والانفتاح على العالم. وعندما تطرقت معه إلى الانفتاح الاقتصادى الجديد، وهل يعنى الخروج من نطاق القطاع العام، قال: «هناك بلبلة حول هذا. وأعد نفسى الآن لشرح هذا الأمر فى مؤسساتنا قريبًا. الغريب أن الناس تنسى أن العالم يتجه نحو طريق المصالح والسعادة... وبدورنا نحن ننفتح على العالم لصالح بلدنا. ننفتح بشخصيتنا المصرية الأصيلة التى لم يستطِع أحد أن يطمسها عبر آلاف السنين، بل ذاب الكل فيها».

وأضاف: «أما عن القطاع العام فهو الأساس للتنمية، والذى من خلاله تمارس الدولة سيادتها، وعبره تقوم بالمشاريع التى لا يستطيع الأفراد أو القطاع الخاص القيام بها؛ لأنها قد لا تكون مجزية على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل، خلافًا للقطاع العام، حيث ستزدهر المشاريع وتنمو فى ظل الانفتاح».

وحين تطرق الحديث إلى الأبعاد الجديدة لإطلاق الحريات فى مصر، قال السادات: «أعتقد أن بلدنا مفتوح قبل كل شيء. نحن الآن نعيش فى ظل سيادة القانون ودولة المؤسسات وصحافة حرة».

ثم جاء السؤال الأخير عن الكفاح الوطنى الطويل الذى خاضه، وهل كان يدور بخلده أن يأتى يوم يتمكن فيه من إحراز ثقة الشعب، وبالتالى مساعدته على التمتع بحريته، فأجاب: «أؤمن دائمًا بأنه فى النهاية لا يصح إلا الصحيح. ولأننى نشأت فى الريف فتعلمت منذ نشأتى الإيمان. وهذا يعود إلى ارتباطنا بالأرض، والتى تمثل لنا الخلود؛ خلود البلد وخلود هذا التراث وهذا الشعب. وبعد أن قامت الثورة لم أضع نفسى فى الصورة التى سأصل عبرها لأن أكون المسئول الأول فى هذا البلد. ولكنى مؤمن دائمًا، ولذا كنت مرتاح البال. أما وقد جاءت اللحظة التى توليت فيها هذه المسئولية، فأنا أعمل بقدر ما أستطيع، وبقدر ما وهبنى الله سبحانه وتعالى من قدرة احتمال وإيمان».

وبعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال آثار أكتوبر حاضرة فى مصر؛ فقد أعاد النصر صياغة مفهوم الأمن القومى المصرى، ومهّد الطريق لاستعادة سيناء، وفتح بابًا جديدًا أمام السياسة والدبلوماسية، كما رسخ فى الوعى الوطنى أن قوة الدولة لا تنفصل عن إرادة شعبها وقدرة مؤسساتها على اتخاذ القرار فى اللحظات الفارقة. وقد أكدت خطابات مصرية رسمية متعاقبة أن نصر أكتوبر أعاد الكرامة، وفتح الطريق لاستعادة الأرض وإرساء السلام.

وهكذا يبقى السادات حاضرًا فى الذاكرة المصرية ليس باعتباره رئيسًا قاد حربًا فحسب، وإنما باعتباره قائدًا اتخذ قرار العبور، ثم خاض معركة السلام بالجرأة نفسها. وبين ضفة الحرب وضفة السلام، ظل هدفه المعلن هو استعادة الأرض وحماية مصالح مصر وفتح الطريق أمام مستقبل مختلف. ولذلك، فإن ذكرى أكتوبر لا تستحضر فقط عبور قناة السويس، وإنما تستحضر رجلاً ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية فى تاريخ الوطن؛ رجل الحرب الذى عرف متى يخوض المعركة، ورجل السلام الذى عرف متى يمد يده إليه. رحم الله الرئيس محمد أنور السادات؛ فقد بقى فى الذاكرة المصرية أسطورةً بوصفه رجلَ الحرب والسلام.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة