رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إرادة الشعب تُحقق الانتصار


6-10-2026 | 13:27

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

يُجمع كل المؤرخين وخبراء الاستراتيجية.. على أن انتصار أكتوبر 1973.. قد بدأ فعليا يوم التاسع من يونيو 1967.. ذلك اليوم الذى أعلن فيه الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم.. بعد أن اتضحت الآثار الصعبة للعدوان الصهيونى فى الخامس من يونيو على عدد من الدول العربية.. فخرج الملايين من الجماهير بشكل أساسى فى مصر وفى كل البلدان العربية.. يرفضون قرار التنحى.. ويعلنون قرارهم الصارم والحاسم فى صيحتهم العملاقة (هنحارب.. هنحارب.. هنحارب).. ولم تكن تلك الصيحة الشعبية الجبارة مجرد (موقف عاطفى) من الجماهير تجاه الزعيم الذى أحبته.. وساندته واستفادت من إنجازاته الكبيرة.. التى انحازت إلى الغالبية العظمى من الغلابة والبسطاء.. ولكن تلك الجماهير التى خرجت بشكل عفوى مثل الطوفان.. قد بنت موقفها المقاوم والصلب.. على عدة مرتكزات.. يأتى فى مقدمتها ضرورة أن يتحمل عبد الناصر مسئولياته فى العمل على إزالة آثار العدوان.. فرغم المحبة الجارفة التى تكنها الجماهير لذلك القائد الكبير.. إلا أنها تضع على كتفيه كامل المسئولية.. وهى على ثقة بأنه سيعبر بها تلك (الكبوة)..

 

ورغم أن أبعاد المؤامرة الكبرى التى تعرضت لها مصر.. لم تكن قد تكشفت فى ذلك الوقت.. إلا أن الجماهير.. كانت غاضبة من قرار الانسحاب العشوائى.. الذى اتخذه المشير عبد الحكيم عامر.. وأدى إلى حالة من الإرباك انتهت إلى تلك النتيجة الصعبة.. وبعد سنوات طويلة انكشفت كل وثائق المؤامرة.. ليتضح أن قرار الانسحاب الخاطئ.. كان مجرد عامل مساعد.. وتركزت تلك الوثائق فى كتابين مهمين الأول بعنوان (العملية سيانيد) تأليف بيتر هونم والآخر بعنوان (إرث الرماد) تأليف تيم وانر.. حيث يضم الكتابان مئات الوثائق.. من المخابرات الأمريكية والصهيونية والأوربية تشرح كل تفاصيل المؤامرة التى تعرضت لها مصر.. لضرب دورها الذى تعملق على كل المستويات.. عربيا- إفريقيا- إقليميا- دوليا، وقد استجاب الرئيس عبد الناصر لمطالب الجماهير بالبقاء فى موقع المسئولية.. وبدأ على الفور خطوات إعادة بناء القوات المسلحة.. واختار للقيادة العليا قائدين مشهود لهما بالكفاءة والوطنية والحسم.. هما الفريق محمد فوزى.. والفريق عبد المنعم رياض.. كما اختار العديد من القادة أصحاب الكفاءة لقيادة كل أفرع القوات المسلحة.. وتم كل هذا يوم الحادى عشر من يونيو 1967.. ونتيجة لهذه الخطوة الحاسمة والمهمة.. استعاد الجيش المصرى زمام المبادرة لتبدأ بعد أقل من عشرين يوما.. وتحديدا فى الثلاثين من يونيو 1967 ملحمة حرب الاستنزاف بالمعركة الأسطورية رأس العش.. عندما استطاع ثلاثون بطلا من أبطال الصاعقة المصرية.. تدمير قول كامل من مدرعات وعربات العدو (14 دبابة وعربة).. وقتل وإصابة كل منْ كان فيها.. لتتوالى بعدها عمليات حرب الاستنزاف ضد قوات العدو.. تلك الحرب التى استمرت 1041 يوما.. وشهدت تنفيذ 4400 عملية عسكرية ضد العدو.

وإذا كان الشعب المصرى قد أخذ زمام المبادرة.. ورفع رايات المقاومة والتحدى فى التاسع والعاشر من يونيو 1967.. فقد بادر الشعب السودانى الشقيق هو الآخر.. وسجل موقفا بطوليا.. ما زال محفورا على جدران التاريخ.. عندما خرج ملايين السودانيين.. كل سكان العاصمة الخرطوم وأم درمان لاستقبال الزعيم جمال عبد الناصر.. الذى ذهب إلى السودان.. لحضور مؤتمر القمة العربى فى التاسع والعشرين من أغسطس 1967.. ذلك الاستقبال الأسطورى.. الذى دفع كل وسائل الإعلام فى العالم إلى الذهول والتعجب.. ليتم نشر صورة عبد الناصر فى كل الجرائد.. وعلى أغلفة المجلات وأشهرها مجلة التايم.. ودفع هذا الخروج المليونى للشعب السودانى.. كل القادة العرب المجتمعين فى الخرطوم.. إلى إصدار بيانهم الحاسم.. بيان اللاءات الثلاث.. لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض.. كما أقر المؤتمر دعم دول المواجهة مع العدو الصهيوني.

وعاد عبد الناصر من الخرطوم بمعنويات مرتفعة.. وإصرار أكبر على إزالة آثار العدوان.. بعد أن حاز ثقة الجماهير المصرية والعربية.. وحصل على تفويض من تلك الجماهير.. ذلك التفويض الذى يعنى الثقة والحب.. وإلزام القائد بخوض المعركة الفاصلة ضد هذا العدو الغاشم والغادر.. ورغم ظروفه الصحية شديدة الصعوبة.. راح عبد الناصر يبذل جهودا جبارة.. يجتمع بقادة الجيش أسبوعيا.. ويتصل بالقائدين محمد فوزى وعبد المنعم رياض عدة مرات كل يوم.. ويذهب إلى الاتحاد السوفييتى فى زيارات متعددة للحصول على السلاح الحديث.. الذى يمكنه مواجهة أحدث الأسلحة الأمريكية الموجودة لدى العدو. ولأن تفويض الجماهير المصرية والعربية.. كان مشروطا بعدم حدوث أى خطأ فى أى ركن من أركان الوطن.. فقد خرجت تلك الجماهير ثائرة وغاضبة ورافضة.. الأحكام التى أصدرتها المحكمة العسكرية فى العشرين من فبراير 1968 ضد قادة الطيران أثناء عدوان يونيو 1967 (الفريق صدقى محمود – اللواء إسماعيل لبيب- اللواء صدقى الغول- الخ).. حيث رأت الجماهير أن تلك الأحكام.. أقل كثيرا من حجم الأخطاء والتقصير.. والإهمال.. التى ارتكبها هؤلاء القادة.. وعلى الفور استجاب عبد الناصر لغضب واعتراض الجماهير.. وأمر بإعادة المحاكمة وقال جملته البليغة (الشعب قال.. الشعب هو المعلم) .

كما نجح الرئيس عبد الناصر بمساعدة قادة الجيش.. وبدعم من الشعب.. فى تشييد كل الأعمدة العملاقة.. التى سيقوم على أكتافها الانتصار العظيم.. عندما تحين المواجهة الحاسمة مع العدو.. حيث نجح المقدم باقى زكى يوسف (اللواء بعد ذلك) فى مايو 1969 فى ابتكار مدفع المياه.. وذلك نتيجة الخبرات التى اكتسبها من عمله فى السد العالى.. ذلك المدفع الذى مزق الساتر الترابى، كما نجح أبطال الدفاع الجوى فى الانتهاء من بناء حائط الصواريخ المرعب فى الثلاثين من يونيو 1970.. ذلك الحائط الذى قطع الذراع الطولى للصهاينة (الطيران).. كما نجح المقدم أحمد حسن المأمون فى اختراع الخلطة السحرية التى أغلقت أنابيب النابالم (فى 1969).

وعندما رحل الزعيم جمال عبد الناصر فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970.. خرجت الجماهير بالملايين فى مصر.. وفى كل بلدان الوطن العربى.. فى أكبر جنازة فى التاريخ.

وتولى الرئيس السادات الحكم فى أكتوبر 1970.. وتعهد بالسير على خطى عبد الناصر وخوض المعركة الفاصلة مع العدو.. ولكنه فاجأ كل العالم فى فبراير 1971.. بطرح مبادرة غريبة.. بسحب القوات المصرية غرب القناة والقوات الصهيونية شرق القناة.. عشرة كيلو مترات لفتح قناة السويس أمام الملاحة العالمية.. والغريب أن تلك المبادرة لم تلق أى صدى من كافة الأطراف.. ورد الجيش المصرى بعمل مشروع تدريب ضخم (بروفة نهائية للعبور).. وذلك فى مارس 1971.. مع التركيز على حماية منطقة الدفرسوار.. ومرة أخرى يفاجئ السادات كل العالم بالإطاحة بكل أركان النظام وذلك فى مايو 1971.. ليأتى الفريق محمد أحمد صادق وزيرا للحربية بدلا من الفريق محمد فوزى.. وكان صادق متحمسا للخطة جرانيت التى وضعها فوزى.. وأقرها عبد الناصر.. وحدها الأدنى الوصول إلى خط المضايق لإجبار العدو على الانسحاب إلى العريش.. ولم يوافق السادات على الخطة جرانيت.. وقرر تأجيل المعركة الفاصلة بحجة (عام الضباب).. فانفجرت مظاهرات الطلبة والعمال.. تطالب بضرورة خوض المعركة الفاصلة.. واحتدم الخلاف بين صادق والسادات حول الخطة جرانيت.. فتم إعفاء صادق من منصبه فى أكتوبر 1972 وجاء الفريق أحمد إسماعيل على وزيرا للحربية.. ومعه الفريق سعد الشاذلى رئيسا للأركان.. وتم تعديل الخطة جرانيت إلى خطة (المآذن العالمية).. التى تكتفى بالعبور واقتحام قناة السويس.. السيطرة على خمسة عشرة كيلو مترا فقط فى عمق سيناء.

وبدأت ملحمة العبور فى السادس من أكتوبر 1973.. ليقف الشعب المصرى كله خلف قواته المسلحة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة