رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حرب أكتوبر واللورد كرومر


6-10-2026 | 13:27

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

بينما تهل علينا أجواء الذكرى المجيدة للانتصار الفذ لقواتنا المسلحة في 6 أكتوبر 1973، ففي الوقت نفسه كنت أبحث وأقرأ في كتاب اللورد كرومر (1841-1917) وحكم مصر ربع قرن تقريبًا، لذلك كتب مذكراته بعنوان «مصر الحديثة» في عام 1908، وعلى أهميتها القصوى، إلا أنها تُرجمت وصدرت عام 2014 بالمركز القومي للترجمة، من صبري حسن، وبمراجعة د. زكريا الشلق، فوجدت في انتصارنا وتخطيطنا الفذ بحرب أكتوبر المجيدة ردًا على ما وصف به كرومر المصريين بكتابه.

 

ربما ينزعج البعض، لا سيما المؤرخين، من الربط الذي جاء في ذهني بين الواقعتين، وسأسرد ما قاله، ومن زوايا محددة أرى بها ربطًا بين الحدثين، لذلك اصبروا لنهاية المقال، فربما نجد به فكرة ما تستحق ما جاء بذهني للربط، وربما غير التعسفي كذلك.

واللورد كرومر، واسمه الأصلي إيفلين بارينج، ولد لأسرة أرستقراطية عريقة تنمي جذورها إلى ألمانيا، ولكن الجد الأكبر ذهب إلى لندن وأسس بنكًا بها، وتوطدت علاقته بالأرستقراطية الإنجليزية عن طريق الزواج، وتعلم في مدارس النخبة بها، ولكنه فشل، فقررت أسرته إلحاقه بمدارس الأرستقراطية العسكرية، وتخرج منها وسافر إلى الهند كسكرتير ومساعد لعمه، والذي تولى منصبًا بالهند بعد أن احتلتها بريطانيا، وبدأت علاقته بمصر قبل الاحتلال الإنجليزي 1882 من خلال عضويته بصندوق الدين كممثل وعضو به أيام الخديو إسماعيل، ثم تولى مسؤولية المستشار والحاكم الإنجليزي بعد احتلال مصر، ولمدة اقتربت من ربع قرن كحاكم، وغادرها في منتصف 1907 عقب أحداث دنشواي وازدياد الحملة ضده، وكتب مذكراته في نهاية العام، وصدرت في عام تالٍ، وهي ضخمة ومكونة من جزأين.

يرى كرومر بمذكراته أن المصري والشرقي شخصية متواكلة، وغير منطقي في تفكيره، والغريب أنه رغم اعترافه بحضارة الشرق، إلا أنه يقول إنها ذهبت مع الأتراك منذ زمن، ففي صفحة 189 يرى أن حياة المصري -على عكس الأوروبي- هي الماضي والحاضر، أما المستقبل فهو كفيل بنفسه، بينما الأوروبي يفكر بالمستقبل، وأن المصري لا يكترث ويعبأ للغد، فلا يخطط له، وهنا جاء الانتصار بالتخطيط لحرب أكتوبر ومفاجأة العبور في ذهني لترد على هذه العقلية الأوروبية الاستعلائية، وهي ظاهرة المركزية الأوروبية، كانت منتشرة ومتغلغلة أوروبيًا مع عصر التنوير من كانط وهيجل، بل وربما عند نابليون، ومن هنا كان انتصار أكتوبر على العدو، وهو ابن لهذه العقلية الأوروبية الاستعلائية، فبريطانيا هي من منحت اليهود، لا سيما الأوروبيين منهم، وعد بلفور وأرض فلسطين، وسمحت لهم بالهجرات الأوروبية المتوالية، وهي التي دعمتهم طوال تاريخهم وفي حروبهم ضد مصر والعرب، وهم بأنفسهم يقولون ذلك، إنهم أبناء الحضارة الأوروبية ويدافعون عنها حتى الآن لاستقطاب الغرب، لذلك فإن انتصار أكتوبر ليس فقط في رد الاعتبار لكرامة الجيش والمصريين بعد هزيمة 67، ولكنه رد اعتبار كذلك على هذه النظرة الاستعلائية على العقل المصري واتهامه بالتواكل، وبأنه لا يحسن التخطيط للغد، ففي حرب أكتوبر وانتصارنا على العدو، والذي أحسن التخطيط له بالعلم في هذه الحرب، بل إنه يصفنا بإخفاء المعلومات وربما التآمر؟!، ولكن حرب أكتوبر كشفت أن السرية والإخفاء للتحركات والإعداد للحرب، بدءًا من موعد الحرب والتدريب عليها بالصحراء وخطط التمويه للعبور وبناء الكباري، هي ميزة، بل خطة عبقرية، وأن الإخفاء هو جزء للوصول للانتصار عبر مفاجأة اختيار التوقيت كذلك وإخفائه، فهنا صفة المؤامرة التي يتهمنا بها كرومر، هي جزء من ذكاء وتراث المصري للنصر وإنجاز الأعمال الكبرى.

وهنا نأتي لنقطة مركزية أخرى، وهي علاقة التعليم بكرومر وبانتصار أكتوبر، لأنّها علاقة وثيقة للغاية، فقد كان كرومر ومنذ أن أصبح الحاكم لمصر ولمدة 25 عامًا تقريبًا، وترك بعد رحيله ولمدة 15 عامًا تالية المستشار دنلوب، والذي كان يرسم سياسات التعليم حتى طُرد بعد ثورة 1919 وغادرها عام 1920، وكلاهما الحاكم والمستشار وهما ينتهجان سياسة تقليص التعليم -القليل للغاية وقته ولصالح الأرستقراطية، حتى باعتراف كرومر نفسه-، بل قلصه كرومر أكثر وأكثر، وألغى منه المجانية تدريجيًا حتى انتهت، وارتفع ما يدفعه الأهالي من مصروفات لموازنة التعليم من 17 ألف جنيه إلى 90 ألفًا عام 1905، كما يذكر، وزادت عدد مدارس القرى (كُتّاب القرى، وهي فئة أعلى من الكتاتيب القديمة التي يراها عديمة الجدوى، ويذكر أن 505 مدرسة أدت لخدمة 92 ألف تلميذ، منهم 2000 فتاة، في ظل الإدارة المستنيرة لسعد زغلول ومستشاره دنلوب!

أذكر تلك المعلومات لأقول إن سياسة الكتاتيب استمرت عقودًا طويلة حتى بعد دستور 1923، والذي قال بالمجانية للتعليم الأولي والمدارس الإلزامية، وهو شكل متطور قليلًا من مدارس الكتاتيب، وكانت أعدادها قليلة رغم ذلك على مر السنوات، لرفض النخب التوسع في تعليم المصريين، بينما نسبة الأمية هي الأساس والأكبر، واقتربت نسبتها من أكثر 75% وقت قيام ثورة يوليو، ثم نقصت قليلًا بعدها، وذلك طبقًا لما ورد بكتاب «الأمية بمصر» لآية سمير الغريب، لماذا هذا الحديث الآن؟ لأن من حارب في حروب مصر، لا سيما حتى عام 1967، كانوا من أغلبية وعامة الشعب المظلومين بالأمية، ولكن حينما توسع التعليم، خاصة بالجامعات، وبقرار مجانية التعليم الجامعي 1961، وبعد عشر سنوات من الثورة، فهؤلاء المتعلمون وزيادة عددهم بالجيش، وهم الوقود والذين انتصروا بحرب أكتوبر، فقرار دخول حملة المؤهلات العليا إلى الجيش بعد الهزيمة، فكان هو القرار الصحيح تمامًا والمؤدي إلى حسن التعامل مع السلاح والخطط وتنفيذها، ولا ننسى أن فكرة تحطيم خط بارليف جاءت من خريجي الهندسة. هذا التطور هو الرد كذلك على سؤال كرومر (ص641): هل يمتلك المصريون المتعلمون الملكات والسمات التي تنتج مصريين أقوياء فكريًا قادرين على الحكم الذاتي؟ والإجابة واضحة من الاستناد إلى العلم وإلى نتائج المصريين، وعلى رأسها حرب أكتوبر، وأننا قادرون على إدارة حرب والتخطيط والانتصار بها، للحقيقة عمل الاستعمار والنخب المحافظة على تقليص التعليم الجامعي وعدم إتاحته أمام المصريين، ولعقود طويلة، وبالأعداد التي تتناسب وتليق بهم، فظل طوال العقود وربما لأكثر من قرن محدود العدد وبمصروفات وللقلة فقط، لأن التعليم العالي يوسع من الأفق والإدراك والقدرات، أي كان التخصص، ففكرة مضخة المياه، ومواد التفجير بحرب أكتوبر خرجت من المعامل والأبحاث. وهكذا كانت حرب أكتوبر المجيدة هي الرد على الاستعلاء مما قاله كرومر، وكنت أتمنى ألا يتم ترحيل يوم الاحتفال بها وأجازته إلى نهاية الأسبوع حتى نظل نحتفظ بيوم متميز في الهوية المصرية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة